روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} (118)

وَعَلَى الثلاثة } عطف على { النبى } ، [ التوبة : 117 ] وقيل : إن { تَابَ } مقدر في نظم الكلام لتغاير هذه التوبة السابقة وفيه نظر ، أي وتاب على الثلاثة { الذين خُلّفُواْ } أي خلف أمرهم وأخر عن أمر أبي لبابة وأصحابه حيث لم يقبل منهم معذرة مثل أولئك ولا ردت ولم يقطع في شأنهم بشيء إلى أن نزل الوحي بهم ، فالإسناد إليهم إما ممجاز أو بتقدير مضاف في النظم الجليل ، وقد يفسر المتعدي باللازم أي الذين تخلفوا عن الغزو وهم كعب بن مالك من بني سلمة ، وهلال بن أمية من بني واقف ، ومرارة بن الربيع من بني عمرو بن عوف ، ويقال فيه ابن ربيعة ، وفي مسلم . وغيره وصفه بالعامري وصوب كثير من المحدثين العمري بدله .

وقرأ عكرمة . ورزين بن حبيش . وعمرو بن عبيد { خُلّفُواْ } بفتح الخاء واللام خفيفة أي خلفوا الغازين بالمدينة أو فسدوا من الخالفة وخلوف الفم ، وقرأ علي بن الحسن . ومحمد الباقر . وجعفر الصادق رضي الله تعالى عنهم . وأبو عبد الرحمن السلمي . { *خالفوا } ، وقرأ الأعمش : { وعلى } وظاهر قوله تعالى : { خُلّفُواْ حتى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الآرض } إنه غاية للتخليف بمعنى تأخير الأمر أي أخر أمرهم إلى أن ضاقت عليهم الآرض { بِمَا رَحُبَتْ } أي برحبها وسعتها لاعراض الناس عنهم وعدم مجالستهم ومحادثتهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم لهم بذلك وهو مثل لشدة الحيرة ، والمراد أنهم لم يقروا في الدنيا سعتها وهو كما قيل

كأن بلاد الله وهي فسيحة *** على الخائف المطلوب كفة حابل {

وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ } أي قلوبهم وعبر عنها بذلك مجازاً لأن قيام الذوات بها ، ومعنى ضيقها غمها حزنها كأنها لا تسع السرور لضيقها ، وفي هذا ترق من ضيق الآرض عليهم إلى ضيقهم في أنفسهم وهو في غاية البلاغة { وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ الله إِلاَّ إِلَيْهِ } أي علموا أن لا ملجأ من سخطه إلا إلى استغفاره والتوبة إليه سبحانه ، وحمل الظن على العلم لأنه المناسب لهم { ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } أي وفقهم للتوبة { لِيَتُوبُواْ } أو أنزل قبول توبتهم في القرآن وأعلمهم بها ليعدهم المؤمنون في جملة التائبين أو رجع عليهم بالقبول والرحمة مرة بعد أخرى ليستقيموا على التوبة ويستمروا عليها ، وقيل : التوبة ليست هي المقبولة ، والمعنى قبل توبتهم من التخلف ليتوبوا في المستقبل إذ صدرت منهم هفوة ولا يقنطوا من كرمه سبحانه { إِنَّ الله هُوَ التواب } المبالغ في قبول التوبة لمن تاب ولو عاد في اليوم مائة مرة { الرحيم } المتفضل عليهم بفنون الآلاء مع استحقاقهم لأفانين العقاب .

أخرج عبد الرزاق ، وابن أبي شيبة ، وأحمد ، والبخاري ، ومسلم ، والبيهقي من طريق الزهري قال : أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال : «سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة تبوك قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة غزاها قط إلا في غزوة تبوك غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر ولم يعاتب أحداً تخلف عنها إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله تعالى بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر ، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة ، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزاة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد ، واستقبل سفراً بعيداً ومفاوز ، واستقبل عدوّاً كثيراً فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم وأخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرلا يجمعهم كتاب حافظ يريد الديوان قال كعب فقال رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزاة حين طابت الثمار والظل وأنا إليها أصغرهم فتهجز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولا أقضي شيئاً فأقول لنفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئاً وقلت أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه فغدوت يوم ما فصلوا لا تجهز فرجعت ولم أقض من جهازي شيئاً ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى انتهوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم وليت أني فعلت ثم لم يقدر ذلك لي وطفقت إذا خرجت في الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أن لا أرى إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق أو رجلاً ممن عذره الله تعالى ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك : ما فعل كعب بن مالك قال رجل من بني سلمة : حبسه يا رسول الله برداه والنظر في عطفيه فقال له معاذ بن جبل : بئسما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك حضرني شيء فطفقت أتفكر الكذب ، وأقول : بماذا أخرج من سخطه غداً أستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادماً زاح عني الباطل وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبداً فأجمعت صدقه فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادماً ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاء المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له ، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى حتى جئت فلما سلمت عليه عليه الصلاة والسلام تبسم تبسم المغضب ثم قال لي : تعالى فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي : ما خلفك ألم تكن قد اشتريت ظهرك ؟ فقلت : يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر لقد أعطيت جدلاً ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى عني به ليوشكن الله تعالى بسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه أني لأرجو فيه عقبي من الله تعالى ، والله ما كان لي عذر والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله تعالى فيك فقمت وبادرني رجال من بني سلمة واتبعوني فقالوا لي : والله ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون ولقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فوالله ما زالوا يرايبوني حتي أردت أن أرجع فأكذب نفسي ، ثم قلت : هل لقي هذا معي أحد ؟ قالوا : نعم لقيه معك رجلان قالا ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك فقلت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع .

وهلال بن أمية فذكروا إلى رجلين صالحين قد شهدا بدراً لي فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي قال : ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الآرض التي كنت أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد وآتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ملجسه بعد الصلاة فأسلم وأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لاثم أصلي قريباً منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلى فإذا التفت نحوه أعرض حتى إذا طال عليّ ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فوالله ما رد السلام علي فقلت له : أبا قتادة أنشدك الله تعالى هل تعلم أتي أحب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : فسكت فعدت فنشدته فسكت فعدت فنشدته فقال : الله تعالى ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار ، فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدل علي كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاء فدفع إلى كتاباً من ملك غسان وكنت كاتباً فإذا فيه : أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله تعالى بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسيك فقلت حين قرأتها : وهذه أيضاً من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته فيها إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك قلت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : بل اعتزلها ولا تقربها وأرسل إلي صاحبي مثل ذلك فقلت : لامرأتى الحقي بأهلك لتكوني عندهم حتى يقضي الله تعالى في هذا الأمر ، فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن هلالا شيخ ضائع ، وليس له خادم فهل تكره أن أخدمه ؟ فقال : لا ولكن لا يقربنك قالت : وإنه والله ما به حركة إلى شيء والله ما زال يبكي من لدن أن كان من أمره ما كان إلى يومه هذا .

فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه فقلت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أدري ماذا يقول إذا استأذنته وأنا رجل شاب قال : فلبثت عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى عنها قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت على الآرض بما رحبت سمعت صارخاً أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر فخررت ساجداً وعرفت أن قد جاء فرج فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله تعالى علينا حين صلى الفجر فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض إلى رجل فرسا وسعى ساع من أسلم وأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي وكسوتهما إياه ببشارته والله ما أملك غيرهما يؤمئذ فاستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاني الناس فوجاً بعد فوج يهنؤنني بالتوبة يقولون : ليهنك توبة الله تعالى علك حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد حوله الناس فقام إلى طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إلى رجل من المهاجرين غيره قال : فكان كعب لا ينساها لطلحة قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو ببرق وجهه من السرور : ابشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك قلت : أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال : لا بل من عند الله تعالى ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر ، فلما جلست بين يديه قلت : يا رسول الله إن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم قال : أمسك بعض مالك فهو خير لك قلت : إني أمسك سهمي الذي بخيبر وقلت : يا رسول الله إنما نجاني الله تعالى بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقاً ما بقيت ، فوالله ما أعلم أحداً من المسلمين إبلاه الله تعالى في الصدق بالحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله تعالى ، والله ما تعمدت كذبة منذ ذلك إلى يومي هذا وإني لأرجو أن يحفظني الله تعالى فيما بقي قال : وأنزل الله تعالى

{ لَقَدْ تَابَ } [ التوبة : 117 ] الآية والله ما أنعم الله تعالى على من نعمة قط بعد أن هداني الله سبحانه للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله عليه الصلاة والسلام يومئذ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه فإن الله تعالى قال للذين كذبوه حين نزل الوحي شر ما قال لأحد فقال : { سَيَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ إِذَا انقلبتم إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ } [ التوبة : 95 ، 96 ]إلى قوله سبحانه : { الفاسقين } .

وجاء في رواية عن كعب رضي الله تعالى عنه قال : «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامي كلام صاحبي فلبثت كذلك حتى طال على الأمر وما من شيء أهم إلي من أن أموت فلا يصلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يموت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد منهم ولا يصلى علي فأنزل الله تعالى توبتنا على نبيه صلى الله عليه وسلم حين بقي الثلث الأخير من الليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند أم سلمة ، وكانت محسنة في شأني معينة في أمري ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أم سلمة تيب علي كعب بن مالك قالت : أفلا أرسل إليه أبشره ؟ قال إذاً تحطمكم الناس فيمنعونكم النوم سائر الليل حتى إذا صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر آذن بتوبة الله تعالى علينا » هذا وفي وصفه سبحانه هؤلاء بما وصفهم به دلالة وأية دلالة على قوة إيمانهم وصدق توبتهم ، وعن أبي بكر الوارق أنه سئل عن التوبة النصوح فقال : أن تضيق على التائب الآرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه .

هذا ومن باب الإشارة :{ وَعَلَى الثلاثة الذين خُلّفُواْ حتى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الآرض بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ } وذلك لاستشعار سخط المحبوب { وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ الله إِلاَّ إِلَيْهِ } أي تحققوا ذلك فانقطعوا إليه سبحانه ورفعوا الوسائط { ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } [ التوبة : 118 ] حيث رأى سبحانه انقطاعهم إليه وتضرعهم بين يديه ، وقد جرت عادته تعالى مع أهل محبته إذا صدر منهم ما ينافي مقامهم بأدبهم بنوع من الحجاب حتى إذا ذاقوا طعم الجناية واحتجبوا عن المشاهدة وعراهم ما عراهم مما أنساهم دنياهم وأخراهم أمطر عليهم وابل سحاب الكرم وأشرق على آفاق أسرارهم أنوار القدم فيؤنسهم بعد يأسهم ويمن عليهم بعد قنوطهم { وَهُوَ الذي يُنَزّلُ الغيث مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ } [ الشورى : 18 ] ا : 82 ) ، وما أحلى قوله :

هجروا والهوى وصال وهجر *** هكذا سنت الغرام الملاح

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} (118)

قوله تعالى : { وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت } ، اتسعت ، { وضاقت عليهم أنفسهم } ، غما وهما ، { وظنوا } ، أي : تيقنوا ، { أن لا ملجأ من الله } ، لا مفزع من الله ، { إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا } ، أي : ليستقيموا على التوبة فإن توبتهم قد سبقت . { إن الله هو التواب الرحيم* }

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} (118)

قوله تعالى : { وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم 118 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } .

الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك هم : كعب بن مالك ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية ؛ فقد خلفوا عن ركب المجاهدين بقتادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ قصد تبوك لقتال الروم . ولم يكن تخلف هؤلاء الثلاثة عن عجز او افتقار أو مرض ؛ بل كانوا أقوياء أصحاء ، ولم يثنهم عن المضي للجهاد في تبوك إلا ما أصابهم من نوبة الضعف وفتور العزيمة وفتور العزيمة في هذه المناسبة العظيمة التي اشتد فيها سعير الحر اللاهب . واستعر فيها هجير المفاوز والفيافي من أيام الصيف الحرور ، واستقبل فيها الناس عدوا كبيرا مدججا بالعدة والسلاح مما لم يشهدوا له من قبل نظيرا ، وقد غزا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الغزوة حين طابت الثمار وحان جنيها وقطافها ؛ كل ذلك قد حمل فريقا من الناس على التثاقل ، فانثنوا عن الذهاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان في المتخلفين منافقون لا يترددون في الهروب والتخلص من فريضة الجهاد بكل أسلوب من أساليب الكذب والمراوغة والنفاق . ومن جملة الذين تخلفوا ، هؤلاء الثلاثة الذين لم يساور قلوبهم شك في دين الله ولا في صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يقعدهم عن ذلك إلا ما طرأ لهم في هذه الفترة العصيبة العسيرة من نوبة الضعف العارض .

ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك طفق المتخلفون يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، فيقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم ويستغفر لهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى . أما الثلاثة –وكانوا من المؤمنين الصالحين- فقد وجدوا في أنفسهم أشد موجدة وأصابهم من فرط الكآبة الممضة ما بات يقض مضاجعهم قضا ويؤز قلوبهم وأعصابهم وأزا طيلة خمسين يوما . وفي ذلك يقول كعب بن مالك : ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنا فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي كنت أعرف ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة . فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهم يبكيان ، وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم ؛ فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد . حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائك أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي ، فسلمت عليه ، فوالله ما رد علي السلام . قال : ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا أنا بنبطي الشام قد دفع إلي كتابا من ملك غسان وفيه : أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك وإن الله لم يجعلك في دار هوان . ولا مضيعة ، فالحق بنا نواسك . فقلت حين قرأته : وهذا أيضا من الابتلاء . قال : فتيممت به التنور فسجرته به فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كرمنا . قال : ثم صليت الصبح صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا . فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت ، سمعت صارخا على بجل سلع يقول بأعلى صوته : أبشر يا كعب بن مالك . قال : فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء الفرج من الله عز وجل بالتوبة علينا ، فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر ، فذهب الناس يبشروننا ، فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ) قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر . وأنزل الله تعالى الآية . ومنها قوله : { وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت } { وعلى الثلاثة } ، معطوف على { النبي } أي وتاب على الثلاثة { الذين خلفوا } أي تخلفوا عن غزوة تبوك { حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت } أي باتت الأرض برحبها وسعتها ضيقة في نظرهم وتصورهم فسدت عليهم المسالك والطرق فلا يعتدون سبيلا ، ولا يدرون ما يصنعون . وذلك لإعراض الناس عنهم وهجرهم لهم خمسين ليلة بأيامها { وضاقت علليهم أنفسهم } وذلك كناية عن تراكم الهم والحزن على قلوبهم فلا تحتمل غير الكآبة والاغتمام . فكان ضيقهم بذلك على نحوين ، وهما ضيق المحل وضيق النفس والحال .

قوله : { وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه } أي علموا وأيقنوا أنه ليس لهم من سبيل ولا ملجأ يأوون إليه من سخط الله إلا أن يثوبوا إليه وحده ، فيبرءوا له بالتوبة والاستغفار وهو سبحانه خير ملاذ للمكروبين والمغلوبين والتائبين .

إن الله جلت قدرته خير من تجأر إليه قلوب الداعين والمستغفرين والتائبين الخزانى عسى أن يتوب عليهم ويفيض على قلوبهم بخواطر الرضى والبهجة والانشراح .

قوله : { ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم } أي قبل توبتهم من تخلفهم عن الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم { ليتوبوا } أي ليرجعوا إلى حالهم الأول من مخالطة المؤمنين فتطمئن قلوبهم وتسكن نفوسهم مع الساكنين والمطمئنين ، أو ليتوبوا مم يفرط منهم في المستقبل من خطايا وذنوب . فإن الله تعالى قابل التوب عن عباده المؤمنين ولو عادوا إلى الذنب في اليوم مائة مرة . فذلك هو شأن الله في عظيم توبته ولطفه بالعباد وفي مبلغ رحمته بهم . رحمته الواسعة المديدة التي لا تعرف الحدود .