روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡۖ هَٰذَا ذِكۡرُ مَن مَّعِيَ وَذِكۡرُ مَن قَبۡلِيۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّۖ فَهُم مُّعۡرِضُونَ} (24)

وقوله تعالى : { أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ ءالِهَةً } إضراب وانتقال من إظهار بطلان كون ما اتخذوه آلهة حقيقة بإظهار خلوها عن خصائص الإلهية التي من جملتها الإنشار وإقامة البرهان القطعي على استحالة تعدد الإله مطلقاً وتفرده سبحانه بالألوهية إلى بطلان اتخاذهم تلك الآلهة مع عرائها عن تلك الخصائص بالمرة شركاء لله تعالى شأنه وتبكيتهم بالجائهم إقامة البرهان على دعواهم الباطلة وتحقيق أن جميع الكتب السماوية ناطقة بحقية التوحيد وبطلان الإشراك . وجوز أن يكون هذا انتقالاً لإظهار بطلان الآلهة مطلقاً بعد إظهار بطلان الآلهة الأرضية ، والهمزة لانكار الاتخاذ المذكور واستقباحه واستعظامه ؛ ومن متعلقه باتخذوا ، والمعنى بل اتخذوا متجاوزين إياه تعالى مع ظهور شؤونه الجليلة الموجبة لتفرده بالألوهية آلهة مع ظهور أنها عارية عن خواص الألوهية بالكلية .

{ قُلْ } لهم بطريق التبكيت والقام الحجر { هَاتُواْ برهانكم } على ما تدعونه من جهة العقل الصريح أو النقل الصحيح فإنه لا يصح القول بمثل ذلك من غير دليل عليه ، وما في إضافة البرهان إلى ضميرهم من الأشعار بأن لهم برهاناً ضرب من التهكم بهم ، وقوله تعالى : { هذا ذِكْرُ مَن معي وَذِكْرُ مَن قبلي } إنارة لبرهانه وإشارة إلى أنه مما نطقت به الكتب الإلهية قاطبة وزيادة تهييج لهم على إقامة البرهان لإظهار كمال عجزهم أي هذا الوحي الوارد في شأن التوحيد المتضمن للبرهان القاطع ذكر أمتي وعظمتهم وذكر الأمم السالفة قد أقمته فأقيموا أنتم أيضاً برهانكم ، وأعيد لفظ { ذُكِرَ } ولم يكتف بعطف الموصول على الموصول المستدعي للانسحاب لأن كون المشخص ذكر من معه ظاهر وكونه ذكر من قبله باعتبار اتحاده بالحقيقة مع الوحي المتضمن ذلك .

وقيل : المراد بالذكر الكتاب أي هذا كتاب أنزل على أمتي وهذا كتاب أنزل على أمم الأنبياء عليهم السلام من الكتب الثلاثة والصحف فراجعوها وانظرفوا هل في واحد منها غير الأمر بالتوحيد والنهي عن الإشراك ففيه تبكيت لهم متضمن لنقيض مدعاهم وقرئ بتنوين ذكر الأول والثاني وجعل مابعده منصوب المحل على المفعولية له لأنه مصدر وأعماله هو الأصل نحو { أَوْ إِطْعَامٌ في يَوْمٍ ذي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً } [ البلد : 14/ 15 ] .

وقرأ يحيى بن يعمر . وطلحة بالتنوين وكسر ميم { مِنْ } فهي على هذا حرف جر ومع مجرورة بها وهي اسم يدل على الصحبة والاجتماع جعلت هنا ظرفاً كقبل وبعد فجاز إدخال من عليها كما جاز إدخالها عليهما لكن دخولها عليها نادر ، ونص أبو حيان أنها حينئذ بمعنى عند . وقيل : من داخلة على موصوفها أي عظة من كتاب معي وعظة من كتاب من قبلي ، وأبو حاتم ضعف هذه القراءة لما فيها من دخول من على مع ولم ير له وجهاً وعن طلحة أنه قرأ { هذا ذِكْر مَّعِىَ وَذِكْرُ قَبْلِى } بتنوين { ذُكِرَ } وإسقاط { منْ } وقرأت فرقة { هذا ذِكْرُ مَن } بالإضافة وذكر من قبلي بالتنوين وكسر الميم ، وقوله تعالى : { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الحق } إضراب من جهته تعالى غير داخل في الكلام الملقن وانتقال من الأمر بتبكيتهم بمطالعة البرهان إلى بيان أن الاحتجاج عليهم لا ينفع لفقدهم التمييز بين الحق والباطل { فَهُمُ } لأجل ذلك { مُّعْرِضُونَ } مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباع الرسول لا يرعوون عما هم عليه من الغي والضلال وإن كررت عليهم البينات والحجج أو فهم معرضون عما ألقى عليهم من البراهين العقلية والنقلية .

وقرأ الحسن . وحميد . وابن محيصن { الحق } بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق ، والجملة معترضة بين السبب والمسبب تأكيداً للربط بينهما ، وجوز الزمخشري أن يكون المنصوب أيضاً على معنى التأكيد كما تقول هذا عبد الله الحق لا الباطل ، والظاهر أنه منصوب على أنه مفعول به ليعلمون والعلم بمعنى المعرفة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡۖ هَٰذَا ذِكۡرُ مَن مَّعِيَ وَذِكۡرُ مَن قَبۡلِيۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّۖ فَهُم مُّعۡرِضُونَ} (24)

قوله : ( أم اتخذوا من دونه آلهة ) كرر الإنكار والتوبيخ استفظاعا لكفرهم واستبشاعهم لما زعموه واصطنعوه من الآلهة المفتراه .

قوله : ( قل هاتوا برهانكم ) وذلك على سبيل التسفيه لهم والاستخفاف بعقولهم ؛ فإنه لا حجة لهم ولا دليل من جهة النقل ولا من جهة العقل على أن لله شريكا . إنما الله واحد لا شريك له . وهذه حقيقة تشهد بها الكتب السماوية وهو قوله : ( هذا ذكر من معي وذكر من قبلي ) يشهد هذا القرآن بأن الله وحده ليس له شريك ، وأنه عظة لهذه الأمة وكذلك تشهد الكتب السماوية السابقة بذلك ، وهي عظة لأمم النبيين من قبل محمد ( ص ) .

قوله : ( بل أكثرهم لا يعلمون الحق ) ( بل ) ، حرف إضراب ، وذلك بعد أن بيّن أنهم جاحدون غير ممتنعين عن الكفر . فإن أكثر هؤلاء الضالين المكذبين إنما سبب كفرهم وضلالهم هو الجهل بقدر الله وعظيم شأنه . وكذلك جهلهم بحقيقة هذا الدين الكريم الذي جاء يحمل لهم الخير والسلامة والسعادة . وهذه معضلة البشرية الضالة في كل زمان ، وزماننا هذا على وجه التخصيص . إنها معضلة البشرية الجامحة في الإعراض عن منهج الله الذي كتبه للعالمين ليكون لهم نجاة وأمنا في الدنيا والآخرة . لكن البشرية في جُلها مدبرة عن هذا الدين في شرود جامح لجوج بسبب الجهل المطبق الذي يحول بينها وبين تعاليم الإسلام .

وما ينبغي أن ننسى هنا ما تعرضت له البشرية في كل زمان وفي هذا الزمان خاصة- من حملات التشويه والتشكيك والتخريص والافتراء على الإسلام بمختلف الأساليب الفكرية والثقافية والإعلامية التي استند إليها خصوم الإسلام في الغرب والشرق لغسل أذهان الناس والمجتمعات لحملها على كراهية هذا الدين العظيم . فسبب البون العريض بين الإسلام وأذهان البشرية : هو الجهل بحقيقة الإسلام في روعة عقيدته وكمال تشريعه وما يرسخه في الدنيا من قواعد الحق والعدل والرحمة ( فهم معرضون ) بسبب الجهل الذي يركب أدمغة البشر ، أدبر الناس عن دين الله وجمحوا في الإعراض عنه جموح الأحمق السفيه الذي يتخبط تائها ذاهلا في الديجور وهو يمضي في طريق الشياطين من طواغيت الإنس والجن .