ثم قال لتأكيد الوعد : { وهو الغفور الودود } فذكر من صفات جلاله وكبريائه خمسة :
( أولها ) : الغفور قالت المعتزلة : هو الغفور لمن تاب ، وقال أصحابنا : إنه غفور مطلقا لمن تاب ولمن لم يتب لقوله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ولأن غفران التائب واجب وأداء الواجب لا يوجب التمدح والآية مذكورة في معرض التمدح ( وثانيها ) : الودود وفيه أقوال : ( أحدها ) المحب هذا قول أكثر المفسرين ، وهو مطابق للدلائل العقلية ، فإن الخير مقتضى بالذات والشر بالعرض ، ولا بد أن يكون الشر أقل من الخير فالغالب لابد وأن يكون خيرا فيكون محبوبا بالذات ( وثانيها ) : قال الكلبي : الودود هو المتودد إلى أوليائه بالمغفرة والجزاء ، والقول هو الأول ( وثالثها ) : قال الأزهري : قال بعض أهل اللغة يجوز أن يكون ودود فعولا بمعنى مفعول كركوب وحلوب ، ومعناه أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه لما عرفوا من كماله في ذاته وصفاته وأفعاله ، قال : وكلتا الصفتين مدح لأنه جل ذكره إذا أحب عباده المطيعين فهو فضل منه ، وإن أحبه عباده العارفون فلما تقرر عندهم من كريم إحسانه . ( ورابعها ) : قال القفال : قيل الودود قد يكون بمعنى الحليم من قولهم : دابة ودود وهي المطيعة القياد التي كيف عطفتها انعطفت وأنشد قطرب :
الودود : المتودد إلى أوليائه بالكرامة .
وهو سبحانه غافر الذنب وقابل التوب ، هو خالق الخلق وهو أعلم بهم ، لذلك فتح باب التوبة للتائبين ، وغفر للمستغفرين ، ورحم المسترحمين ، ولم يغلق بابه في وجه قاصد ، ومهما عظم الذنب وكبرت الخطيئة ، إذا صحّ الندم ، وعظم الألم ، وصدقت نية العبد في التوبة ، فإن الله لا يردّ من قصد بابه .
قال تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء . . . ( النساء : 116 ) .
وقال عز شأنه : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم* وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له . . . ( الزمر : 53 ، 54 ) .
لقد سبقت رحمة الله غضبه ، قال تعالى : ورحمتي وسعت كل شيء . . . ( الأعراف : 156 ) .
وقال سبحانه وتعالى : إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون . ( يوسف : 87 ) .
وفي السنة الصحيحة أن رجلا قتل مائة نفس ، ثم ندم ورغب في التوبة ، فتطهر وانتقل من أرض المعصية إلى أرض فيها عبّاد الله ، ليعبد الله معهم ، وفي الطريق أدركته منيته فمات ، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، فأوحى الله إليهم : انظروا هذا الذي مات ، إن كان قريبا من أرض الطاعة فلتقبض روحه ملائكة الرحمة ، وإن كان قريبا من أرض المعصية فلتقبض روحه ملائكة العذاب ، فوجدوه قريبا من أرض الطاعة شبرا أو ذراعا ، فقبضته ملائكة الطاعة .
فلو أن الرجل طاف الأرض كلها دون ندم أو توبة أو رغبة صادقة في التوبة ما نفعه ذلك ، لكن لما صدقت النية والرغبة في التوبة والندم قبله الله ، ويسر له باب التوبة وحسن الخاتمة .
واسم الله الودود . يفتح أبوابا من هذه الرحمة والمودة والرضا والمحبة ، الودود . الذي يبشّ للطائعين ، ويهشّ للمتبتلين ، ويرحم عباده ، ويكرم أولياءه ، ويرضى عن المؤمنين .
قال ابن عباس : الودود . يودّ أولياءه كما يود أحدكم أخاه بالبشرى والمحبة .
فيا للفضل الإهلي ، ويا للجلال والكمال والرضا والمودة من الله العلي القدير للعبد المخلوق الفاني ، إذا صحت نيته ، وصدقت عقيدته ، وعظمت رغبته فيما عند الله ، حيث يجد مودة الله .
قال تعالى : يحبهم ويحبونه . . . ( المائدة : 54 ) .
قوال سبحانه : رضي الله عنهم ورضوا عنه . . . ( البينة : 8 ) .
وقال عز شأنه : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمان ودّا . ( مريم : 96 ) .
وفي سورة الكهف نجد عناية الله تمتد لأصحاب الكهف ، ونجد في قصة موسى والخضر جانبا من هذه المودة ، حين رأينا الخضر يخرق السفينة ، ويقتل الغلام ، ويبني الجدار تحقيقا لجانب من رحمة الله ومودته بالصالحين ، وامتداد المودة إلى ذرية الصالحين ، حيث يقول الخضر –كما حكى القرآن الكريم :
وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدّهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك . . . ( الكهف : 82 ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.