روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَفَأَمِنُواْ مَكۡرَ ٱللَّهِۚ فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ} (99)

{ أفَأمنُوا مَكْرَ الله } تكرير لمجموع الانكارين السابقين جمعاً بين التفريق قصداً إلى زيادة التحذير والإنذار ، وذكر جمع من جلة المحققين أنه لو جعل تكريراً له ولما سلف من غرة أهل القرى السابقة أيضاً على معنى أن الكل نتيجة الأمن من مكر الله تعالى لجاز إلا أنه لما جعل تهديداً للموجودين كان الأنسب التخصيص ، وفيه تأمل . والمكر في الأصل الخذاع ويطلق على الستر يقال : مكر الليل أي ستر بظلمته ما هو فيه ، وإذا نسب إليه سبحانه فالمراد به استدراجه العبد العاصي حتى يهلكه في غفلته تشبيهاً لذلك بالخداع ، وتجوز هذه النسبة إليه سبحانه من غير مشاكلة خلافاً لبعضهم ، وهو هنا إتيان البأس في الوقتين والحالين المذكورين ، وهل كان تبديل مكان السيئة الحسنة المذكور قبل مكراً واستدراجاً أو ملاطفة ومراوحة ؟ فيه خلاف والكل محتمل { فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون } أي الذين خسروا أنفسهم فاضاعوا فطرة الله التي فطر الناس عليها والاستعداد القريب المستفاد من النظر في الآيات والفاء هنا متعلق كما قال القطب الرازي وغيره بمقدر كأنه قبل فلما آمنوا خسروا فلا يأمن الخ . وقال أبو البقاء إنها للتنبيه على تعقيب العذاب أمن مكر الله تعالى ، وقد يقال : إنها لتعليل ما يفهمه الكلام من ذم الأمن واستقباحه أو يقال إنها فصيحة ، ويقدر ما يستفاد من الكلام شرطاً أي إذا كان الأمن في غاية القبح فلا يرتكبه إلا من خسر نفسه ، واستدلت الحنفية بالآية على أن الأمن من مكر الله تعالى وهو كما في جميع الجوامع الاسترسال في المعاصي إتكالاً على عفو الله تعالى كفر ، ومثله اليأس من رحمة الله تعالى لقوله تعالى : { إنَّهُ لاَ يَيْأس مِنْ رُوحِ اللهِ إلاَّ القَوْم الكَافِرُون } [ يوسف : 87 ] وذهبت الشافعية إلى أنهما من الكبائر لتصريح ابن مسعود رضي الله تعالى عنه بذلك( {[292]} ) وروى ابن أبي حاتم . والبزار عن ابن عباس أنه صلى الله تعالى عليه وسلم سئل ما الكبائر ؟ فقال : الشرك بالله تعالى واليأس من روح الله والامن من مكر الله وهذا أكبر الكبائر قالوا : وما ورد من أن ذلك كفر محمول على التغليظ وآية لا ييأس الخ كقوله تعالى : { الزانية لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ } [ النور : 3 ] و { لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الاخر يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله } [ المجادلة : 22 ] في قول . وقال بعض المحققين : إن كان في الأمن اعتقاد أن الله تعالى لا يقدر على الانتقام منه وكذا إذا كان في اليأس اعتقاد عدم القدرة على الرحمة والاحسان أو نحو ذلك فذلك مما لا ريب في أنه كفر وإن خلا عن نحو هذا الاعتقاد ولم يكن فيه تهاون وعدم مبالاة بالله تعالى فذلك كبيرة وهو كالمحاكمة بين القولين .


[292]:- قيل الأشبه أن يكون الخبر مرفوعا اهـ منه.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَفَأَمِنُواْ مَكۡرَ ٱللَّهِۚ فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ} (99)

قوله : { أفأمنوا مكر الله فلا مكر الله إلا القوم الخاسرون } المكر من الله جزاؤه ، إذ سمي باسم مكر المجازى . وقيل : المكر من الله : إيقاع بلائه بأعدائه دون أوليائه . أو هو عذابه وجزاؤه على مكر أعدائه . وقيل : هو استدراج العبد بالطاعات فيتوهم أنها مقبولة وهي مردودة . وأصل المكر : الخداع{[1484]} وذلك توبيخ لهؤلاء الظالمين الغافلين عن دين الله واللاهبين بالانشغال في سفاسف الدنيا وزخارفها الزائفة الزائلة ، والذين غرتهم الحياة بسرابها المخادع الموهوم . توبيخ لهم لما أمنوا مكر الله بهم وهو عذابه المحدق الماثل الذي يوشك أن ينزل بهم فيدمرهم أشد تدمير ، فلم يأخذوا لذلك كل احتياط واهتمام ، ولم يسبقوا لأنفسهم الأسباب والمحاذير ، ولم يبادروا بالطاعات والضراعات إلى الله كي يدرأ عنهم البلاء المتربص ؛ فإنه لا يأمن عذاب الله وجزاءه الوجيع ، ولا يترك اتخاذ كل الأسباب والاهتمامات ومبادرة الصالحات والطاعات { إلا القوم الخاسرون } وهم الذين فرطوا في دين الله وعصوا أمر ربهم فوقعوا في وعيده الشديد وباءوا بالهلاك والخسران .

وما ينبغي للفطين المتدبر أو الحريص المدكر أن يمر بهذه الآيات من غير أن يمسه بها التذكر والوجل من بلاء الله المحتمل . وبلاء الله وعذابه باختلاف ألوانه وأشكاله يظل يتهدد الظالمين الغافلين من الناس أو اللاهين الساهين عن أمر الله ، المنشغلين بملاهي الحياة الدنيا وما حوته من لذائذ وزخرف . وما تظل المجتماعت تلهو وتعلب وتعيث وتيها وغفلة وهي تشتغل بطيبات الدنيا ولذائذها عن طاعة الله فتميل عن دينها ، وتجمع وراء الشيطان جموح الناعقين السفهاء ؛ بل جموح المخبولين المغرورين الذين تملكهم النسيان والبطر ، وطغت عليهم الشهوات على اختلافها حتى ينزل عذاب الله وبلاؤه بساحتهم . وما ينبغي كذلك أن ننسى فداحة البطر في الإنفاق والعيش وذلك على نحو من الإسراف الباذخ البغيض الذي لا تطيش فيه الأمة وهي تغرف من حظوظ الشهوة في المطعم والمشرب والملبس والمأوى ما يجاوز المعقول والمقبول . وذلكم الإسراف الفاضح والتبذير المحظور . وليس على الأمة المسلمة في كل آن إلا أن تمسك بزمام الحذر والاعتدال والوسط . وذلك كله يقتضي تكريم النعمة التي من الله بها عليهم ؛ فإنه لا يغفل عن تكريم النعمة إلا كل بطر وأشر مستغرق في الغفلة والإسراف . وذلكم الذي يوشك أن يحيق به البلاء من الله سواء كان البلاء بالأسقام ، أو زوال النعم ، أو غير ذلك من وجوه البلاء . وفي هذا الصدد أخرج ابن أبي حاتم من طريق معاذ بن رفاعة عن موسى الطائفي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أكرموا الخبز ؛ فإن الله أنزه من بركات السماء ، وأخرجه من بركات الأرض ) .

وكذلك أخرج البراز والطبراني عن عبد الله بن أم حرام قال : صليت القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أكرموا الخبز ؛ فإن الله أنزله من بركات السماء ، وسخر له بركات الأرض ، ومن تتبع ما يسقط من السفرة ؛ غفر له ) واخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال : كان أهل قرية أوسع الله عليهم حتى كانوا يستنجون بالخبر ؛ فبعث الله عليهم الجوع .


[1484]:لسان العرب جـ 5 ص 183.