روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا} (68)

{ أَفَأَمِنتُمْ } الهمزة للإنكار على معنى أنه لا ينبغي الأمن ، والفاء للعطف على محذوف متوسط بينها وبين الهمزة أي أنجوتم فأمنتم وهو مذهب بعض النحويين ، واختار بعضهم أن الهمزة مقدمة من تأخير لأصالتها في الصدارة والعطف على ما قبله ، وجملة { كَانَ * الإنسان } [ الإسراء : 67 ] الخ معترضة بين المتعاطفين ولا حذف في مثل ذلك وهو مذهب الأكثرين لكن لا يظهر تسبب الإنكار للأمن على ما قبل على ما يقتضيه هذا المذهب بل الظاهر ترتبه على النجاة فقط ولا مدخل للإعراض في تسبب الإنكار ، والحق عندي في أمثال ذلك ما فيه استقامة المعنى من غير تكلف ولا يتعين التزام أحد المذهبين وإن أدى إلى التكلف فإنه تعصب محض ، والخطاب لمن تقدم أفأمنتم أيها المعرضون عند النجاة { أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر } الذي هو مأمنكم أي أن يغيبه الله تعالى ويذهب به في أعماق الآرض مصاحباً بكم أي وأنتم عليه على أن الباء للمصاحبة والجار والمجرور في موضع الحال ، وجوز أن تكون الباء للسببية والجار والمجرور متعلق بما عنده أي أن يغيبه سبحانه بسببكم وتعقب بأنه لا يلزم من قلبه بسببهم أن يكونوا مهلكين مخسوفاً بهم . وأجيب بأنه حيث كان المراد من جانب البر جانبه الذي هم فيه استلزم خسفه هلاكهم ولولا هذا لم يكن في التوعد به فائدة ، ونصب { جَانِبٍ } في الوجهين على أنه مفعول به ليخسف .

وفي «الدر المصون » أنه مصوب على الظرفية وحينئذ يجوز كون الباء للتعدية على معنى أفأمنتم أن يغيبكم في ذلك .

وفي «القاموس » خسف الله تعالى بفلان الآرض غيبه فيها ، والظاهر أنه بيان للمعنى اللغوي للفظ ، وفي ذكر الجانب تنبيه على أنهم عندما وصلوا الساحل أعرضوا أو ليكون المعنى أن الجوانب والجهات متساوية بالنسبة إلى قدرته سبحانه وقهره وسلطانه فله في كل جانب براً كان أو بحراً سبب مرصد من أسباب الهلكة فليس جانب البحر وحده مختصاً بذلك بل إن كان الغرق في جانب البحر ففي جانب البر ما هو مثله وهو الخسف لأنه تغييب تحت التراب كما أن الغرق تغييب تحت الماء فعلى العاقل أن يخاف من الله تعالى في جميع الجوانب وحيث كان .

والأول على تقدير أن يراد بجانب البر طرفه مما يلي البحر وهو الساحل ، وهذا على احتمال أن يراد به ما يشتمل جميع جوانبه . وقرأ ابن كثير . وأبو عمرو { نَخْسِفْ } بنون العظمة وكذا في الأربعة التي بعده .

{ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ } من فوقكم { حاصبا } أخرج ابن المنذر عن ابن عباس أنه قال : هو مطر الحجارة أي مطراً يحصبكم أي يرميكم بالحصباء وهو صغار الحجارة .

وأخرج ابن جرير . وابن أبي حاتم عن قتادة أنه فسر الحاصب بالحجارة نفسها ولعله حينئذ صيغة نسبة أي ذا حصب ويراد منه الرمي ، وقال الفراء : الحاصب الريح التي ترمى بالحصباء ، وقال الزجاج : هو التراب الذي فيه الحصباء والصيغة عليه صيغة نسبة أيضاً ، وجاء بمعنى ما تناثر من دقاق الثلج والبرد ، ومنه قول الفرزدق :

مستقبلين شمال الشام تضربهم . . . بحاصب كنديف القطن منثور

وبمعنى السحاب الذي يرمى بهما ، واختار الزمخشري ومن تبعه تفسير الفراء والظاهر أن الكلام عليه على حقيقته فالمعنى أو إن لم يصبكم بالهلاك من تحتكم بالخسف أصابكم به من فوقكم بريح يرسلها عليكم فيها الحصباء يرجمكم بها فيكون أشد عليكم من الغرق في البحر ، ويقال نحو هذا على سائر تفاسير الحاصب ، وقال الخفاجي فيوصف الريح بالرمي بالحصباء : إنه عبارة عن شدتها ، وذكرها إشارة إلى أنهم خافوا إهلاك الريح في البحر فقيل إن شاء أهلككم بالريح أيضاً ، ولا أدري ما المانع من إرادة الظاهر والشدة تلزم الرمي المذكور عادة والإشارة { ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً } تكلون إليه أموركم فيحفظكم من ذلك أويصرفه عنكم غيره جل وعلا فإنه لا راد لأمره الغالب جل جلاله .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا} (68)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم خوفهم، فقال سبحانه: {أفأمنتم} إذا أخرجتم من البحر إلى الساحل،

{أن يخسف بكم جانب البر}، يعني: ناحية من البر،

{أو يرسل عليكم} في البر {حاصبا}، يعني: الحجارة،

{ثم لا تجدوا لكم وكيلا}، يقول: ثم لا تجدوا مانعا يمنعكم من الله عز وجل...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره "أَفَأَمِنْتُمْ "أيها الناس من ربكم، وقد كفرتم نعمته بتنجيته إياكم من هول ما كنتم فيه في البحر، وعظيم ما كنتم قد أشرفتم عليه من الهلاك، فلما نجاكم وصرتم إلى البرّ كفرتم، وأشركتم في عبادته غيره "أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ" يعني ناحية البر "أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا" يقول: أو يمطركم حجارة من السماء تقتلكم، كما فعل بقوم لوط "ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلا" يقول: ثم لا تجدوا لكم ما يقوم بالمدافعة عنكم من عذابه وما يمنعكم منه... وكان بعض أهل العربية يوجه تأويل قوله (أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا) إلى: أو يرسل عليكم ريحا عاصفا تحصب...)

وأصل الحاصب: الريح تحصب بالحصباء؛ الأرض فيها الرمل والحصى الصغار...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

... {ثم لا تجدوا لكم وكيلا} ناصرا ينصركم، أو معتمدا تعتمدون عليه...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

ثم قال مهددا لهم:"أفأمنتم" أي: هل أمنتم إذا ضربتم في البر "أن يخسف بكم "جانبه ويقلب أسفله أعلاه فتهلكون عند ذلك.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{أَفَأَمِنتُمْ} الهمزة للإنكار، والفاء للعطف على محذوف تقديره: أنجوتم فأمنتم، فحملكم ذلك على الإعراض... والمعنى: أن يخسف جانب البر، أي يقلبه وأنتم عليه. فإن قلت فما معنى ذكر الجانب؟ قلت: معناه أنّ الجوانب والجهات كلها في قدرته سواء، وله في كل جانب براً كان أو بحراً سبب مرصد من أسباب الهلكة، ليس جانب البحر وحده مختصاً بذلك، بل إن كان الغرق في جانب البحر، ففي جانب البر ما هو مثله وهو الخسف؛ لأنه تغييب تحت التراب كما أنّ الغرق تغييب تحت الماء، فالبرّ والبحر عنده سيان يقدر في البر على نحو ما يقدر عليه في البحر، فعلى العاقل أن يستوي خوفه من الله في جميع الجوانب وحيث كان، {أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا} وهي الريح التي تحصب أي ترمي بالحصباء، يعني: أو إن لم يصبكم بالهلاك من تحتكم بالخسف، أصابكم به من فوقكم بريح يرسلها عليكم فيها الحصباء يرجمكم بها، فيكون أشدّ عليكم من الغرق في البحر. {وَكِيلاً} من يتوكل بصرف ذلك عنكم.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

قال الليث: الخسف والخسوف هو دخول الشيء في الشيء. يقال: عين خاسفة وهي التي غابت حدقتها في الرأس، وعين من الماء خاسفة أي غائرة الماء، وخسفت الشمس أي احتجبت وكأنها وقعت تحت حجاب أو دخلت في جحر. فقوله: {أن نخسف بكم جانب البر} أي نغيبكم من جانب البر وهو الأرض، وإنما قال {جانب البر} لأنه ذكر البحر في الآية الأولى فهو جانب، والبر جانب، أخبر الله تعالى أنه كما قدر على أن يغيبهم في الماء فهو قادر أيضا على أن يغيبهم في الأرض. ومعنى الحصب في اللغة: الرمي. ومعنى قوله: {حاصبا} أي عذابا يحصبهم، أي يرميهم بحجارة، ويقال للريح التي تحمل التراب والحصباء حاصب، والسحاب الذي يرمي بالثلج والبرد يسمى حاصبا لأنه يرمي بهما رميا.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان التقدير: أعرضتم بعد إذ أنجاكم فكفرتم بذلك وكان الكفر وصفاً لكم لازماً، فتسبب عن ذلك أنكم أمنتم، أي فعلتم بذلك فعل الآمن، أنكر عليهم هذا الأمر لكونه من أجهل الجهل فقال تعالى: {أفأمنتم} أي أنجوتم من البحر فأمنتم بعد خروجكم منه {أن نخسف} أي بما لنا من العظمة {بكم} ودل على شدة إسراعهم بالكفر عند وصولهم إلى أول الساحل بقوله تعالى: {جانب البر} أي فنغيبكم فيه في أيّ جانب كان منه.. {ثم لا تجدوا} أيها الناس {لكم} وأطلق ليعم فقال تعالى: {وكيلاً} ينجيكم من ذلك ولا من غيره كما لم تجدوا في البحر وكيلاً غيره...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

إن البشر في قبضة الله في كل لحظة وفي كل بقعة. إنهم في قبضته في البر كما هم في قبضته في البحر. فكيف يأمنون؟ كيف يأمنون أن يخسف بهم جانب البر بزلزال أو بركان، أو بغيرهما من الأسباب المسخرة لقدرة الله؟ أو يرسل عليهم عاصفة بركانية تقذفهم بالحمم والماء والطين والأحجار، فتهلكهم دون أن يجدوا لهم من دون الله وكيلا يحميهم ويدفع عنهم؟...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وفي هذا تنبيه على أن السلامة في البر نعمة عظيمة تنسونها فلو حدث لكم خسف لهلكتم هلاكاً لا نجاة لكم منه بخلاف هول البحر. ولكن لما كانت السلامة في البر غيرَ مُدرك قدرُها قلَّ أن تشعر النفوس بنعمتها وتشعر بخطر هول البحر فينبغي التدرب على تذكر نعمة السلامة من الضر ثم إن محل السلامة معرض إلى الأخطار. والاستفهام بقوله: {أفأمنتم} إنكاري وتوبيخي...

والاستفهام بقوله: {أفأمنتم} إنكاري وتوبيخي... والجانب: هو الشق. وجعل البر جانباً لإرادة الشق الذي ينجيهم إليه، وهو الشاطىء الذي يرسون عليه، إشارة إلى إمكان حصول الخوف لهم بمجرد حلولهم بالبر بحيث يخسف بهم ذلك الشاطئ... وإضافة الجانب إلى البر إضافة بيانية... والوكيل: الموكل إليه القيامُ بمهم موكله، والمدافع عن حق موكله، أي لا تجدوا لأنفسكم من يجادلنا عنكم أو يطالبنا بما ألحقناه بكم من الخسف أو الإهلاك بالحاصب، أي لا تجدوا من قومكم وأوليائكم من يثأر لكم كشأن من يلحقه ضر في قومه أن يدافِع عنه ويطالب بدمه أولياؤُه وعصابتُه. وهذا المعنى مناسب لما يقع في البر من الحدثان...