{ وَيَخِرُّونَ لِلاْذْقَانِ يَبْكُونَ } كرر الخرور للأذقان لاختلاف السبب فإن الأول لتعظيم أمر الله تعالى أو الشكر لإنجاز الوعد والثاني لما أثر فيهم من مواعظ القرآن ، والجار والمجرور إما متعلق بما عنده أو بمحذوف وقع حالاً مما قبل أو مما بعد أي ساجدين ، وجملة { يَبْكُونَ } حال أيضاً أي باكين من خشية الله تعالى ، ولما كان البكاء ناشئاً من الخشية الناشئة من التفكر الذي يتجدد جيء بالجملة الفعلية المفيدة للتجدد ، وقد جاء في مدح البكاء من خشيته تعالى أخبار كثيرة فقد أخرج الحكيم الترمذي عن النضر بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لو أن عبداً بكى في أمة لأنجى الله تعالى تلك الأمة من النار ببكاء ذلك العبد وما من عمل إلا له وزن وثواب إلا الدمعة فإنها تطفىء بحوراً من النار وما أغروروقت عين بمائها من خشية الله تعالى إلا حرم الله تعالى جسدها على النار فإن فاضت على خده لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة » وأخرج أيضاً عن ابن عباس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله تعالى وعين باتت تحرس في سبيل الله تعالى » وأخرج هو والنسائي ومسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا يلج النار رجل بكى من خشية الله تعالى حتى يعود اللبن في الضرع ولا اجتمع على عبد غبار في سبيل الله تعالى ودخان جهنم » زاد النسائي في منخريه ومسلم أبداً ، وينبغي أن يكون ذلك حال العلماء فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن عبد الأعلى التيمي أنه قال : إن من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق أن قد أوتي من العلم ما لا ينفعه لأن الله تعالى نعت أهل العلم فقال : { وَيَخِرُّونَ لِلاْذْقَانِ يَبْكُونَ } { وَيَزِيدُهُمْ } أي القرآن بسماعهم { خُشُوعًا } لما يزيدهم علماً ويقيناً بأمر الله تعالى على ما حصل عندهم من الأدلة .
( ومن باب الإشارة ) :{ وَيَخِرُّونَ للأذقان يَبْكُونَ } [ الإسراء : 109 ] لعظمته أو شوقاً لمنزله وحباً للقائه ، قال أبو يعقوب السوسي : البكاء على أنواع بكاء من الله تعالى وهو أن يبكي خوفاً مما جرى به القلم في الفاتح ويظهر في الخاتمة وبكاء على الله عز وجل وهو أن يبكي تحسراً على ما يفوته من الحق تعالى ، وبكاء لله تبارك وتعالى وهو أن يبكي عند ذكره سبحانه وذكر وعده ووعيده وبكاء بالله تعالى وهو أن يبكي يلاحظ منه في بكائه ، وقال القاسم : البكاء على وجوه بكاء الجهال على ما جهلوا وبكاء العلماء على ما قصروا وبكاء الصالحين مخافة الفوت ، وبكاء الأئمة مخافة السبق وبكاء الفرسان من أرباب القلوب للهيبة والخشية ولا بكاء للموحدين ، وفي الآية إشارة ما إلى السماع ولا أشرف من سماع القرآن فهو الروح والرحيان { قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن } قيل دعاء الله بالفناء في الذات ودعاء الرحمن بالفناء في الصفة وصفة الرحمانية هي أم الصفات وبها استوى سبحانه على عرشه ، ومن ذلك يعلم أنه ليس المراد من الإيجاد إلا رحمة الموجودين
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{يبكون ويزيدهم خشوعا}، يقول: يزيدهم القرآن تواضعا، لما في القرآن من الوعد والوعيد...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 107]
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء القائلين لك "لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حتى تُفَجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعا": آمنوا بهذا القرآن الذي لو اجتمعت الإنس والجنّ على أن يأتوا بمثله، لم يأتوا به ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، أو لا تؤمنوا به، فإن إيمانكم به لن يزيد في خزائن رحمة الله ولا ترككم الإيمان به يُنقص ذلك.
وإن تكفروا به، فإن الذين أوتوا العلم بالله وآياته من قبل نزوله من مؤمني أهل الكتابين، إذا يتلى عليهم هذا القرآن يخرّون تعظيما له وتكريما، وعلما منهم بأنه من عند الله، لأذقانهم سجدا بالأرض.
واختلف أهل التأويل في الذي عُنِي بقوله "يَخِرّونَ للأَذْقانِ"؛
فقال بعضهم: عُنِي به: الوجوه...
وقال آخرون: بل عُنِيَ بذلك اللّحَى...
وقوله: "سُبْحانَ رَبّنا إنُ كانَ وَعْدُ رَبّنا لَمَفْعُولاً" يقول جلّ ثناؤه: ويقول هؤلاء الذين أوتوا العلم من قبل نزول هذا القرآن، إذ خرّوا للأذقان سجودا عند سماعهم القرآن يُتْلى عليهم: تنزيها لربنا وتبرئه له مما يضيف إليه المشركون به، ما كان وعد ربنا من ثواب وعقاب، إلا مفعولاً حقا يقينا، إيمان بالقرآن وتصديق به. والأذقان في كلام العرب: جمع ذَقَن وهو مجمع اللّحيين... قال مجاهد: "الّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ..." إلى قوله "خُشُوعا" قال: هم ناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل الله على محمد قالُوا سُبْحانَ رَبّنا إنْ كانَ وَعْدُ رَبّنا لَمَفْعُولاً...
قال ابن زيد، في قوله: "قُلْ آمِنوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنّ الّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ" من قبل النبيّ صلى الله عليه وسلم "إذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ" ما أنزل إليهم من عند الله "يَخِرّونَ للأَذْقانِ سُجّدا وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبّنا إنْ كانَ وَعْدُ رَبّنا لَمَفْعولاً".
وقال آخرون: عُنِي بقوله: "الّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ" القرآن الذي أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم...
عن ابن جريج، في قوله: "إذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ" كتابهم...
وإنما قلنا: عُنِي بقوله: "إذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ" القرآن، لأنه في سياق ذكر القرآن لم يجر لغيره من الكتب ذكر، فيصرف الكلام إليه، ولذلك جعلت الهاء التي في قوله: "مِنْ قَبْلِهِ" من ذكر القرآن، لأن الكلام بذكره جرى قبله، وذلك قوله: "وَقُرآنا فَرَقْناهُ" وما بعده في سياق الخبر عنه، فذلك وجبت صحة ما قلنا إذا لم يأت بخلاف ما قلنا فيه حجة يجب التسليم لها.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
" لأذقانهم يبكون ويزيدهم "ما في القرآن من المواعظ والعبر "خشوعا "يعني خضوعا لأمر الله وطاعته واستكانة له...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
وبكاء كل واحدٍ على حسب حاله: فالتائب يبكي لخوف عقوبته لما أَسْلَفَهُ من زَلَّته وحَوْبته، والمطيعُ يبكي لتقصيره في طاعته، ولكيلا يفوته ما يأمله من مِنَّتِه. وقوم يبكون لاستبهام عاقبتهم وسابقتهم عليهم. وآخرون بكاؤهم بلا سبب متعين. وآخرون يبكون تحسراً على ما يفوتهم من الحق...
جهود الإمام الغزالي في التفسير 505 هـ :
أورد الثعالبي في بيان هذه الآية ما يأتي: ونقل الغَزَّاليُّ عن ابن عبَّاس أنه قال: إِذا قرأتم سَجْدَةَ «سُبْحَانَ»، فلا تعجلوا بالسُّجُود حتى تَبْكُوا، فإِن لم تَبْكِ عينُ أحدِكُمْ، فَلْيبكِ قلبه. قال الغَزَّالِيُّ: فإن لم يحضرْهُ حُزْن وبكاءٌ كما يحضر أرباب القلوب الصافيَةِ فليَبْكِ على فَقْدِ الحُزْن والبكاء، فإِن ذلك من أعظم المصِائبِ. قال الغَزَّالِيُّ: واعلم أنَّ الخشوع ثمرةُ الإِيمان، ونتيجةُ اليقينِ الحاصلِ بعظمةِ اللَّه تعالى، ومَنْ رُزِقَ ذلك، فإِنه يكون خاشعاً في الصلاة وغيرها، فإِن موجب الخشوع استشعارُ عظمة اللَّه، ومعرفةُ اطلاعه على العَبْد، ومعرفةُ تقصير العَبْد، فمن هذه المعارفِ يتولَّد الخشوعُ، وليْسَتْ مختصَّةً بالصلاة، ثم قال: وقد دلَّت الأخبار على أن الأصل في الصَّلاة الخشوعُ، وحضورُ القَلْب، وإن مجرَّد الحركاتِ مع الغَفْلة قليلُ الجدوى في المعادِ...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
هذه مبالغة في صفتهم ومدح لهم وحض لكل من ترسم بالعلم وحصل منه شيئاً أن يجري إلى هذه الرتبة...
{ويخرون للأذقان يبكون} والفائدة في هذا التكرير اختلاف الحالين وهما خرورهم للسجود وفي حال كونهم باكين عند استماع القرآن، ويدل عليه قوله: {ويزيدهم خشوعا} ويجوز أن يكون تكرار القول دلالة على تكرار الفعل منهم...
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :
... وحق لكل من توسم بالعلم وحصل منه شيئا أن يجري إلى هذه المرتبة، فيخشع عند استماع القرآن ويتواضع ويذل...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{ويخرون} عند تكرار سماعه {للأذقان} مع سجودهم {يبكون ويزيدهم} تكراره {خشوعاً} أي خضوعاً وتواضعاً وإخباتاً، فإن كان سؤالكم إياهم لتؤمنوا إذا أخبروكم أني على الحق فآمنوا، وإن كان لغير ذلك فقد تبين سفهكم وضعف أمركم وسوء رأيكم، وعبر في البكاء بالفعل إشارة إلى تجدده في بعض الأحيان لما لهم في بعضها من السرور ببعض ما أبيح من الملاذ، وفي السجود بالاسم إشارة إلى دوام ذلهم بالسجود المشروع، أو بمطلق الخضوع، وسيأتي في سورة مريم ما يزيده وضوحاً.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
إنه مشهد مصور لحالة شعورية غامرة، يرسم تأثير هذا القرآن في القلوب المتفتحة لاستقبال فيضه؛ العارفة بطبيعته وقيمته بسبب ما أوتيت من العلم قبله. والعلم المقصود هو ما أنزله الله من الكتاب قبل القرآن، فالعلم الحق هو ما جاء من عند الله...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
فالخرور المحكي بالجملة الثانية هو الخرور الأول، وإنما خروا خروراً واحداً ساجدين باكين، فذكر مرتين اهتماماً بما صحبه من علامات الخشوع... وذكر {يبكون} بصيغة المضارع لاستحضار الحالة... والبكاء بكاء فرح وبهجة. والبكاء: يحصل من انفعال باطني ناشئ عن حزن أو عن خوف أو عن شوق...
ومن السنة سجود القارئ والمستمع له بقصد هذه الآية اقتداء بأولئك الساجدين بحيث لا يذكر المسلم سجود أهل الكتاب عند سماع القرآن إلا وهو يرى نفسه أجدر بالسجود عند تلاوة القرآن...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
هذا هو الوصف الثالث من أوصاف أولي العلم عندما يتلى عليهم القرآن، وكرر خرورهم الأول أي سقوطهم للأذقان باكين من تأثرهم به، وإحساسهم بأن الله تعالى يخاطبهم بكلامه، وأنهم يستمعون إليه فيتغلب عليهم البكاء من فرط إدراكهم، ولعلو إحساسهم... {ويزيدهم خشوعا}، أي خضوعا لله تعالى وإيمانا بحق عبوديته، فكلما تلي عليهم ازدادوا علما، وكلما ازدادوا علما ازدادوا إيمانا وخشوعهم يستمر في نمو، وإيمانهم بحق العبودية يزداد كلما تلى عليهم...
أما هذه المرة فيخرون ساجدين لما سمعوا القرآن تفصيلاً وانفعلوا به، فيكون له انفعال آخر، لذلك يزيد هنا الخشوع والخضوع، فيقول: {ويخرون للأذقان يبكون}: فكلما قرأوا آية ازدادوا بها خشوعاً وخضوعاً...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
ونلاحظ، في التأكيد على جانب التعبير عن الإيمان بالله، بالهويّ إلى الأرض بالسجود، وبالاندفاع في البكاء في حالةٍ نفسيةٍ من الإجهاش الروحي أمام الله... بأن حركة الإيمان ليست مجرد حالةٍ تجريديةٍ في الذهن، بل هي، إلى جانب ذلك، حركةٌ في الشعور وفي التعبير، وزيادةٌ في تعميق الذل الإنساني في عبودية الإنسان لله، لتكون المعرفة معنى في النفس وشعوراً في القلب وحركة في الإيمان وفي الواقع...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
الفعل المضارع (يبكون) دليل على استمرار البكاء بسبب حبّهم وعشقهم لخالقهم. واستخدام الفعل المضارع في جملة (يزيدهم خشوعاً) دليل على أنّهم لا يتوقفون أبداً على حالة واحدة، بل يتوجهون باستمرار نحو ذروة التكامل، وخشوعهم دائماً في زيادة (الخشوع هو حالة مِن التواضع والأدب الجسدي والروحي للإِنسان في مقابل شخصية معينة أو حقيقة معينة)... علاقة العلم بالإِيمان الموضوع الآخر الذي يُمكن أن نستفيدهُ مِن الآيات أعلاه هو علاقة العلم بالإِيمان، إِذ تقول الآيات: إِنّكم سواء آمنتم بالله أو لم تؤمنوا فإِنَّ العلماء سيؤمنون بالله إلى درجة أنّهم يعشقون الخالق ويسقطون أرضاً ساجدين مِن شدّة الوله والحبّ، وتجري الدّموع مِن أعينهم، وإِنّ هذا الخشوع والتأدُّب يتصف بالاستمرار في كل عصر وزمان. إِنَّ الجهلة فقط هم الذين لا يُعيرون أهمية للحقائق ويواجهونها بالاستهزاء والسخرية، وإِذا أثَّر فيهم الإيمان في بعض الأحيان فإِنَّهُ سيكون تأثيراً ضعيفاً خالياً مِن الحبّ والحرارة... إِنَّ العلم والإِيمان توأمان، إِذ لا يمكن أن يكون هُناك إِيمان عميق ثابت مِن دون علم، والعلم في مراحله المُتقدمة يحتاج إلى الإِيمان...