مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي  
{وَقَالُواْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ إِنَّكَ لَمَجۡنُونٞ} (6)

{ وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ، لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ، ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين ، إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون }

اعلم أنه تعالى لما بالغ في تهديد الكفار ذكر بعده شبهاتهم في إنكار نبوته .

فالشبهة الأولى : أنهم كانوا يحكمون عليه بالجنون ، وفيه احتمالات : الأول : أنه عليه السلام كان يظهر عليه عند نزول الوحي حالة شبيهة بالغشي فظنوا أنها جنون ، والدليل عليه قوله : { ويقولون إنه لمجنون * وما هو إلا ذكر للعالمين } وأيضا قوله : { أو لم * يتفكروا ما بصاحبهم من جنة } والثاني : أنهم كانوا يستبعدون كونه رسولا حقا من عند الله تعالى ، فالرجل إذا سمع كلاما مستبعدا من غيره فربما قال له هذا جنون وأنت مجنون ، لبعد ما يذكره من طريقة العقل ، وقوله : { إنك لمجنون } في هذه الآية يحتمل الوجهين .

أما قوله : { يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون } ففيه وجهان : الأول : أنهم ذكروه على سبيل الاستهزاء كما قال فرعون : { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } وكما قال قوم شعيب : { إنك لأنت الحليم الرشيد } وكما قال تعالى : { فبشرهم بعذاب أليم } لأن البشارة بالعذاب ممتنعة . والثاني : { وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر } في زعمه واعتقاده ، وعند أصحابه وأتباعه .