روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{كَلَّاۚ سَنَكۡتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلۡعَذَابِ مَدّٗا} (79)

{ كَلاَّ } ردع وزجر عن التفوه بتلك العظيمة ، وفي ذلك تنبيه على خطئه . وهذا مذهب الخليل . وسيبويه . والأخفش . والمبرد . وعامة البصريين في هذا الحرف وفيه مذاهب لعلنا نشير إليها إن شاء الله تعالى ، وهذا أول موضع وقع فيه من القرآن ، وقد تكرر في النصف الأخير فوقع في ثلاثة وثلاثين موضعاً ولم يجوز أبو العباس الوقف عليه في موضع .

وقال الفراء : هو على أربعة أقسام ، أحدها : ما يحسن الوقف عليه ويحسن الابتداء به . والثاني : ما يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء به ، والثالث : ما يحسن الابتداء به ولا يحسن الوقف عليه ، والرابع : ما لا يحسن فيه شيء من الأمرين ، أما القسم الأول ففي عشرة مواضع ما نحن فيه وقوله تعالى : { لّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ } [ مريم : 81 ، 82 ] وقوله سبحانه : { لَعَلّي أَعْمَلُ صالحا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ } [ المؤمنون : 100 ] وقوله عز وجل : { الذين أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاء كَلاَّ } [ سبأ : 27 ] وقوله تبارك وتعالى : { أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ كَلاَّ } [ المعارج : 38 ، 39 ] وقوله جل وعلا : { أَنْ أَزِيدَ كَلاَّ } [ المدثر : 15 ، 16 ] وقوله عز اسمه : { صُحُفاً مُّنَشَّرَةً كَلاَّ } [ المدثر : 52 ، 53 ] وقوله سبحانه وتعالى : { رَبّى أَهَانَنِ كَلاَّ } [ الفجر : 16 ، 17 ] وقوله تبارك اسمه : { أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلاَّ } [ الهمزة : 3 ، 4 ] وقوله تعالى شأنه : { ثُمَّ يُنْجِيه كَلاَّ } [ المعارج : 14 ، 15 ] فمن جعله في هذه المواضع رداً لما قبله وقف عليه ومن جعله بمعنى ألا التي للتنبيه أو بمعنى حقاً ابتدأ به وهو يحتمل ذلك فيها ، وأما القسم الثاني ففي موضعين قوله جل جلاله حكاية { فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ قَالَ كَلاَّ } [ الشعراء : 14 ، 15 ] وقوله عز شأنه : { إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ } [ الشعراء : 61 ، 62 ] وأما الثالث ففي تسعة عشر موضعاً قوله تعالى شأنه : { كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ } [ المدثر : 54 ] { كَلاَّ والقمر } [ المدثر : 32 ] { كَلاَّ بَلْ تُكَذّبُونَ بالدين } [ الانفطار : 9 ] { كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التراقي } [ القيامة : 26 ] { كَلاَّ لاَ وَزَرَ } [ القيامة : 11 ] { كلاّ بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة } [ القيامة : 20 ] { كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ } [ النبأ : 4 ] { كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ } [ عبس : 23 ] { كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ } [ المطففين : 14 ] { كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم } [ الفجر : 17 ] { كَلاَّ إِنَّ كتاب الفجار } [ المطففين : 7 ] { كَلاَّ إِنَّ كتاب الأبرار } [ المطففين : 18 ] { كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ } [ المطففين : 15 ] { كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأرض } [ الفجر : 21 ] { كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى } [ العلق : 6 ] { كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ } [ العلق : 15 ] { كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ } [ العلق : 19 ] [ التكاثر : 3 ، 5 ] لأنه ليس للرد في ذلك ، وأما القسم الرابع ففي موضعين { ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ } [ التكاثر : 4 ] { ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ } [ النبأ : 5 ] فإنه لا حسن الوقف على ثم لأنه حرف عطف ولا على كلا لأن الفائدة فيما بعد ، وقال بعضهم : إنه يحسن الوقف على كلاً في جميع القرآن لأنه بمعنى انته إلا في موضع واحد وهو قوله تعالى : { كَلاَّ والقمر } [ المدثر : 32 ] لأنه موصول باليمين بمنزلة قولك أي وربي { سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ } أي سنظهر إنا كتبنا قوله كقوله :

إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة *** ولم تجدي من أن تقري به بداً

أي إذا انتسبنا علمت وتبين أني لست بابن لئيمة أو سننتقم منه انتقام من كتب جريمة الجاني وحفظها عليه فإن نفس كتبة ذلك لا تكاد تتأخر عن القول لقوله تعالى : { مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [ ق : 18 ] وقوله سبحانه جل وعلا : { وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ } [ الزخرف : 80 ] فمبنى الأول تنزيل إظهار الشيء الخفي منزلة إحداث الأمر المعدوم بجامع أن كلاً منهما إخراج من الكمون إلى البروز فيكون استعارة تبعية مبنية على تشبيه إظهار الكتابة على رؤوس الأشهاد بإحداثها ومدار الثاني تسمية الشيء باسم سببه فإن كتبة جريمة المجرم سبب لعقوبته قطعاً قاله أبو السعود ، وقيل : إن الكتابة في المعنى الثاني استعارة للوعيد بالانتقام وفيه خفاء ، وقال بعضهم : لا مجاز في الآية بيد أن السين للتأكيد ، والمراد نكتب في الحال ورد بأن السين إذا أكدت فإنما تؤكد الوعد أو الوعيد وتفيد أنه كائن لا محالة في المستقبل . وأما إنها تؤكد ما يراد به الحال فلا كذا قيل : فليراجع .

وقرأ الأعمش { سيكتب } بالياء التحتية والبناء للمفعول والبناء للمفعول وذكرت عن عاصم { يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً } مكان ما يدعيه لنفسه من الإمداد بالمال والولد أي نطول له من العذاب ما يستحقه أو نزيد عذابه ونضاعفه له من المدد يقال : مده وأمده بمعنى ، وتدل عليه قراءة علي كرم الله تعالى وجهه { وَنَمُدُّ } بالضم وهو بهذا المعنى يجوز أن يستعمل باللام وبدونها ومعناه على الأول نفعل المدله وهو أبلغ من نمده وأكد بالمصدر إيذاناً بفرط غضب الله تعالى عليه لكفره وافترائه على الله سبحانه واستهزائه بآياته العظام نعوذ بالله عز وجل مما يستوجب الغضب .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{كَلَّاۚ سَنَكۡتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلۡعَذَابِ مَدّٗا} (79)

قوله تعالى : { كلا } ، رد عليه يعني ، لم يفعل ذلك ، { سنكتب } سنحفظ عليه ، { ما يقول } ، فنجازيه به في الآخرة . وقيل : نأمر به الملائكة حتى يكتبوا ما يقول . { ونمد له من العذاب مداً } أي : نزيده عذاباً فوق العذاب . وقيل : نطيل مدة عذابه .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{كَلَّاۚ سَنَكۡتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلۡعَذَابِ مَدّٗا} (79)

ومما لا شك فيه أن كلا الأمرين لم يتحققا بالنسبة له ، فهو لم يطلع على الغيب ، ولم يتخذ عند الله عهدا ، فثبت كذبه وافتراؤه ، ولذا كذبه الله - تعالى - بقوله { كَلاَّ } وهو قول يفيد الزجر والردع والنفى .

أى : كلا لم يطلع على الغيب ، ولم يتخذ عند الرحمن عهدا . بل قال ذلك افتراء على الله .

وقوله - سبحانه - : { سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً } بيان للمصير السيىء الذى سيصير إليه هذا الشقى وأمثاله ، و { وَنَمُدُّ } من المد وأكثر ما يستعمل فى المكروه .

أى : سنسجل على هذا الكافر ما قاله ، ونحاسبه عليه حسابا عسيرا ، ونزيده عذابا فوق العذاب المعد له ، بأن نضاعفه له ؛ ونطيله عليه { وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ } أى : ما يقول إنه يؤتاه يوم القيامة من المال والولد ، بأن نسلبه منه ، ونجعله يخرج من هذه الدنيا خالى الوفاض منهما ، وليس معه فى قبره سوى كفنه ، { وَيَأْتِينَا فَرْداً } أى : ويأتينا يوم القيامة بعد مبعثه منفردا بدون مال أو ولد أو خدم أو غير ذلك مما كان يتفاخر به فى الدنيا هو وأشباهه من المغرورين الجاحدين .

قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قيل : سنتكب بسين التسويف وهو كما قاله كتبه من غير تأخير قال - تعالى : { مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } قلت : فيه وجهان : أحدهما : سنظهر له ونعلمه أنا كتبنا قوله على طريقة قول الشاعر :

إذا ما انتسبنا لم تلدنى لئيمة . . . ولم تجدى من أن تقرى بها بدا

أى : تبين وعلم بالانتساب أنى لم تلدنى لئيمة .

والثانى : أن المتوعد يقول للجانى : سوف أنتقم منك ، يعنى أنه لا يخل بالانتصار وإن تطاول به الزمان واستأخر ، فجرد ها هنا لمعنى الوعيد . . .