روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ} (123)

{ ياأيها الذين ءامَنُواْ قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مّنَ الكفار } أي الذين يقربون منكم قرباً مكانياً وخص الأمر به مع قوله سبحانه في أول السورة : { اقتلوا * المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [ التوبة : 5 ] ونحوه قيل : لأنه من المعلوم أنه لا يمكن قتال جميع الكفار وغزو جميع البلاد في زمان واحد فكان من قرب أولى ممن بعد ، ولأن ترك الأقرب والاشتغال بقتال إلا بعد لا يؤمن معه من الهجوم على الذراري والضعفاء ، وأيضاً الأبعد لا حد له بخلاف الأقرب فلا يؤمر به ، وقد لا يمكن قتال إلا بعد قبل قتال الأقرب ، وقال بعضهم : المراد قاتلوا الأقرب فالأقرب حتى تصلوا إلى الأبعد فالأبعد وبذلك يحصل الغرض من قتال المشركين كافة ، فهذا إرشاد إلى طريق تحصيله على الوجه الأصلح .

ومن هنا قاتل صلى الله عليه وسلم أولاً قومه ثم انتقل إلى قتال سائر العرب ثم إلى قتال قريظة . والنضير . وخيبر . وأضرابهم ثم إلى قتال الروم فبدأ عليه الصلاة والسم بقتال الأقرب فالأقرب وجرى أصحابه على سننه صلى الله عليه وسلم إلى أن وصلت سراياهم وجيوشهم إلى ما شاء الله تعالى وعلى هذا فلا نسخ ، وروي عن الحسن أن الآية منسوخة بما تقدم والمحققون على أنه لا وجه له ، وزعم الخازن تبعاً لغيره أن المراد من الولي ما يعم القرب المكاني والنسبي وهو خلاف الظاهر ، وقيل : إنه خاص بالنسبي لأنها نزلت لما تحرج الناس من قتل أقربائهم ، ولا يخفى ضعفه .

{ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً } أي شدة كما قال ابن عباس وهي مثلثة الغين ، وقرىء بذلك لكن السبعة على الكسر ، والمراد من الشدة ما يشمل الجراءة والصبر على القتال والعنف في القتل والأسر ونحو ذلك ، ومن هنا قالوا : إنها كلمة جامعة والأمر على حد لا أرينك ههنا فليس المقصود أمر الكفار بأن يجدوا في المؤمنين ذلك بل أمر المؤمنين بالاتصاف بما ذكر حتى يجدهم الكفار متصفين به { واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين } بالعصمة والنصرة ، والمراد بهم إما المخاطبون والإظهار للتنصيص على أن الإيمان والقتال على الوجه المذكور من باب التقوى والشهادة بكونهم من زمرة المتقين ، وإما الجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً ، وأياً ما كان فالكلام تعليل وتأكيد لما قبله .

هذا ومن باب الإشارة :وقوله تعالى : { ياأيها الذين ءامَنُواْ قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مّنَ الكفار } إشارة إلى الجهاد الأكبر ولعله تعليم لكيفية النفر المطلوب وبيان لطريق تحصيل الفقه أي قاتلوا كفار قوى نفوسكم بمخالفة هواها ، وفي الخبر «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك » { وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً } أي قهراً وشدة حتى تبلغوا درجة التقوى { واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين } [ التوبة : 123 ] بالولاية والنصر

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ} (123)

قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار } الآية ، أمروا بقتال الأقرب فالأقرب إليهم في الدار والنسب ، قال ابن عباس رضي الله عنهما مثل بني قريظة والنضير وخيبر ونحوها . وقيل : أراد بهم الروم لأنهم كانوا سكان الشام وكان الشام أقرب إلى المدينة من العراق ، { وليجدوا فيكم غلظة } ، شدة وحمية . قال الحسن : صبرا على جهادهم ، { واعلموا أن الله مع المتقين } ، بالعون والنصرة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ} (123)

قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين } يأمر الله عباده المؤمنين في هذه الآية بقتال من يلي من عدوهم . وذلك لتعذر قتال كل المشركين دفعة واحدة ؛ فتجب البداءة بقتال من يلي من المشركين على قتال من بعد منهم ؛ أي أن المسلمين يقاتلون الكافرين الأقرب فالأقرب إليهم قربانا مكانيا ؛ فيما ينبغي لهم أن يتجاوزا من يلونهم من الكافرين فيفجأهم الأقربون الذين يلونهم فيقضون عليهم ليقتلوا السناء والأطفال والمستضعفين ، وليعيثوا في البلاد فسادا وخرابا .

ولهذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال المشركين في جزيرة العرب ، فلما فزغ منهم وفتح الله عليه مكة والمدينة والطائف واليمن وخيبر وغير ذلك من الأقاليم في جزيرة العرب ودخل الناس في دين الله أفوجا ، شرع في قتال أهل الكتاب فتجهز لغزو الروم الذي هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب ، وكان ذلك في السنة التاسعة للهجرة . وفي السنة العاشرة عاجلته المنية صلوات الله وسلامه عليه ، فقام بالأمر بعده خليفته الصديق ( رضي الله عنه ) فأركز قواعد الدين وثبته تثبيتا بعد أن كاد ينجفل{[1926]} بمخازي المرتدين والمنافقين . وبعد أن رحل إلى الرفيق الأعلى وتولى من بعده الفاروق العظيم أبو حفص عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) قاتل المشركين الذين يلون المسلمون أولا بأول ، الأقرب فالأقرب . وكذا صنع خلفه من بعده عثمان ( رضي الله عنه ) فقد كان شأنهم جميعا في قتال المشركين أن يقاتلوا الأقرب قبل الأبعد عملا بقوله تعالى : { قاتلوا الذين يلونكم من الكفار } .

قوله : { وليجدوا فيكم غلظة } أي شدة . وهذه كلمة جامعة يراد منها جملة معان : الجراءة ، والعنف ، والإثخان في القتل والصبر عليه ؛ لما في ذلك من تخويف للظالمين المعتدين وإثارة الذعر في قلوبهم كيما يتضعضعوا ويولوا الأدبار .

قوله : { وعلموا ان الله مع المتقين } يراد بالمتقين الذين يخشون الله فيبادرون بالطاعة له والإخبات ، ولم يقصدوا من جهادهم وقتالهم مالا ولا شهرة ولا غنيمة ، ولم يبتغوا من ذلك فخرا أو ظهورا وإنما يبتغون بذلك وجه الله ومرضاته ، وإعلاء شأن الإسلام .


[1926]:ينجفل، يعني يذهب. نقول: اتجفل القوم، إذا تنقلعوا فمضوا. انظر القاموس المحيط ص 1263.