مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ} (10)

قوله تعالى : { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق }

اعلم أنه سبحانه لما ذكر قصة أصحاب الأخدود ، أتبعها بما يتفرع عليها من أحكام الثواب والعقاب فقال : { إن الذين فتنوا المؤمنين } وههنا مسائل :

المسألة الأولى : يحتمل أن يكون المراد منه أصحاب الأخدود فقط ، ويحتمل أن يكون المراد كل من فعل ذلك وهذا أولى لأن اللفظ عام والحكم عام فالتخصيص ترك للظاهر من غير دليل .

المسألة الثانية : أصل الفتنة الابتلاء والامتحان ، وذلك لأن أولئك الكفار امتحنوا أولئك المؤمنين وعرضوهم على النار وأحرقوهم ، وقال بعض المفسرين الفتنة هي الإحراق بالنار وقال ابن عباس ومقاتل : { فتنوا المؤمنين } حرقوهم بالنار ، قال الزجاج : يقال فتنت الشيء أحرقته والفتن أحجار سود كأنها محترقة ، ومنه قوله تعالى : { يوم هم على النار يفتنون } المسألة الثالثة : قوله تعالى : { ثم لم يتوبوا } يدل على أنهم لو تابوا لخرجوا عن هذا الوعيد وذلك يدل على القطع بأن الله تعالى يقبل التوبة ، ويدل على أن توبة القاتل عمدا مقبولة خلاف ما يروى عن ابن عباس .

المسألة الرابعة : في قوله : { فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق } قولان :

الأول : أن كلا العذابين يحصلان في الآخرة ، إلا أن عذاب جهنم وهو العذاب الحاصل بسبب كفرهم ، وعذاب الحريق هو العذاب الزائد على عذاب الكفر بسبب أنهم أحرقوا المؤمنين ، فيحتمل أن يكون العذاب الأول عذاب برد والثاني عذاب إحراق وأن يكون الأول عذاب إحراق والزائد على الإحراق أيضا إحراق ، إلا أن العذاب الأول كأنه خرج عن أن يسمى إحراقا بالنسبة إلى الثاني ، لأن الثاني قد اجتمع فيه نوعا الإحراق فتكامل جدا فكان الأول ضعيفا ، فلا جرم لم يسم إحراقا .

القول الثاني : أن قوله : { فلهم عذاب جهنم } إشارة إلى عذاب الآخرة : { ولهم عذاب الحريق } إشارة إلى ما ذكرنا أن أولئك الكفار ارتفعت عليهم نار الأخدود فاحترقوا بها .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ} (10)

المفردات :

فتنوا : ابتلوا وامتحنوا .

عذاب الحريق : هو عذاب جهنم ، ذكر تفسيرا وبيانا له .

التفسير :

10- إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق .

الفتنة والفتن : الاختبار والامتحان ، تقول : فتنت الذهب بالنار ، أي : اختبرته لأعلم جيده من رديئه .

والمراد هنا : عذبوا المؤمنين والمؤمنات بألوان العذاب ، والآية تشمل أصحاب الأخدود شمولا أوليّا ، وتشمل أهل مكة الذي فتنوا المؤمنين بمكة ، وتشمل كل من فتن مؤمنا وعذّبه ولم يتب إلى الله تعالى إلى يوم القيامة . وأنا أكتب هذه السطور تطالعنا الصحف بأن أحد جنرالات فرنسا كتب في مذكّراته عن حرب الجزائر أنه تلقى تعليمات بتعذيب فدائيين جزائريين في زنزانات منفردة حتى يعترفوا على زملائهم ، وأن أبطال الجزائر كانوا يموتون تحت العذاب دون أن يعترفوا على زملائهم ، ونشرت هذه الاعترافات في فرنسا وفيها أن آلافا من المحاربين ماتوا في الزنزانات تحت العذاب .

وخلاصة معنى الآية :

إن الذين عذّبوا المؤمنين والمؤمنات وفتنوهم في دينهم ، طالبين رجوعهم عن الحق إلى الكفر ، ثم لم يتوبوا إلى الله بالندم والإقلاع والرجوع إلى الله ، فلهم عذاب جهنم ، وما فيه من حميم وغسّاق ، ونار مستعرة أوقدها الجبار سبحانه ، ونار الدنيا جزء من سبعين جزءا من نار الآخرة .

ولما كان أصحاب الأخدود قد أحرقوا المؤمنين في نار الأخدود ، نصّ على أن هؤلاء القساة الغلاظ المعتدين ينتظرهم عذاب جهنم .

ولهم عذاب الحريق . أي : كما حرّقوا المؤمنين بنار الدنيا ، فسيحترقون هم بنار الآخرة ، لكن شتان بين النارين ، ونار الدنيا أوقدها العبيد ، ونار الآخرة أوقدها الخالق المجيد ، فالجزاء من جنس العمل .

قال الحسن البصري :

انظروا إلى هذا الكرم والجود ، قتلوا أولياءه ، وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة .

وهذا يدل على أن الآية توجيه لأهل مكة ، ولكل كافر أن أقلعوا عن كفركم وظلمكم ، وتوبوا إلى ربكم قبل فوات الأوان .