روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا} (2)

{ قَيِّماً } أي مستقيماً كما أخرجه ابن المنذر عن الضحاك وروى أيضاً عن ابن عباس ، والمراد مما قبل أنه لا خلل في لفظه ولا في معناه ، والمراد من هذا أنه معتدل لا إفراط فيما اشتمل عليه من التكاليف حتى يشق على العباد ولا تفريط فيه بإهمال ما يحتاج إليه حتى يحتاج إلى كتاب آخر كما قال سبحانه : { مَّا فَرَّطْنَا في الكتاب مِن شيء } [ الأنعام : 38 ] ولذا كان آخر الكتب المنزل على خاتم الرسل عليه الصلاة والسلام ، وقيل المراد منه ما أريد مما قبله وذكره للتأكيد .

وقال الفراء : المراد قيماً على سائر الكتب السماوية شاهداً بصحتها . وقال أبو مسلم : المراد قيماً بمصالح العباد متكفلاً بها وببيانها لهم لاشتماله على ما ينتظم به المعاش والمعاد وهو على هذين القولين تأسيس أيضاً لا تأكيد فكأنه قيل كاتباً صادقاً في نفسه مصدقاً لغيره أو كتاباً خالياً عن النقائض حالياً بالفضائل وقيل المراد على الأخير أنه كامل في نفسه ومكمل لغيره ، ونصبه بمضمر أي جعله قيماً على أن الجملة مستأنفة أو جعله قيماً على أنها معطوفة على ما قبل إلا أنه قيل إن حذف حرف العطف مع المعطوف تكلفّ ؛ وكان حفص يسكت على { عِوَجَا } سكتة خفيفة ثم يقول { قَيِّماً } .

واختار غير واحد أنه على الحال من الضمير في { لَهُ } [ الكهف : 1 ] أي لم يجعل له عوجاً حال كونه مستقيماً ولا عوج فيه على ما سمعت أولاً من معنى المستقيم إذ محصله أنه تعالى صانه عن الخلل في اللفظ والمعنى حال كونه خالياً عن الإفراط والتفريط ، وكذا على القولين الأخيرين ، نعم قيل : إن جعله حالا من الضمير مع تفسير المستقيم بالخالي عن العوج ركيك .

وتعقبه بعضهم بأنه تندفع الركاكة بالحمل على الحال المؤكدة كما في قوله تعالى : { ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ } [ التوبة : 25 ] وفيه بحث ، وجوز أن يكون حالا من الكتاب ، واعترض بأنه يلزم حينئذ العطف قبل تمام الصلة لأن الحال بمنزلة جزء منها ، وأجيب بأنه يجوز أن يجعل { وَلَمْ يَجْعَل } [ الكهف : 1 ] الخ من تتمة الصلة الأولى على أنه عطف بياني حيث قال تعالى : { أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب } [ الكهف : 1 ] الكامل في بابه عقبه بقوله سبحانه : { وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } [ الكهف : 1 ] فحينئذ لا يكون الفصل قبل تمام الصلة ، وهو نظير قوله تعالى : { وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله وَكُفْرٌ بِهِ والمسجد الحرام } [ البقرة : 217 ] وعلى قول . وأيضاً يجوز أن يكون الواو في { وَلَمْ يَجْعَل } [ الكهف : 1 ] للحال والجملة بعده حال من { الكتاب } [ الكهف : 1 ] كقيما واختاره الأصبهاني .

وقال أبو حيان : إن ذاك على مذهب من يجوز وقوع حالين من ذي حال واحد بغير عطف وكثير من أصحابنا على منعه ، وقال آخر : إن قياس قول الفارسي في الخبر أنه لا يتعدد مختلفاً بالأفراد والجملية أن يكون الحال كذلك .

وأجيب بأنه غير وارد إذ ما ذكره الفارسي خلاف مذهب الجمهور مع أنه قياس مع الفارق فلا يسمع ، وكذا ما ذكره أبو حيان عن الكثير خلاف المعول عليه عند الأكثر ، نعم فراراً من القيل والقال جعل بعضهم الواو للاعتراض والجملة اعتراضية ، وفي الكلام تقديم وتأخير والأصل الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجاً ، وروي القول بالتقديم والتأخير عن ابن عباس . ومجاهد ، وذكر السمين أن ابن عباس حيث وقعت جملة معترضة في النظم يجعلها مقدمة من تأخير ، ووجه ذلك بأنها وقعت بين لفظين مرتبطين فهي في قوة الخروج من بينهما ، ولما كان { قَيِّماً } يفيد استقامة ذاتية أو ثابتة لكونه صفة مشبهة وصيغة مبالغة ، وما من شيء كذلك إلا وقد يتوهم فيه أدنى عوج ذكر قوله تعالى : { وَلَمْ يَجْعَل } [ الكهف : 1 ] الخ للاحتراس ، وقدم للاهتمام كما في قوله :

ألا يا اسلمي يا دار مي على البلا*** ولا زال منهلا بجرعائك القطر

ومن هنا يعلم أن تفسير القيم بالمستقيم بالمعنى المتبادر ، وان قول الزمخشري فائدة الجمع بينه وبين نفي العوج التأكيد فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح غير ذي عوج عند السبر والتصفح ، وأنه لا يرد قول الإمام إن قوله تعالى : { لَّمْ يَجْعَلِ لَّهُ عِوَجَا } [ الكهف : 1 ] يدل على كونه مكملاً في ذاته ، وقوله سبحانه : { قَيِّماً } يدل على كونه مكملاً لغيره ، فثبت بالبرهان العقلي أن الترتيب الصحيح كما ذكره الله تعالى وان ما ذكروه من التقديم والتأخير فاسد يمتنع العقل من الذهاب إليه انتهى .

ولعمري أن هذا الكلام لا ينبغي من الإمام إن صح عنده أن القول المذكور مروى عن ابن عباس ومجاهد ، فإن الأول ترجمان القرآن وناهيك به جلالة ومعرفة بدقائق اللسان ، وقد قيل في الثاني إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك ، وقال صاحب حل العقد : يمكن أن يكون قيما بدلاً من قوله تعالى : { وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } [ الكهف : 1 ] قال أبو حيان : ويكون حينئذ بدل مفرد من جملة كما قالوا في عرفت زيداً أبو من هو إنه بدل جملة من مفرد ، وفي جواز ذلك خلاف ، هذا وزعم بعضهم أن ضمير { لَهُ } [ الكهف : 1 ] عائد على { عَبْدِهِ } [ الكهف : 1 ] وحينئذ لا يتأتى جميع التخاريج الإعرابية السابقة ، وقرأ أبان بن ثعلب { قَيِّماً } بكسر القاف وفتح الياء المخففة ؛ وفي بعض مصاحف الصحابة { وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً } وحمل ذلك على أنه تفسير لا قراءة { لّيُنذِرَ } متعلق ب { انزل } [ الكهف : 1 ] واللام للتعليل ، واستدل به من قال بتعليل أفعال الله تعالى بالإغراض كالسلف والماتريدية ، ومن يأبى ذلك بجعلها لام العاقبة ، وزعم الحوفي أنه متعلق بقيما وليس بقيم ، والفاعل ضمير الجلالة ، وكذا في الفعلين المعطوفين عليه ، وجوز أن يكون الفاعل في الكل ضمير { الكتاب } [ الكهف : 1 ] أو ضميره صلى الله عليه وسلم ، وأنذر يتعدى لمفعولين قال تعالى : { أنذرناكم عَذَاباً قَرِيباً } [ النبأ : 40 ] وحذف هنا المفعول الأول واقتصر على الثاني ، وهو قوله تعالى : { بَأْسًا شَدِيدًا } إيذاناً بأن ما سيق له الكلام هو المفعول الثاني ، وأن الأول ظاهر لا حاجة إلى ذكره وهو الذين كفروا بقرينة ما بعد ، والمراد الذين كفروا بالكتاب ، والظاهر أن المراد من البأس الشديد عذاب الآخرة لا غير ، وقيل يحتمل أن يندرج فيه عذاب الدنيا { مِن لَّدُنْهُ } أي صادرا من عنده تعالى نازلاً من قبله بمقابلة كفرهم فالجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة ثانية للبأس ، ولدن هنا بمعنى عند كما روي عن قتادة ، وذكر الراغب أنه أخص منه لأنه يدل على ابتداء نهاية نحو أقمت عنده من لدن طلوع الشمس إلى غروبها ، وقد يوضع موضع عند .

وقال بعضهم : إن { لَّدُنْ } أبلغ من عند وأخص وفيه لغات ، وقرأ أبو بكر عن عاصم بإشمام الدال بمعنى تضعيف الصوت بالحركة الفاصلة بين الحرفين فيكون إخفاء لها وبكسر النون لالتقاء الساكنين وكسر الهاء للاتباع ، ويفهم من كلام بعضهم أنه قرأ بالإسكان مع الاشمام بمعنى الإشارة إلى الحركة بضم الشفتين مع انفراج بينهما فاستشكل في الدر المصون . وغيره بأن هذا الاشمام إنما يتحقق في الوقف على الآخر وكونه في الوسط كما هنا لا يتصور ، ولذا قيل : إنه يؤتى به هنا بعد الوقف على الهاء . ودفع الاعتراض بأنه لا يدل حينئذ على حركة الدال وقد علل به بأنه متعين إذ ليس في الكلمة ما يصلح أن يشار إلى حركته غيرها ، ولا يخفي ما فيه ، وما قدمناه حاسم لمادة الإشكال . وقرأ الجمهور بضم الدال والهاء وسكون النون إلا أن ابن كثير يصل الهاء بواو وغيره لا يصل { وَيُبَشّرُ } بالنصب عطف على { ينذر } وقرئ شاذاً بالرفع .

وقرأ حمزة . والكسائي { أَقْوَمُ وَيُبَشّرُ } بالتخفيف { المؤمنين } أي المصدقين بالكتاب كما يشعر به وكذا بما تقدم ذكر ذلك بعد الامتنان بإنزال الكتاب { الذين يَعْمَلُونَ الصالحات } أي الأعمال الصالحة التي بينت في تضاعيفه ، وإيثار صيغة الاستقبال في الصلة للإشعار بتجدد العمل واستمراره ، وإجراء الموصول على موصوفه المذكور لما أن مدار قبول العمل الإيمان { أَنَّ لَهُمْ } أي بأن لهم بمقابلة إيمانهم وعملهم المذكور { أَجْرًا حَسَنًا } هو كما قال السدى وغيره الجنة وفيها من النعيم المقيم والثواب العظيم ما فيها ، ويؤيد كون المراد به الجنة ظاهر قوله تعالى : { مَّاكِثِينَ فِيهِ } أي مقيمين في الأجر { أَبَدًا } من غير انتهاء لزمان مكثهم .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ قَيِّماً } قد تقدم في التفسير أن الضمير المجرور عائد على { الكتاب } وجعله بعض أهل التأويل عائداً على { عَبْدِهِ } أي لم يجعل له عليه الصلاة والسلام انحرافاً عن جنابه وميلاً إلى ما سواه وجعله مستقيماً في عبوديته سبحانه ، وجعل الأمر في قوله تعالى { فاستقم كَمَا أُمِرْتَ } [ هود : 112 ] أمر تكوين { لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مّن لَّدُنْهُ } وهو بأس الحجاب والبعد عن الجناب وذلك أشد العذاب { كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } [ المطففين : 15 ] { وَيُبَشّرُ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات } وهي الأعمال التي أريد بها وجه الله تعالى لا غير ، وقيل العمل الصالح التبري من الوجود بوجود الحق { أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا } [ الكهف : 2 ] وهي رؤية المولى ومشاهدة الحق بلا حجاب

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا} (2)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

أنزله {قيما}: مستقيما، {لينذر} محمد صلى الله عليه وسلم بما في القرآن، {بأسا}، يعني: عذابا، {شديدا من لدنه}، يعني: من عنده...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: أنزل على عبده القرآن معتدلاً مستقيما لا عوج فيه لينذركم أيها الناس "بأسا "من الله "شديدا". وعنى بالبأس العذاب العاجل، والنكال الحاضر والسطوة.

وقوله: "مِنْ لَدُنْهُ" يعني: من عند الله...

وقوله: "وَيُبَشّرَ المُؤْمِنِينَ" يقول: ويبشر المصدقين الله ورسوله "الّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحات" وهو العمل بما أمر الله بالعمل به، والانتهاء عما نهى الله عنه "أنّ لَهُمْ أجْرا حَسَنا" يقول: ثوابا جزيلاً لهم من الله على إيمانهم بالله ورسوله، وعملهم في الدنيا الصالحات من الأعمال، وذلك الثواب: هو الجنة التي وعدها المتقون. وقوله: "ماكِثِينَ فِيهِ أبَدا": خالدين، لا ينتقلون عنه، ولا يُنْقَلون...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{قيما} قال بعضهم: القيم: الشاهد، أي القيم على الكتب والشاهد عليها في الزيادة والنقصان وفي التغيير والتحريف، يبين ما زادوا فيها، و ما نقصوا، وما حرفوه، وما غيروه...

وقال بعضهم: قوله: {قيما} أي ثابتا قائما أبدا لا يبدَّل، ولا يغير، ولا يزداد، ولا ينقص، وهو على ما وصفه {لا يأتيه الباطل} الآية (فصلت: 42) وهو على ما وصف الحق بالثبات والقيام، والباطل بالذهاب والتلاشي كقوله: {كذلك يضرب الله الحق والباطل} الآية: {الرعد: 17) وما وصف الكلمة الطيبة بالثبات والقيام لها، والخبيثة بالزوال والتغيير والذهاب، فعلى ذلك هذا القرآن لأنه حق...

{لينذر بأسا شديدا} أي أنزله على عبده لينذركم بأسا شديدا، أي لينذر ببأس شديد، والبأس: العذاب.

{من لدنه} هذا يحتمل وجهين:

أحدهما: أنزل على عبده الكتاب {من لدنه} أي من عنده.

والثاني: لينذر الكفار بأسا شديدا، يَنْزِلَ من عنده، والله أعلم.

{ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات}... البشارة المطلقة إنما تكون للمؤمنين الذين عَمِلُوا الصالحات، لأنه لم يذكر البشارة المطلقة في جميع القرآن إلا للمؤمنين الذين عملوا الصالحات. ثم المؤمنون الذين عملوا غير الصالحات في مشيئة الله؛ إن شاء عفا عنهم، و إن شاء عذبهم بقدر عملهم الذي كانوا عملوا، و إن شاء قابل سيئاتهم بحسناتهم؛ فإن فضلت حسناتهم على سيئاتهم بدَّل سيئاتهم حسنات على ما أخبر: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} (الفرقان: 70) هم في مشيئة الله على ما ذكر، و ليست لهم البشارة المطلقة التي للمؤمنين الذين عملوا الصالحات.

{أن لهم أجرا حسنا} لا سوء فيه، ولا قبح... {ماكثين فيه أبدا} لا يخرجون منه أبدا، وهم مقيمون فيه.

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

{قيِّماً} فيه ثلاثة تأويلات:...

الثالث: أنه المعتمد عليه والمرجوع إليه كقيم الدار الذي يرجع إليه في أمرها..

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

{قَيِّماً}: أي صانه عن التعارض والتناقض، فهو كتابٌ عزيزٌ من ربِّ عزيز. "والبأس الشديد ": مُعَجَّلُه الفراق، ومؤجَّلُه الاحتراق. ويقال هو البقاء عن الله تعالى، والابتلاء بغضب الله. ومعنى الآية لينذرهم ببأس شديد.

{وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً}. والعملُ الصالحُ ما يصلح للقبول، وهو ما يُؤدَّى على الوجه الذي أُمِرَ به. ويقال العمل الصالح ما كان بنعت الخلوص، وصاحبُه صادقٌ فيه. ويقال هو الذي يستعجل عليه صاحبه حَظَّاً في الدنيا مِنْ أَخذ عِوَضٍ، أو قَبُولِ جاهٍ، أو انعقادِ رِياسة... وما في هذا المعنى. وحصلت البشارةُ بأَنَّ لهم أجراً حسناً، والأجرُ الحَسَنُ ما لا يجري مع صاحبه استقصاءُ في العمل. ويقال الأجر الحَسَنُ ما يزيد على مقدار العمل. ويقال الأجر الحَسَنُ ما لا يُذَكِّر صاحبَه تقصيرَه، ويستر عنه عيوبَ عمله...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

فإن قلت: ما فائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة، وفي أحدهما غنى عن الآخر؟ قلت: فائدته التأكيد، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح. وقيل: قيما على سائر الكتب مصدقاً لها، شاهداً بصحتها. وقيل: قيماً بمصالح العباد وما لا بدّ لهم منه من الشرائع... «أنذر» متعدّ إلى مفعولين، كقوله {إِنَّا أنذرناكم عَذَاباً قَرِيباً} [النبأ: 40] فاقتصر على أحدهما، وأصله {لِّيُنذِرَ} الذين كفروا {بَأْسًا شَدِيدًا} والبأس من قوله {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} [الأعراف: 165] وقد بؤس العذاب وبؤس الرجل بأساً وبآسة

{مِّن لَّدُنْهُ} صادراً من عنده... {وَيُبَشِّرُ} بالتخفيف والتثقيل...

فإن قلت: لم اقتصر على أحد مفعولي أنذر؟ قلت: قد جعل المنذر به هو الغرض المسبوق إليه، فوجب الاقتصار عليه. والدليل عليه تكرير الإنذار في قوله {وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا (4)} متعلقاً بالمنذرين من غير ذكر المنذر به، كما ذكر المبشر به في قوله: {أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} استغناء بتقدّم ذكره...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

وقد مضى في الفاتحة ثم في الأنعام عن الإمام سعد الدين التفتازاني الشافعي رحمه الله أن كل سورة افتتحت بالحمد فللإشارة إلى نعمة من أمهات النعم التي هي إيجاد وإبقاء أولاً، وإيجاد وإبقاء ثانياً، وأنه أشير في الفاتحة لكونها أم الكتاب إلى الأربع، وفي الأنعام إلى الإيجاد الأول وهو ظاهر، وفي هذه السورة إلى الإبقاء الأول، فإن نظام العالم وبقاء النوع الإنساني يكون بالنبي والكتاب. ولما وصف الكتاب بما له من العظمة في جميع ما مضى من أوصافه من الحكمة والإحكام، والتفصيل والبيان، والحقية، والإخراج من الظلمات إلى النور، والجمع لكل معنى والتبيان لكل شيء، أتبعه ذكر فائدته مقدماً ما هو الأهم من درء المفسدة بالإنذار، لأنه مقامه كما هو ظاهر من {سبحان} فقال: {لينذر} وقصره على المفعول الأول ليعم كل من يصح قبوله الإنذار ولو تقديراً، وليفيد أن الغرض بيان المنذر به لا المنذر {بأساً شديداً} كائناً {من لدنه} أي أغرب ما عنده من الخوارق بما في هذا الكتاب من الإعجاز لمن خالف أمره من عذاب الدنيا والآخرة كوقعة بدر وغيرها المفيد لإدخال الإسلام عليهم وهم كارهون، بعد ما كانوا فيه من القوة وهو من الضعف {ويبشر المؤمنين} أي الراسخين في هذا الوصف {الذين يعملون الصالحات} وهو ما أمر به خالصاً له، وذلك من أسنان مفتاح الإيمان {أن لهم} أي من حيث هم عاملون {أجراً حسناً} وهو النعيم.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

والغرض من إنزال الكتاب واضح صريح: (لينذر بأسا شديدا من لدنه، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا). ويغلب ظل الإنذار الصارم في التعبير كله. فهو يبدأ به على وجه الإجمال: (لينذر بأسا شديدا من لدنه)...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

... والقيم: صفة مبالغة من القيام المجازي الذي يطلق على دوام تعهد شيء وملازمة صلاحه، لأن التعهد يستلزم القيام لرؤية الشيء والتيقظ لأحواله، كما تقدم عند قوله تعالى: {الحي القيوم} في سورة البقرة (255).

والمراد به هنا أنه قيم على هدي الأمة وإصلاحها، فالمراد أن كماله متعدّ بالنفع، فوزانه وزان وصفه بأنه {هدى للمتقين} في سورة البقرة: (2).

والجمع بين قوله: {ولم يجعل له عوجاً} وقوله: {قيماً} كالجمع بين {لا ريب فيه} [البقرة: 2] وبين {هدى للمتقين} [البقرة: 2] وليس هو تأكيداً لنفي العوج.

{لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ}

{لينذر} متعلق ب {أنزل}. والضمير المرفوع عائد إلى اسم الجلالة، أي لينذر الله بأساً شديداً من لدنه، والمفعول الأول ل {ينذر} محذوف لقصد التعميم، أو تنزيلاً للفعل منزلة اللازم لأن المقصود المنذَر به وهو البَأس الشديد تهويلاً له ولتهديد المشركين المنكرين إنزال القرآن من الله.

والبأس: الشدة في الألم. ويطلق على القوة في الحرب لأنها تؤلم العدو. وقد تقدم في قوله تعالى: {والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس} من سورة البقرة (177). والمراد هنا: شدة الحال في الحياة الدنيا، وذلك هو الذي أطلق على اسم البأس في القرآن، وعليه درج الطبري. وهذا إيماء بالتهديد للمشركين بما سيلقونه من القتل والأسر بأيدي المسلمين، وذلك بأس من لدنه تعالى لأنه بتقديره وبأمره عباده أن يفعلوه، فاستعمال (لدن) هنا في معنييه الحقيقي والمجازي.

وليس في جعل الإنذار ببأس الدنيا علّةً لإنزال الكتاب ما يقتضي اقتصار عِلل إنزاله على ذلك، لأن الفعل الواحد قد تكون له علل كثيرة يذكر بعضُها ويُترك بعض.

وإنما آثَرْتُ الحمل على جعل اليأس الشديد بأسَ الدنيا للتفصي مما يرد على إعادة فعل {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا} [الكهف: 4] كما سيأتي.

ويجوز أن يراد بالبأس عذابُ الآخرة فإنه بأس شديد، ويكون قوله: من لدنه} مستعملاً في حقيقته. وبهذا الوجه فسر جمهور المفسرين.

ويجوز أن يراد بالبأس الشديد ما يشمل بأس عذاب الآخرة وبأس عذاب الدنيا، وعلى هذا درج ابن عطية والقرطبي، ويكون استعمال من {لدنه} في معنييه الحقيقي والمجازي، أما في عذاب الآخرة فظاهر، وأما في عذاب الدنيا فلأن بعضه بالقتل والأسر وهما من أفعال الناس ولكن الله أمر المسلمين بهما فهما من لدنه.

وحذف مفعول {ينذر} لدلالة السياق عليه لظهور أنه ينذر الذين لم يؤمنوا بهذا الكتاب ولا بالمنزل عليه، ولدلالة مقابله عليه في قوله: {ويبشر المؤمنين}.

عطف على قوله: {لينذر بأساً}، فهو سبب آخر لإنزال الكتاب أثارته مناسبة ذكر الإنذار ليبقى الإنذار موجهاً إلى غيرهم.

وقوله: {أن لهم أجراً حسناً} متعلق ب {يبشر} بحذف حرف الجر مع (أن)، أي بأن لهم أجراً حسناً. وذكر الإيمان والعمل الصالح للإشارة إلى أن استحقاق ذلك الأجر بحصول ذلك لأمرين. ولا يتعرض القرآن في الغالب لحالة حصول الإيمان مع شيء من الأعمال الصالحة كثيرٍ أو قليلٍ، ولحُكْمِهِ أدلة كثيرة.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

منطلق الإسلام مصالح الناس:

{قَيِّماً} على الإنسان، في ما يريد أن يرعى به مصالحه الفردية والاجتماعية في الدنيا والآخرة، ويمنعه من اختيار الجانب السيّئ الذي يُرهق حياته ومصيره، لأنه لا يملك في المفهوم القرآني نفسه، فلا حرية له للإضرار بها، لأن الله الذي خلقه هو الذي يملك منه ما لا يملكه من نفسه. وهذا هو الذي يجعل للإسلام في قرآنه القيومية المطلقة على حركة الإنسان في حياته، ويضغط عليه في سبيل التطبيق الدقيق لآياته، لأن الإسلام لم ينطلق من حالةٍ مزاجيّةٍ عبثيّةٍ، بل انطلق من مصالح الإنسان في ما يأمر به، ومن المفاسد التي تربك حياته في ما ينهى عنه، ولذلك فلا مجال له لاختيار فكر آخر غير فكره، أو شريعةٍ مغايرةٍ لشريعته، فإن ذلك يمثل الانحراف الخطير عن موقع العبودية لله، وعن أساس المصلحة العليا للإنسان وللحياة التي يعيشها في كل مجالاته.

المؤمنون والنعيم الخالد.

{لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ} وهو عقابٌ شديدٌ من عند الله في يوم القيامة، ينذر به الكافرين به وبرسله وبكتبه، والمنحرفين عن دينه القويم في العقيدة والعمل... {وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ} فيقرنون الفكر بالطاعة لكي يصلح أمرهم وحياتهم من خلال الشريعة الحقة. {أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} حين يدخلهم الله جنته، ليعيشوا النعيم الخالد والرضوان الإلهي فيها. وهذا هو الأجر الحسن الذي ينتظره المؤمنون العاملون، في تطلعاتهم المستقبلية، وفي أشواقهم الروحية.