{ إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } استثناء منقطع على ما اختاره ابن الأنباري . وابن عطية . وغيرهما وهو مفسر بلكن في المشهور ، والاستدراك على ما صرح به الطيبي . وغيره . واقتضاه ظاهر كلام جمع عن قوله تعالى : { وَأَنْ * شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ } وقال في الكشف : إنه ليس استدراكاً عن ذلك فإن المستثنى منه { وَكِيلاً } [ الإسراء : 86 ] وهذا من المنقطع الممتنع إيقاعه موقع الاسم الأول الواجب فيه النصب في لغتي الحجاز وتميم كما في قوله تعالى : { لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله } [ هود : 43 ] إلا من رحم في رأي ، وقولهم : لا تكونن من فلان إلا سلاماً بسلام فقد صرح الرضى وغيره بأن الفريقين يوجبون النصب ولا يجوزون الإبدال في المنقطع فيما لا يكون قبله اسم يصح حذفه ، وكون ما نحن فيه من ذلك ظاهر لمن له ذوق ، والمعنى ثم بعد الإذهاب لا تجد من يتوكل علينا بالاسترداد ولكن رحمة من ربك تركته غير منصوب فلم تحتج إلى من يتوكل للاسترداد مأيوس عنه بالفقدان المدلول عليه بِ { لا تجد } [ الإسراء : 86 ] ، والتغاير المعنوي بين الكلامين من دلالة الأول على الاذهاب ضمناً والقاني على خلافه حاصل وهو كاف فافهم ، ويفهم صنيع البعض اختيار أنه استثناء متصل من { وَكِيلاً } [ الإسراء : 86 ] أي لا تجد وكيلا باسترداده إلا الرحمة فانك تجدها مستردة ، وأنت تعلم أن شمول الوكيل للرحمة يحتاج إلى نوع تكلف .
وقال أبو البقاء : إن { رَحْمَةً } نصب على أنه مفعول له والتقدير حفظناه عليك للرحمة ، ويجوز أن يكون نصباً على أنه مفعول مطلق أي ولكن رحمناك رحمة اه وهو كما ترى ، والآية على تقدير الانقطاع امتنان بإبقاء القرآن بعد الامتنان بتنزيله ، وذكروا أنها على التقدير الآخر دالة على عدم الإبقاء فالمنة حينئذ إنما هي في تنزيله ، ولا يخفى ما فيه من الخفاء وما يذكر في بيانه لا يروي الغليل . والآية ظاهرة في أن مشيئة الذهاب به غير متحقق وأن فقدان المسترد إلا الرحمة إنما هو على فرض تحقق المشيئة لكن جاء في الأخبار أن القرآن يذهب به قبل يوم القيامة ، فقد أخرج البيهقي . والحاكم وصححه . وابن ماجه بسند قوي عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدري ما صيام ولا صدقة ولا نسك ويسري على كتاب الله تعالى في ليلة فلا يبقى في الآرض منه آية ويبقى الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس . وابن عمر قالا : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : «يا أيها الناس ما هذه الكتب التي بلغني أنكم تكتبونها مع كتاب الله تعالى يوشك أن يغضب الله تعالى لكتابه فيسري عليه ليلاً لا يترك في قلب ولا ورق منه حرف إلا ذهب به فقيل : يا رسول الله فكيف بالمؤمنين والمؤمنات ؟ قال : من أراد الله تعالى خيراً أبقى في قلبه لا إله إلا الله »
وأخرج ابن أبي حاتم . والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال : يسري على كتاب الله تعالى فيرفع إلى السماء فلا يبقى في الآرض آية من القرآن ولا من التوراة والإنجيل والزبور فينزع من قلوب الرجال فيصبحون في الضلالة لا يدرون ما هم فيه .
وأخرج الديلمي عن ابن عمر مرفوعاً لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث جاء له دوي حول العرش كدوي النحل فيقول الله عز وجل : مالك ؟ فيقول منك خرجت وإليك أعود أتلي ولا يعمل بي ؛ وأخرجي محمد بن نصر نحو موقوفاً على عبد الله بن عمرو بن العاص ، وأخرج غير واحد عن ابن مسعود أنه قال : سيرفع القرآن من المصاحف والصدور ، ثم قرأ { وَلَئِن شِئْنَا } [ الإسراء : 86 ] الآية ، وفي البهجة أنه يرفع أولاً من المصاحف ثم يرفع لأعجل زمن من الصدور والذاهب به هو جبريل عليه السلام كما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده فيا لها من مصيبة ما أعظمها وبلية ما أوخمها فإن دلت الآية على الذهاب به فلا منافاة بينها وبين هذه الأخبار وإذا دلت على إبقائه فالمنافاة ظاهرة إلا أن يقال : إن الإبقاء لا يستلزم الاستمرار ويكفي فيه إبقاؤه إلى قرب قيام الساعة فتدبر ، ومما يرشد إلى أن سوق الآية للامتنان قوله تعالى : { إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ } لم يزل ولا يزال { عَلَيْكَ كَبِيرًا } ومنه إنزال القرآن واصطفاؤه على جميع الخلق وختم الأنبياء عليهم السلام به وإعطاؤه المقام المحمود إلى غير ذلك وقال أبو سهل( {[577]} ) : إلى أنها سيقت لتهديد غيره صلى الله عليه وسلم بإذهاب ما أتوا ليصدهم عن سؤال ما لم يؤتوا كعلم الروح وعلم الساعة .
وقال صاحب التحرير : يحتمل أن يقال : أنه صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الروح وذي القرنين وأهل الكهف وأبطأ عليه الوحي شق عليه ذلك وبلغ منه الغاية فأنزل الله تعالى هذه الآية تسكيناً له صلى الله عليه وسلم .
والتقدير أيعز عليك تأخر الوحي فإنا إن شئنا ذهبنا بما أوحينا إليك جميعه فسكن ما كان يجده صلى الله عليه وسلم وطاب قلبه انتهى ، وكلا القولين كما ترى .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
فاستثنى عز وجل: {إلا رحمة من ربك}، يعني: القرآن كان رحمة من ربك اختصك بها،
{إن فضله كان عليك كبيرا}، يعني: عظيما حين اختصك بذلك...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول عزّ وجلّ:"ولئنْ شِئْنا لنذهبنّ" يا محمد "بالّذِي أوْحيْنَا إليْكَ "ولكنه لا يشاء ذلك، رحمة من ربك وتفضلاً منه عليك، "إنّ فضْلهُ كانَ عليكَ كبيرا" باصطفائه إياك لرسالته، وإنزاله عليك كتابه، وسائر نعمه عليك التي لا تحصى.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{إلا رحمة من ربك} أي إبقاء النبوة والوحي رحمة من ربك، وفَضْلُهُ أيضا في إبقاء، ذلك كبير...
وفي قوله: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} وجه آخر 3 من الحكمة، وهو أن يعلم المؤمنون أن الفضل كله من الله لئلا يردوا لأنفسهم في ذلك فضلا في ذلك ومعنى، وإليه يضيفون جميع ما يجري على أيديهم من أفعال الخير والطاعة، والله أعلم.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ} إلا أن يرحمك ربك فيرده عليك، كأن رحمته تتوكل عليه بالرد، أو يكون على الاستثناء المنقطع بمعنى: ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به، وهذا امتنان من الله تعالى ببقاء القرآن محفوظاً بعد المنة العظيمة في تنزيله وتحفيظه، فعلى كل ذي علم أن لا يغفل عن هاتين المنتين والقيام بشكرهما، وهما منة الله عليه بحفظ العلم ورسوخه في صدره، ومنته عليه في بقاء المحفوظ. وعن ابن مسعود: إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، وليصلين قوم ولا دين لهم، وإن هذا القرآن تصبحون يوماً وما فيكم منه شيء. فقال رجل: كيف ذلك وقد أثبتناه في قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا نعلمه أبناءنا ويعلمه أبناؤنا أبناءهم؟ فقال: يسري عليه ليلاً فيصبح الناس منه فقراء ترفع المصاحف وينزع ما في القلوب.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
قال تعالى: {إلا} أي لكن تجد {رحمة} مبتدئة وكائنة {من ربك} أي المحسن إليك بأن أوجدك ورباك، ولم يقطع إحسانه قط عنك، يعيد بها إليك ويأتيك بما يقوم مقامه، وعبر عن أداة الانقطاع بأداة الاتصال إشارة إلى أن رحمته سبحانه له -التي اقتضتها صفة إحسانه إليه لعظمها- كالوكيل الذي يتصرف بالغبطة على كل حال. ولما كان في إنزاله إليه ثم إبقائه لديه من النعمة عليه وعلى أمته ما لا يحصى، نبه على ذلك بقوله تعالى مستأنفاً مؤكداً لأن كون الرحمة هكذا من أغرب الغريب، فهو بحيث لا يكاد يصدق، وهو مما يتلذذ بذكره {إن فضله كان} أي كوناً ثابتاً {عليك} أي خاصة {كبيراً} أي بالغ الكبر...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
والله يمتن على رسوله [صلى الله علسه وسلم] بهذا الفضل. فضل إنزال الوحي، واستبقاء ما أوحى به إليه؛ المنة على الناس أكبر، فهم بهذا القرآن في رحمة وهداية ونعمة، أجيالا بعد أجيال...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
وموقع {إن فضله كان عليك كبيراً} موقع التعليل للاستثناء المنقطع، أي لكن رحمة من ربك منعت تعلق المشيئة بإذهاب الذي أوحينا إليك، لأن فضله كان عليك كبيراً فلا يحرمك فضل الذي أوحاه إليك. وزيادة فعل (كان) لتوكيد الجملة زيادة على توكيدها بحرف التوكيد المستعمل في معنى التعليل والتفريع...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
(إِلاَّ رحمة مِن ربّك) وهذه الرحمة لأجل هدايتك وإِنقاذك، وكذلك لهداية وإِنقاذ العالم البشري، وهذه الرحمة في الواقع مُكمَّلة لرحمة الخلق... قوله تعالى: (إِنَّ فضله كان عليك كبيراً). إِنَّ وجود القابلية لهذا الفضل في قلبك الكبير بجهادك وعبادتك مِن جهة، وحاجة العباد إلى مثل قيادتك مِن جهة أُخرى، جعلا فضل الله عليك كبيراً للغاية فقد فتح الله أمامك أبواب العلم، وأنبأك بأسرار هداية الإِنسان، وعصمك مِن الخطأ، حتى تكون أسوة وقدرة لجميع الناس إلى نهاية هذا العالم... ومِن الواضح أنَّ هذا الاستثناء لا يعني أنَّ الله يحجب في يوم مِن الأيّام رحمته عن نبيّه (صلى الله عليه وسلم)، بل هو دليل على أنَّ الرّسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا يملك شيئاً مِن عنده، فعلمه ووحيه السماوي هو مِن الله ومرتبط بمشيئته وإِرادته...
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.