{ وَيَقُولُونَ } حكاية لجناية أخرى لهم ، وفي «الكشاف » تفسير المضارع بالماضي أي وقالوا وجعل ذلك إشارة إلى أن العطف ليس على { وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شفعاؤنا } [ يونس : 18 ] كما يقتضيه ظاهر اللفظ وإنما هو على قوله سبحانه : { قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائت بِقُرْءانٍ غَيْرِ هذا } [ يونس : 15 ] وما بينهما اعتراض وأوثر المضارع على الماضي ليؤذن باستمرار هذه المقالة وأنها من دأبهم وعادتهم مع ما في ذلك من استحضار صورتها الشنيعة .
وجوز العطف على { يَعْبُدُونَ } [ يونس : 18 ] وهو الذي اقتصر عليه بعض المحققين ، وأبقى بعضهم الفعل على ظاهره وله وجه ، والقائل كفار مكة { لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } أرادوا آيةٍ من الآيات التي اقترحوها كآية موسى . وعيسى عليهما السلام ، ومعنى إنزالها عليه إظهار الله تعالى لها على يده صلى الله عليه وسلم ، وطلبوا ذلك تعنتاً وعناداً وإلا فقد أتى صلى الله عليه وسلم بآيات ظاهرة ومعجزات باهرة تعلو على جميع الآيات وتفوق سائر المعجزات لا سيما القرآن العظيم الباقي إعجازه على وجه الدهر إلى يوم القيامة ، ولعمري لو أنصفوا لاستغنوا عن كل آية غيره عليه الصلاة والسلام فإنه الآية الكبرى ومن رآه وسبر أحواله لم يكد يشك في أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم { فَقُلْ } لهم في الجواب { إِنَّمَا الغيب للَّهِ فانتظروا إِنّى مَعَكُمْ مّنَ المنتظرين } وهو جواب على ما قرره الطيبي على الأسلوب الحكيم فإنهم حين طلبوا ما طلبوا مع وجود الآيات المتكاثرة دل على أن سؤالهم للتعنت كما علمت آنفاً فأجيبوا بما أجيبوا ليؤذن بأن سؤالهم سؤال المقترحين يستحقون به نقمة الله تعالى وحلول عقابه ، يعني أنه لا بد أن يستأصل شأفتكم لكن لا أعلم متى يكون وأنتم كذلك لأن ذلك من الغيب وهو مختص به تعالى لا يعلمه أحد غيره جل شأنه وإذا كان كذلك فانتظروا ما يوجبه اقتراحكم إني معكم من المنتظرين إياه ، وقيل : إن المراد أنه تعالى هو المختص بعلم الغيب والصارف عن إنزال الآيات المقترحة أمر مغيب فلا يعلمه إلا هو ، واعترض عليه بأنه معين وهو عنادهم قال تعالى : { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [ الأنعام : 109 ] .
/ ( وأجيب بأنا لا نسلم أن عنادهم هو الصارف وقد يجاب المعاند والآية وإن دلت على بقائهم على العناد وإن جاءت لم تدل على أن العناد هو الصارف .
واختار بعض المحققين أن ما اقترحتموه وزعمتم أنه من لوازم النبوة وعلقتم إيمانكم بنزوله من الغيوب المختصة به سبحانه لا وقوف لي عليه فانتظروا نزوله إني معكم من المنتظرين لما يفعل الله تعالى بكم لاجترائكم على مثل هذه العظيمة من جحود الآيات ، واقتراح غيرها ، واعترض على ما قيل بأنه يأباه ترتيب الأمر بالانتظار على اختصاص الغيب به تعالى ، والذي يخطر بالبال أن سؤال القوم قاتلهم الله تعالى متضمن لدعوى أن الصلاح في إنزال آية مما اقترحوا حيث لم يعتبروا ما نزل ولم يلتفتوا إليه فكأنهم قالوا : لا صلاح في نزول ما نزل وإنما الصلاح في إنزال آية مما نقترح فلولا نزلت وفي ذلك دعوى الغيب بلا ريب فأجيبوا بأن الغيب مختص بالله فهو الذي يعلم ما به الصلاح لا أنتم ولا غيركم ثم قال سبحانه : { فانتظروا } الخ على معنى وإذا كان علم الغيب مختصاً بالله تعالى وقد ادعيتم من ذلك ما ادعيتم وطعنتم فيما طعنتم فانتظروا نزول العذاب بكم إني معكم من المنتظرين إياه ، ولا يرد على هذا ما أورد على غيره ولا ما عسى أن يورد أيضاً فتأمل .
قوله تعالى : { ويقولون } ، يعني : أهل مكة ، { لولا أنزل عليه } ، أي : عمل محمد صلى الله عليه وسلم { آية من ربه } ، على ما تقترحه ، { فقل إنما الغيب لله } ، يعني : قل إنما سألتموني الغيب وإنما الغيب لله ، لا يعلم أحد لم لم يفعل ذلك ولا يعلمه إلا هو . وقيل : الغيب نزول الآية لا يعلم متى ينزل أحد غيره ، { فانتظروا } نزولها { إني معكم من المنتظرين } ، وقيل : فانتظروا قضاء الله بيننا بالحق بإظهار المحق على المبطل .
قوله تعالى : { ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين } المقصود أهل مكة ؛ إذ قالوا : هلا أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم { آية } أي معجزة . وذلك كأن يحول لهم الصفا ذهبا ، أو يزيل عنهم جبال مكة ليجعل مكانها بساتين ، أو يكون له بيت من زخرف ، أو يحيي لهم من مات من آبائهم ، أو نحو ذلك مما سألوه النبي صلى الله عليه وسلم إياه . وليس ذلك إلا من باب التكذيب والجحود والمعاندة واستمراء الباطل . ولو كان هؤلاء المشركون الضالون أسوياء كراما ، أو كانوا أولي قلوب مبرأة غير غلف ، أو أولي بصائر سليمة ومستقيمة ، لاكتفوا بمعجزة القرآن ؛ فهي المعجزة الخالدة التالدة التي تفوق كل صور المعجزات ، ولئن كان ما طلبوه إنما يدور في فلك الحسن المنظور أو المادة الملموسة مما يزول أو يفني بمرور الزمن الذي وقت فيه كالذي أوتيه النبيون السابقون ؛ فإن معجزة القرآن باقية بقاء الدهر والزمان . بل إن الدهر والزمان يفنيان أو ينقضيان ، ومعجزة القرآن لا تفنى ولا تنقضي ؛ لأنها بنيت على الجوهر بما يعنيه ذلك من حقائق كونية وعلوم الدين والدنيا . لا جرم أن أسس وقواعد ثوابت لا تزول ولا تتبدد .
قوله : { فقل إنما الغيب لله } أي إنزال مثل هذه الآيات غيب والله وحده هو الذي يختص بعلم الغيب ؛ فهو أعلم بالصارف عن إنزال ما سألوه من الآيات وما في ذلك من حكمة هو أعلم بها { فانتظروا إني معكم من المنتظرين } أي انتظروا أيها المشركون المعاندون ما سيقضيه الله بيننا وبينكم وهو تعجيل العقاب للمبطل منا وإظهار المحق .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.