{ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم موسى } أي أرسلناه عليه السلام بعد الرسل أو بعد الأمم والأول متقدم في قوله سبحانه : { وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم } [ الأعراف : 101 ] والثاني مدلول عليه بِ { تلك القرى } [ الأعراف : 101 ] والاحتمال الأول أولى ، والتصريح بالبعدية مع ثم الدالة عليها قيل للتنصيص على أنها للتراخي الزماني فإنها كثيراً ما تسعمل في غيره ، وقيل : للإيذان بأن بعثه عليه السلام جرى على سنن السنة الإلهية من ارسال الرسل تترى ، و { مِنْ } لابتداء الغاية ، وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مر مراراً من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ، وقوله سبحانه : { بئاياتنا } متعلق بمحذوف وقع حالا من مفعول بعثنا أو صفة لمصدره أي بعثناه عليه السلام ملتبساً بها أو بعثناه بعثاً ملتبساً بها وأريد بها الآيات التسع المفصلة { إلى فِرْعَوْنَ } هو علم شخص ثم صار لقبا لكل من ملك مصر من العمالقة ، كما أن كسرى لقب من ملك فارس ، وقيصر لقب من ملك الروم ، والنجاشي لقب من ملك الحبشة ، وتبع لقب من ملك اليمن ، وقيل : إنه من أول الأمر لقب لمن ذكر ، واسمه الوليد بن مصعب بن الريان ، وقيل : قابوس وكنيته أبو العباس ، وقيل : أبو مرة ، وقيل : أبو الوليد ، وعن جماعة أن قابوسا والوليد اسمان لشخصين أحدهما فرعون موسى والآخر فرعون يوسف عليهما السلام ، وعن النقاش . وتاج القراء أن فرعون موسى هو والد الخضر عليه السلام ، وقيل : ابنه وذلك من الغرابة بمكان ، ويلقب به كل عات ويقال فيه فرعون كزنبور ، وحكى ابن خالويه عن الفراء ضم فائه وفتح عينه وهي لغة نادرة ، ويقال فيه : فريع كزبير وعليه قول أمية بن الصلت :
حي داود بن عاد وموسى *** وفريع بنيانه بالثقال
وقيل : هو فيه ضرورة شعر ومنع من الصرف لأنه أعجمي ، وحكى أبو الخطاب بن دحية في مروج البحرين عن أبي النصر القشيري في التيسير أنه بلغة القبط اسم للتمساح ، والقول بأنه لم ينصرف لأنه لا سميّ له كابليس عند من أخذخ من أبلس ليس بشيء ، وقيل : هو وأضراً به السابقة أعلام أشخاص وليست من علم الجنس لجمعها على فراعنة وقياصرة وأكاسرة ، وعلم الجنس لا يجمع فلا بد من القول بوضع خاص لكل من تطلق عليه . وتعقب بأنه ليس بشيء لأن الذي غره قول الرضى إن علم الجنس لا يجمع لأنه كالنكرة شامل للقليل والكثير لوضعه للماهية فلا حاجة لجمعه ، وقد صرح النحاة بخلافه وممن ذكر جمعه السهيلي في الروض الأنف فكأن مراد الرضى أنه لا يطرد جمعه وما ذكره تعسف نحن في غنى عنه { وَمَلاَئه } أي أشراف قومه وتخصيصهم بالذكر مع عموم بعثته عليه السلام لقومه كافة لاصالتهم في تدبير الأمور واتباع غيرهم لهم في الورود والصدور { وَمَلإِيِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا } أي بالآيات ، وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه وهو يتعدى بنفسه لا بالباء إلا أنه لما كان هو والكفر من واد واحد عدى تعديته أو هو بمعنى الكفر مجازاً أو تضميناً أو هو مضمن معنى التكذيب أي ظلموا كافرين بها أو مكذبين بها ، وقول بعضهم : إن المعنى كفروا بها مكان الإيمان الذي هو من حقها لوضوحها ظاهر في التضمين كأنه قيل كفروا بها واضعين الكفر في غير موضعه حيث كان اللائق بهم الإيمان .
وقيل : الباء للسببية ومفعول ظلموا محذوف أي ظلموا الناس بصدهم عن الإيمان أو أنفسهم كما قال الحسن . والجبائي بسببها ، والمراد به الاستمرار على الكفر بها إلى أن لقوا من العذاب ما لقوا .
{ فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين } أي آخر أمرهم ، ووضع المفسدين موضع ضميرهم للإيذان بأن الظلم مستلزم للافساد ، والفاء لأنه كما أن ظلمهم بالآيات مستتبع لتلك العاقبة الهائلة كذلك حكايته مستتبع للأمر بالنظر إليها ، والخطاب إما للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى منه النظر ، و { كَيْفَ } كما قال أبو البقاء وغيره خبر كان قدم على اسمها لاقتضائه الصدارة ، والجملة في حيز النصب باسقاط الخافض كما ، قيل : أي فانظر بعين عقلك إلى كيفية ما فعلنا بهم .
ثم اتجهت في النهاية بالخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فأطلعته على الطبائع الغالبة في البشر حتى لا يضيق ذرعاً بأحوال من أرسل إليهم ثم عادت السورة بعد ذلك إلى الحديث عن قصة أخرى من قصص الأنبياء مع أقوامهم ، فحدثتنا عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل بعد حديثها قبل ذلك عن شعيب الذي كان معاصراً لموسى - عليهما السلام - .
فأنت ترى أن السورة الكريمة قد التزمت الترتيب التاريخى في حديثها عن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - .
ولقد قلنا من قبل إن الأسلوب البارز في هذه السورة الكريمة وهى تدعو الناس إلى وحدانية الله يتجلى في تذكيرهم بنعم الله التي لا تحصى ، وتخويفهم عن طريق سرد أحوال الأمم المهلكة ، بسبب مخالفتها لرسلها ، وعتوها عن أمر ربها ، ولعل هذا هو السر في أنها سقات لنا قصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب مع أممهم الذين أهلكوا بسبب كفرهم ولم تذكر لنا - مثلا - قصة إبراهيم مع قومه مع أن لوطا - عليه السلام - كان معاصراً له ، وذلك لأن قوم إبراهيم لم يهلكوا ، ولم يلتمس هو من ربه ذلك ، بل اعتزلهم وما يعبدون من دون الله .
فالسورة الكريمة قد التزمت في مجموعها الحديث عن مصارع المكذبين ليكونوا عبرة لكل عاقل ، وذكرى لكل عبد منيب .
ومن هنا فهى لا تحدثنا عن قصة موسى من أولها كما جاء في سورة القصص مثلا وإنما هى تبدأ عنها بالغرض الذي جاءت من أجله وهو التخويف من عواقب التكذيب فتقول : { ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم موسى بِآيَاتِنَآ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المفسدين } وهكذا تصرح السورة الكريمة في أول آية من قصة موسى بالهدف الذي سيقت من أجله وهو النظر والتدبر في عاقبة المفسدين .
ثم بعد ذلك تحدثنا حديثاً مستفيضاً زاخراً بالعبر والعظات عما دار بين موسى وفرعون من محاورات ومجادلات انتهت بغرق فرعون وقومه ، ثم عما دار بين موسى وين بنى إسرائيل من مجادلات تدل على أصالتهم في الكذب والافساد والفسوق عن أمر الله .
والآن فلنستمع إلى السورة الكريمة وهى تحكى لنا قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل في نحو سبعين آية تبدؤها بقوله - تعالى - : { ثُمَّ بَعَثْنَا مِن . . . } .
هذا هو الدرس الأول من قصة موسى مع فرعون وفيه نرى ما دار بين موسى وفرعون من محاورات ، وما دار بين موسى والسحرة من مناقشات ومساجلات انتهت بإيمان السحرة وهم يضرعون إلى الله بلسان صادق ، وقلب سليم فيقولون - كما حكى القرآن عنهم - : { رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } . ولنبدأ في تفسير آيات هذا الدرس من أولها فنقول :
قوله - تعالى - { ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم موسى بِآيَاتِنَآ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ } معطوف على ما قبله من قصص الأنبياء الذين تحدثت عنهم السورة الكريمة .
وموسى - عليه السلام - هو ابن عمران من نسل لاوى بن يعقوب . ويرى بعض المؤرخين أن ولادة موسى كانت في حوالى القرن الثالث عشر قبل الميلاد ، وأن بعثته كانت في عهد منفتاح بن رمسيس الثانى .
وفرعون : لقب لملوك مصر القدماء ، كلقب قيصر لملك الروم ، وكسرى لملوك الفرس ، والمعنى : ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل الذين سبق الحديث عنهم - وهم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب - بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا التي تدل على صدقه فيما يبلغه عن ربه إلى فرعون وملئه ، وهم أشراف قومه ، ووجهاء دولته .
قال بعض العلماء : " ولم يقل - سبحانه - إلى فرعون وقومه ، لأن الملك ورجال الدولة هم الذين كانوا مستعبدين لبنى إسرائيل ، وبيدهم أمرهم ، وليس لسائر المصريين من الأمر شىء ، ولأنهم كانوا مستعبدين - أيضا ولكن الظلم على بنى إسرائيل الغرباء كان أشد " .
وقوله { بِآيَاتِنَآ } متعلق بمحذوف وقع حالا من مفعول بعثنا ، أو صفة لمصدره . أى : بعثناه - عليه السلام - ملتبسا بها . أو بعثناه بعثاً ملتبساً بها .
والمراد بها الآيات التسع وهى العصا ، واليد البيضاء ، والسنون ، ونقص الثمرات ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم .
ثم بين - سبحانه - في الآية الأولى من هذه القصة كيف تلقى فرعون وملؤه دعوة موسى وآياته فقال : { فَظَلَمُواْ بِهَا } أى : فكفروا بهذه الآيات تكبراً وجحوداً ، فكان عليهم وزر ذلك ، وقد عدى الظلم هنا بالباء مع أنه يتعدى بنفسه لتضمنه معنى الكفر ، إذ هما من واد واحد قال - تعالى - { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } ويجوز أن تكون الباء للسببية والمفعول محذوف ، أى : ظلموا أنفسهم بسببها بأن عرضوها للعقاب المهين . أو ظلموا الناس بصدهم عن الإيمان بهذه الآيات ، واستمروا على ذلك إلى أن حق عليهم العذاب الأليم .
ثم ختمت الاية بالأمر بالتدبر في أحوال هؤلاء الظالمين وفيما حل بهم من سوء المصير فقال - تعالى - { فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المفسدين } أى : فانظر أيها الرسول الكريم - أو أيها العاقل - كيف كانت عاقبة فرعون وملئه الذين أفسدوا في الأرض ، لقد أخذهم الله بذنوبهم فأغرقهم في اليم ، وموسى وقومه ينظرون إليهم ، وتلك عاقبة كل من طغى وآثر الحياة الدنيا .
ووضع - سبحانه - المفسدين موضع ضميرهم للايذان بأن الظلم مستلزم للافساد .
و { كَيْفَ } خبر لكان مقدم عليها لاقتضائه الصادرة . وعاقبة ، اسمها ، وهذه الجملة الاستفهامية في محل نصب على إسقاط حرف الجر ، إذ التقدير : فانظر بعين عقلك إلى كيفية ما فعلناه بهم .
وهكذا نرى السورة الكريمة ترينا في أول آية من هذه القصة الغرض الذي سيقت من أجله وهو التدبر في عواقب المكذبين ، والتخويف من المصير الذي ساروا إليه ، وتنهى الناس في كل زمان ومكان عن السير على منوالهم . والسورة الكريمة عندما ترينا ذلك في مطلع هذه القصة تكون متناسقة كل التناسق مع أسلوبها الذي اختارته في دعوة الناس إلى وحدانية الله وإلى مكارم الأخلاق ، وهو أسلوب التذكير بالنعم ، والتحذير من عواقب الظلم والطغيان - كما سبق أن أشرنا إلى ذلك في التمهيد بين يدى السورة .