فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{كَلَّاۚ سَنَكۡتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلۡعَذَابِ مَدّٗا} (79)

{ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا { 77 ) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا { 78 ) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا { 79 ) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا { 80 ) }

في صحيح الإمام مسلم عن خباب قال : كان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال : لن أقضيك حتى تكفر بمحمد ؛ فقلت له : لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث ؛ قال : وإني لمبعوث بعد الموت ؟ ! فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد{[1979]} . . فنزلت الآية : { أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا } إلى قوله : { ويأتينا فردا } ؛ في رواية قال : كنت قينا{[1980]} في الجاهلية فعملت للعاص بن وائل عملا ، فأتيته أتقاضاه ، أخرجه البخاري ؛ لم يستيقن بالآخرة ولا صدق بآيات الله المتلوة ولا بحجج ربنا الشاهدة بأن البعث حق ؛ وكلما ذكر بما هو آت لا محالة استهزأ وسخر ، وزعم أنه على فرض مجيء الساعة سيكون هو صاحب حظوة حين مجيئها ؛ كصاحب الجنتين إذ دخل جنته وهو ظالم لنفسه { . . قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا . وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا ){[1981]} ؛ وربنا سبحانه يقيم على هذا وأمثاله الحجة : { أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا } استفهام للنفي والإنكار ، ينفي الله تعالى عن هؤلاء المفترين البطرين أن يكونوا علموا مصيرهم وما ينتظرهم يوم القيامة ، ونفى أن يكون لهم عند ربنا موثق ينجيهم .

{ كلا }{[1982]}هي حرف ردع لما قبلها ، وتأكيد لما بعدها ؛ روي عن الكلبي في قوله تعالى : { لأوتين مالا وولدا } : أراد في الجنة استهزاء بما وعد الله تعالى على طاعته وعبادته ؛ ونقل القرطبي في معنى قوله تعالى { أطلع } ، أصله أأطلع ذكرت ألف الاستفهام ، وحذفت ألف الوصل فإن قيل فهلا أتوا بمدة بعد الألف ؟ ! . . لم يحتاجوا إلى هذه المدة في { أطلع } لأن ألف الاستفهام مفتوحة وألف الخبر مكسورة . . . تقول في الخبر : اطلع . . بالكسر ، فجعلوا الفرق بالفتح والكسر ولم يحتاجوا إلى فرق آخر ؛ { سنكتب ما يقول } سنأمر ملائكتنا باستنساخ قوله هذا ليكون حجة دامغة عليه ، وفي ذلك وعيد ونذير ؛ [ وفي قوله { سنكتب } بسين التسويف مع أن الحفظة يكتبون ما قاله في الحال لأن المولى سبحانه يقول : { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ){[1983]} دليل على أن السين جرد ههنا لمعنى الوعيد ، أو أراد : سيظهر له نبأ الكتابة بالتعذيب والانتصار ، يؤيده قوله : { ونمد له } أي نطول له { من العذاب } ما يستأهله أمثاله من المستهزئين ، أو نزيده من العذاب ونضاعف له من المدد . . . ثم عكس استهزاءه بقوله : { ونرثه ما يقول } أي : نمنع عنه منتهى ما زعم أنه يناله في الآخرة من المال والولد ، لأنه تألى على الله في قوله : { لأوتين } ؛ ومن يتأل على الله يكذبه ، لأن ذلك غاية الجراءة . . . والمراد : هب أنا أعطيناه ما اشتهاه أما نرثه في العاقبة ]{[1984]} ؛ { ويأتينا فردا } : فردا من ذلك لا يتبعه قليل ولا كثير من مال ولا ولد .


[1979]:قال الكلبي ومقاتل: كان خباب قينا فصاغ للعاص حليا ثم تقاضاه أجرته؛ فقال العاص: ما عندي اليوم ما أقضيك؛ فقال خباب: لست بمفارقك حتى تقضيني؛ فقال العاص: يا خباب مالك؟! ما كنت هكذا، وإن كنت لحسن الطلب؛ فقال خباب: إني كنت على دينك فأما اليوم فأنا على دين الإسلام مفارق لدينك؛ قال: أو لستم تزعمون أن في الجنة ذهبا وفضة وحريرا؟ قال خباب: بلى؛ قال فأخرني حتى أقضيك في الجنة ـ استهزاء ـ فو لله إن كان ما تقول حقا إني لأقضيك فيها، فو الله لا تكون أنت خباب وأصحابك أولى بها مني؛ فأنزل الله تعالى: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا} يعني: العاص بن وائل؛ الآيات.
[1980]:حدادا أو صائغا.
[1981]:سورة الكهف. من الآية35؛ والآية 36.
[1982]:يقول الألوسي: وهذا أول موضع وقع في القرآن، وقد تكرر في النصف الأخير فوقع في ثلاثة وثلاثين موضعا؛ ونقل القرطبي: وهو يكون بمعنيين أحدهما بمعنى حقا؛ والثاني بمعنى: لا؛ فإذا كانت بمعنى حقا جاز الوقف على ما قبلها، ثم تبتدئ {كلا} أي: حقا.
[1983]:سورة {ق). الآية 18.
[1984]:ما بين العلامتين [ ] من تفسير غرائب القرآن.