الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ} (65)

قوله تعالى : { حَرِّضِ } : أي حُضَّ وحُثَّ . يقال : حَرَّض وحَرَّش وحَرَّك بمعنىً واحد . وقال الهروي : " يقال حارَضَ على الأمر وأَكَبَّ وواكب وواظب وواصَبَ بمعنًى قيل : وأصله مِن الحَرَض وهو الهلاك قال :

إني امرؤ رابني همٌّ فأَحْرَضني *** حتى بُلِيْتُ وحتى شفَّني سَقَم

قال أبو إسحاق : " تأويل التحريض في اللغة أن يُحَثَّ الإِنسانُ على شيءٍ حتى يُعْلَمَ منه أنه حارضٌ ، والحارضُ المقارِبُ للهلاك " ، واستبعد الناسُ هذا منه . وقد نحا الزمخشري نحوه فقال : " التحريضُ : المبالغَةُ في الحثِّ على الأمر ، من الحَرَض ، وهو أن يَنْهكه المرض ويتبالغَ فيه حتى يُشْفِيَ على الموت أو تُسَمِّيه حَرَضاً وتقول : ما أراك إلا حَرَضاً " .

قوله : { إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ } الآيات : أثبت في الشرط الأول قيداً وهو الصبرُ وحَذَفَ من الثاني ، وأثبت في الثاني قيداً وهو كونُهم مِن الكفرة وحَذَف من الأول . والتقدير : مئتين من الذين كفروا ومئة صابرة ، فحذف من كلٍ منهما ما أثبتَ في الآخر وهو في غاية الفصاحة .

وقرأ الكوفيون : { وإن يكنْ منكم مئة يَغْلبوا } { فإن يكنْ منكم مئة صابرة } بتذكير " يكن " فيهما . ونافع وابن كثير وابن عامر بتأنيثه فيهما ، وأبو عمرو في الأولى كالكوفيين ، وفي الثانية كالباقين . فَمَنْ ذَكَّرَ فللفَصْل بين الفعل وفاعله بقوله " منكم " ؛ ولأن التأنيث مجازي ، إذ المراد بالمئة الذُّكور . ومن أنَّث فلأجلِ الفصلِ ، ولم يلتفت للمعنى ولا للفصل . وأمَّا أبو عمرو فإنما فرَّق بين الموضعين فَذَكَّر في الأول لِما ذكر ، ولأنَّه لحَظَ قولَه " يَغْلبوا " ، وأنَّث في الثاني لقوة التأنيث بوصفِه بالمؤنث في قوله " صابرة " .

وأمَّا " إنْ يكنْ منكم عشرون " " وإن يكنْ منكم أَلْفٌ " ، فبالتذكير عند جميع القرَّاء إلا الأعرج فإنه أنَّث المسند إلى " عشرون " .

وقرأ الأعمش : " حَرِّصْ " بالصاد المهملة وهو من الحِرْص ، ومعناه مقاربٌ لقراءة العامة . وقرأ المفضل عن عاصم : " وعُلِم " مبنياً للمفعول ، و " أن فيكم ضعفاً " في محل رفع لقيامه مقامَ الفاعل ، وهو في محلِّ نصبٍ على المفعولِ به في قراءة العامَّة لأنَّ فاعلَ الفعلِ ضميرٌ يعودُ على الله تعالى . و " يكن " في هذه الأماكن يجوز أن تكون التامَّةَ ف " منكم " : إمَّا حالٌ من " عشرون " لأنها في الأصل صفةٌ لها ، وإمَّا متعلق بنفس الفعل لكونه تاماً ، وأن تكونَ الناقصةَ ، فيكون " منكم " الخبرَ ، والمرفوعُ الاسمَ وهو " عشرون " و " مئة " و " ألف " .

قوله : " ضعفاً " قرأ عاصم وحمزة هنا وفي الروم في كلماتها الثلاث : { اللهُ الذي خَلَقكم مِنْ ضعف ، ثم جَعَل من بعد ضعفٍ قوة ، ثم جَعَلَ من بعد قوةٍ ضعفاً } بفتح الضاد ، والباقون بضمها ، وعن حفص وحدَه خلافٌ في الروم خاصةً .

وقرأ عيسى بن عمر " ضُعُفاً " بضم الفاء والعين ، وكلُّها مصادرُ . وقيل : الضَّعْفُ بالفتح في الرأي والعقل ، والضم في البدن ، وهذا قول الخليل بن أحمد ، هكذا نقله الراغب عنه . ولمَّا نقل ابن عطية هذا عن الثعالبي قال : " هذا القول تردُّه القراءة " . وقيل : هما بمعنى واحد ، لغتان : لغةُ الحجاز الضمُّ ، ولغة تميم الفتح ، نقله أبو عمرو فيكونان كالفَّقْر والفُّقر ، والمَكْث والمُكث ، والبُخْل والبَخَل . وقرأ ابن عباس فيما حكى عنه النقاش وأبو جعفر : ضُعَفاء جمعاً على فُعَلاء كظَريف وظُرَفاء . وقد نَقَلْت عن القرَّاء كلاماً كثيراً في هذا الحرف في شرح " حرز الأماني " فإنه أليقُ به من هذا فعليك به .