{ وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } هو شرف النبوة والزلفى عند الله تعالى كما روي عن الحسن وإليه ذهب الجبائي . وأبو مسلم ، وعن أنس . وأبي سعيد الخدري . وكعب . ومجاهد السماء الرابعة ، وعن ابن عباس . والضحاك السماء السادسة وفي رواية أخرى عن الحسن الجنة لا شيء أعلا من الجنة ، وعن النابغة الجعدي أنه لما أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعر الذي آخره :
بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا *** وإنا لنرجوا فوق ذلك مظهرا
قال عليه الصلاة والسلام له : إلى أين المظهر يا أبا ليلى ؟ قال إلى الجنة يا رسول الله قال : أجل إن شاء الله تعالى .
وعن قتادة أنه عليه السلام يعبد الله تعالى مع الملائكة عليهم السلام في السماء السابعة ويرتع تارة في الجنة حيث شاء ، وأكثر القائلين برفعه حسا قائلون بأنه حي حيث رفع ، وعن مقاتل أنه ميت في السماء وهو قول شاذ . وسبب رفعه على ما روي عن كعب وغيره أنه مر ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس فقال : يا رب إني مشيت يوماً في الشمس فأصابني منها ما أصابني فكيف بمن يحملها مسيرة خمسمائة عام في يوم واحد اللهم خفف عنه من ثقلها وحرها فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس وحرها ما لا يعرف فقال : يا رب خلقتني لحمل الشمس فماذا الذي قضيت فيه قال : إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها فأجبته قال : يا رب فاجمع بيني وبينه واجعل بيني وبينه خلة فأذن له حتى أتى إدريس ثم إنه طلب منه رفعه إلى السماء فأذن الله تعالى له بذلك فرفعه ، وأخرج ابن المنذر عن عمر مولى عفرة يرفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إن إدريس كان نبياً تقياً زكياً وكان يقسم دهره على نصفين ثلاثة أيام يعلم الناس الخير وأربعة أيام يسيح في الأرض ويعبد الله تعالى مجتهداً وكان يصعد من عمله وحده إلى السماء من الخير مثل ما يصعد من جميع أعمال بني آدم وأن ملك الموت أحبه في الله تعالى فأتاه حين خرج للسياحة فقال له : يا نبي الله إني أريد أن تأذن لي في صحبتك فقال له إدريس وهو لا يعرفه : إنك لن تقوى على صحبتي قال : بلى أني أرجو أن يقويني الله تعالى على ذلك فخرج معه يومه ذلك حتى إذا كان من آخر النهار مرا براعي غنم فقال ملك الموت : يا نبي الله إنا لا ندري حيث نمسي فلو أخذنا جفرة من هذه الغنم فافطرنا عليها فقال له : لا تعد إلى مثل هذا أتدعوني إلى أخذ ما ليس لنا من حيث نمسي يأتينا الله تعالى برزق فلما أمسى أتاه الله تعالى بالرزق الذي كان يأتيه فقال لملك الموت تقدم فكل فقال : لا والذي أكرمك بالنبوة ما اشتهى فأكل وحده وقاما جميعاً إلى الصلاة ففتر إدريس ونعس ولم يفتر الملك ولم ينعس فعجب منه وصغرت عنده عبادته مما رأى ثم أصبحا فساحا فلما كان آخر النهار مرا بحديقة عنب فقال له مثل ما قال أولاً فلما أمسيا أتاه الله تعالى بالرزق فدعاه إلى الأكل فلم يأكل وقاما إلى الصلاة وكان من أمرهما ما كان أولاً فقال له إدريس : لا والذي نفسي بيده ما أنت من بني آدم فقال : أجل لست منهم وذكر له أنه ملك الموت فقال : أمرت في بأمر فقال : لو أمرت فيك بأمر ما ناظرتك ولكني أحبك في الله تعالى وصحبتك له فقال له : إنك معي هذه المدة لم تقبض روح أحد من الخلق قال : بلى إني معك وإني أقبض نفس من أمرت بقبض نفسه في مشارق الأرض ومغاربها وما الدنيا كلها عندي إلا كمائدة بين يدي الرجل يتناول منها ما شاء فقال له : يا ملك الموت أسألك بالذي أحببتني له وفيه إلا قضيت لي حاجة أسألكها فقال : سلني يا نبي الله فقال : أحب أن تذيقني الموت ثم ترد على روحي فقال : ما أقدر إلا أن أستأذن فاستأذن ربه تعالى فأذن له فقبض روحه ثم ردها الله تعالى إليه فقال له ملك الموت : يا نبي الله كيف وجدت الموت ؟ قال : أعظم مما كنت أحدث وأسمع ثم سأله رؤية النار فانطلق إلى أحد أبواب جهنم فنادى بعض خزنتها فلما علموا أنه ملك الموت ارتعدت فرائصهم وقالوا : أمرت فينا بأمر فقال لو أمرت فيكم بأمر ما ناظرتكم ولكن نبي الله تعالى إدريس سألني أن تروه لمحة من النار ففتحوا له قدر ثقب المخيط فأصابه ما صعق منه فقال ملك الموت : اغلقوا فغلقوا وجعل يمسح وجه إدريس ويقول : يا نبي الله تعالى ما كنت أحب أن يكون هذا حظك من صحبتي فلما أفاق سأله كيف رأيت ؟ قال : أعظم مما كنت أحدث وأسمع ثم سأله أن يريه لمحة من الجنة ففعل نظير ما فعل قبل فلما فتحوا له أصابه من بردها وطيبها وريحانها ما أخذ بقلبه فقال : يا ملك الموت إني أحب أن أدخل الجنة فآكل أكلة من ثمارها وأشرب شربة من مائها فلعل ذلك أن يكون أشد لطلبتي ورغبتي فدخل وأكل وشرب فقال له ملك الموت : أخرج يا نبي الله تعالى قد أصبت حاجتك حتى يردك الله عز وجل مع الأنبياء عليهم السلام يوم القيامة فاحتضن بساق شجرة من أشجارها وقال : ما أنا بخارج وإن شئت أن أخاصمك خاصمتك فأوحى الله تعالى إلى ملك الموت قاضه الخصومة فقال له : ما الذي تخاصمني به يا نبي الله تعالى فقال إدريس : قال الله تعالى : { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت } [ آل عمران : 581 ] وقد ذقته وقال سبحانه : { وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } [ مريم : 17 ] وقد وردتها وقال جل وعلا لأهل الجنة { وَمَا هُمْ مّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } [ الحجر : 84 ] أفأخرج من شيء ساقه الله عز وجل إلي فأوحى الله تعالى إلى ملك الموت خصمك عبدي إدريس وعزتي وجلالي إن في سابق علمي أن يكون كذلك فدعه فقد احتج عليك بحجة قوية » الحديث والله تعالى أعلم بصحته وكذا بصحة ما قبله من خبر كعب ، وهذا الرفع لاقتضائه علو الشأن ورفعة القدر كان فيه من المدح ما فيه وإلا فمجرد الرفع إلى مكان عال حسا ليس بشيء :
فالنار يعلوها الدخان وربما *** يعلو الغبار عمائم الفرسان
وادعى بعضهم أن الأقرب أن العلو حسي لأن الرفعة المقترنة بالمكان لا تكون معنوية ؛ وتعقب بأن فيه نظراً لأنه ورد مثله بل ما هو أظهر منه كقوله :
وكن في مكان إذا ما سقطت *** تقوم ورجلك في عافية
ومن باب الإشارة { واذكر في الكتاب إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدّيقاً نَّبِيَّاً وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } [ مريم : 56 ، 57 ] وهو نوع من القرب من الله تعالى به عليه السلام .
وقيل : السماء الرابعة والتفضل عليه بذلك لما فيه من كشف بعض أسرار الملكوت أولئك الذين أنعم الله عليهم بما لا يحيط نطاق الحصر به من النعم الجليلة .
قوله تعالى : { ورفعناه مكاناً علياً } ، قيل : يعني الجنة . وقيل : هي الرفعة بعلو الرتبة في الدنيا . وقيل : هو أنه رفع إلى السماء الرابعة . روي أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى إدريس في السماء الرابعة ليلة المعراج . وكان سبب رفع إدريس إلى السماء على ما قاله كعب وغيره : أنه سار ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس ، فقال : يا رب أنا مشيت يوماً ، فأصابني المشقة الشديدة من وهج الشمس وأضرني حرها ضررا بليغا ، فكيف بمن يحملها مسيرة خمسمائة عام في يوم واحد ! اللهم خفف عنه من ثقلها وحرها ، فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس وحرها ما لا يعرف . فقال : يا رب ما الذي قضيت فيه حتى خففت عني ما أنا فيه ؟ قال : إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها فأجبته ، فقال : رب اجعل بيني وبينه خلة ، فأذن له حتى أتى إدريس ، فكان يسأله إدريس ، فقال له : إني أخبرت أنك أكرم الملائكة وأمكنهم عند ملك الموت ، فاشفع لي إليه ليؤخر أجلي ، فأزداد شكراً وعبادة ، فقال الملك : لا يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها ، وأنا مكلمه فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس ، ثم أتى ملك الموت فقال لي حاجة إليك ، صديق لي من بني آدم تشفع بي إليك لتؤخر أجله ، قال : ليس ذلك إلي ولكن إن أحببت أعلمته أجله ، فيقدم لنفسه ، قال : نعم ، فنظر في ديوانه فقال : إنك كلمتني في إنسان ما أره يموت أبداً ، قال : وكيف ؟ قال : لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس ، قال فإني أتيتك وتركته هناك ، قال : فانطلق فلا أراك تجده إلا وقد مات ، فوالله ما بقي من أجل إدريس شيء ، فرجع الملك فوجده ميتاً . واختلفوا في أنه حي في السماء أم ميت ؟ فقال قوم : هو ميت ، وقال قوم : هو حي ، وقالوا : أربعة من الأنبياء في الأحياء اثنان في الأرض : الخضر وإلياس ، واثنان في السماء : إدريس وعيسى . وقال وهب : كان يرفع لإدريس كل يوم من العبادة مثل ما يرفع لجميع أهل الأرض في زمانه فعجب منه الملائكة واشتاق إليه ملك الموت ، فاستأذن ربه عز وجل في زيارته ، فأذن له فأتاه في صورة بني آدم ، وكان إدريس يصوم الدهر ، فلما كان وقت إفطاره دعاه إلى طعامه فأبى أن يأكل معه ، ففعل ذلك ثلاث ليال فأنكره إدريس ، فقال له الليلة الثالثة : إني أريد أن أعلم من أنت ؟ فقال : أنا ملك الموت استأذنت ربي أن أصحبك ، قال : فلي إليك حاجة ، قال : وما هي ؟ قال : تقبض روحي ، فأوحى الله إليه أن اقبض روحه ، فقبض روحه وردها الله إليه بعد ساعة ، قال له ملك الموت : ما في سؤالك من قبض الروح ؟ قال لأذوق كرب الموت وغمته فأكون أشد استعداداً له ثم قال إدريس له : إن لي إليك حاجة أخرى ، قال : وما هي ؟ قال : ترفعني إلى السماء لأنظر إليها وإلى الجنة والنار ، فأذن الله في رفعه ، فلما قرب من النار قال لي حاجة أخرى ، قال : وما تريد ؟ قال : تسأل مالكاً حتى يفتح لي أبوابها فأردها ففعل ، ثم قال : فما أريتني النار فأرني الجنة . فذهب به إلى الجنة فاستفتح ففتحت أبوابها فأدخله الجنة ، ثم قال ملك الموت : أخرج لتعود إلى مقرك ، فتعلق بشجرة وقال : لا أخرج منها ، فبعث الله ملكاً حكماً بينهما ، فقال له الملك : مالك لا تخرج ؟ قال : لأن الله تعالى قال { كل نفس ذائقة الموت } [ آل عمران : 185 ] ، وقد ذقته ، وقال : { وإن منكم إلا واردها } [ مريم : 71 ] وقد وردتها ، وقال : { وما هم منها بمخرجين } [ الحجر : 48 ] ، فلست أخرج ، فأوحى الله إلى ملك الموت بإذني دخل الجنة وبأمري لا يخرج ، فهو حي هناك ، ذلك قوله تعالى : { ورفعناه مكاناً علياً } .