{ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش } مر بيانه فيما سلف على مذهبي السلف والخلف { مَا لَكُمْ مّن دُونِهِ مِن وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ } أي ما لكم مجاوزين الله عز وجل أي رضاه سبحانه وطاعته تعالى ولي ولا شفيع أي لا ينفعكم هذان من الخلق عنده سبحانه دون رضاه جل جلاله فمن دونه حال من مجرور { لَكُمْ } والعامل الجار أو متعلقه ، وعلى هذا المعنى لا دليل في الخطاب على أنه تعالى شفيع دون غيره ليقال : كيف ذاك وتعالى جل شأنه أن يكون شفيعاً ، وكفي في ذلك رده صلى الله عليه وسلم على الأعرابي حيث قال : إنا نستشفع بالله تعالى إليك ، وقد يقال : الممتنع إطلاق الشفيع عليه تعالى بمعناه الحقيقي وأما إطلاقه عليه سبحانه بمعنى الناصر مجازاً فليس بممتنع ، ويجوز أن يعتبر ذلك هنا وحينئذٍ يجوز أن يكون { مِن دُونِهِ } حالاً مما بعد قدم عليه لأنه نكرة ودون بمعنى غير ، والمعنى ما لكم ولي ولا ناصر غير الله تعالى ، ويجوز أن يكون حالاً من المجرور كما في الوجه السابق ، والمعنى ما لكم إذا جاوزتم ولايته ونصرته جل وعلا ولي ولا ناصر ، ويظهر لي أن التعبير بالشفيع هنا من قبيل المشاكلة التقديرية لما أن المشركين المنذرين كثيراً ما كانوا يقولون في آلهتهم { هؤلاء شفعاؤنا } [ يونس : 18 ] ويزعمون أن كل واحد منها شفيع لهم { أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } أي ألا تسمعون هذه المواعظ فلا تتذكرون بها أو أتسمعونها فلا تتذكرون بها ، فالإنكار على الأول : متوجه إلى عدم السماع وعدم التذكر معاً ، وعلى الثاني : إلى عدم التذكر مع تحقق ما يوجبه من السماع .
ومن باب الإشارة : قوله تعالى : { مَا لَكُمْ مّن دُونِهِ مِن وَلِيّ وَلاَ شَفِيعٍ } [ السجدة : 4 ] فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي الالتفات إلى الأسباب والاعتماد عليها .
قوله تعالى : { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ ( 4 ) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ( 5 ) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 6 ) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ( 7 ) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ ( 8 ) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَّا تَشْكُرُونَ } .
يخبر الله عن بالغ قدرته وعظيم سلطانه ومشيئته ؛ إذ خلق السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما من الكائنات والأجرام وما يربط ذلك كله من قوانين كونية في غاية الدقة والإحكام . وذلكم هو خلق الله الواسع الهائل المديد الذي تعجز الأذهان عن تصور مداه ؛ لفرط عظمته وسعته ، وكثرة ما فيه من عجائب وأحداث وأشياء .
لقد خلق الله ذلك كله في ستة أيام { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } { اسْتَوَى } بمعنى قصد : وقيل : استولى {[3672]} أي استولى على العرش بإحداثه .
قوله : { مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ } ينذر الله عباده ؛ إذ يحذرهم عصيانه ومخالفة أمره ؛ فهم إن كذبوا رسوله ونكلوا عن عبادة الله وحده وعن اتباع منهجه الحكيم فلن يجدوا من دونه { ولي } أي ناصرا ينصرهم من دونه { وَلا شَفِيعٍ } من الشفع ، بمعنى الضم{[3673]} أي ليس من أحد يضم جاهه ومكانته إليكم لينفعكم أو يدفع عنكم البلاء والشدة وأنتم مجموعون ليوم القيامة . وإنما الله وحده الخالق المدبر المقتدر ، وهو الناصر والقاهر والمعز ، وليس من أحد يشفع عنده يوم القيامة إلا بإذنه .
قوله : { أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ } أفلا تتدبرون ما أنزل الله إليكم من الحجج والبينات فتتعظوا وتزدجروا عن الإشراك بالله واتخاذ الآلهة المصطنعة من دونه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.