{ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم } شروع في تفصيل ما أجمل فيما سلف أي نحن نخبرك بتفصيل خبرهم الذي له شأن وخطر { بالحق } ما أصفة لمصدر محذوف أو حال من ضمير { نَقُصُّ } أو مِنْ * { نبَأَهُم } أو صفة له على رأي من يرى جواز حذف الموصول مع بعض الصلة أي نقص قصصاً ملتبساً بالحق أو نقصه ملتبسين به أو نقص نبأهم ملتبساً به أو نبأهم الملتبس به ، ولعل في التقييد { بالحق } إشارة إلى أن في عهده صلى الله عليه وسلم من يقص نبأهم لكن بالحق .
وفي «الكشف » بعد نقل شعر أمية بن أبي الصلت السابق ما نصه وهذا يدل على أن قصة أصحاب الكهف كانت من علم العرب وإن لم يكونوا عالميها على وجهها ، ونبؤهم حسبما ذكره ابن إسحاق وغيره أنه مرج أهل الإنجيل وعظمت فيهم الخطايا وطغت ملوكهم فعبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت وفيهم بقايا على دين المسيح عليه السلام متمسكين بعبادة الله تعالى وتوحيده وكان ممن فعل ذلك من ملوكهم وعتا عتواً كبيراً دقيانوس وفي رواية دقيوس فإنه غلا غلواً شديداً فجاس خلال الديار والبلاد وأكثر فيها الفساد وقتل من خالفه من المتمسكين بدين المسيح عليه السلام وكان يتتبع الناس فيخيرهم بين القتل وعبادة الأوثان فمن رغب في الحياة الدنيا انقاد لأمره وامتثله ومن آثر عليها الحياة الأبدية لم يبال بأي قتلة قتله فكان يقتل أهل الإيمان ويقطع أجسادهم ويجعلها على سور المدينة وأبوابها فلما رأى الفتية ذلك وكانوا عظماء مدينتهم واسمها على ما في بعض الروايات افسوس وفي بعضها طرسوس ، وقيل كانوا من خواص الملك قاموا فتضرعوا إلى الله عز وجل واشتغلوا بالصلاة والدعاء فبينما هم كذلك دخل عليهم الشرط فأخذوهم وأعينهم تفيض من الدمع ووجوههم معفرة بالتراب وأحضروهم بين يدي الجبار فقالوا لهم : ما منعكم أن تشهدوا الذبح لآلهتنا وخيرهم بين القتل وعبادة الأوثان فقالوا : إن لنا إلهاً ملأ السموات والأرض عظمته وجبروته لن ندعو من دونه أحداً ولن نقر بما تدعونا إليه أبداً فاقض ما أنت قاض وأول من قال ذلك أكبرهم مكسلمينا فأمر الجبار فنزع ما عليهم من الثياب الفاخرة وأخرجهم من عنده وخرج هو إلى مدينة أخرى قيل هي نينوى لبعض شأنه وأمهلهم إلى رجوعه وقال : ما يمنعني أن أعجل عقوبتكم إلا أني أراكم شباناً فلا أحب أن أهلككم حتى أجعل لكم أجلاً تتأملون فيه وترجعون إلى عقولكم فإن فعلتم فبها وإلا أهلكتكم فلما رأوا خروجه اشتوروا فيما بينهم واتفقوا على أن يأخذ كل منهم نفقة من بيت أبيه فيتصدق ببعضها ويتزود بالباقي وينطلقوا إلى كهف قريب من المدينة يقال له بنجلوس ففعلوا ما فعلوا وأووا إلى الكهف فلبثوا فيه ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح والتحميد وفوضوا أمر نفقتهم إلى فتى منهم اسمه يمليخا فكان إذا أصبح يتنكر ويدخل المدينة ويشتري ما يهمهم ويتجسس ما فيها من الأخبار ويعود إليهم فلبثوا على ذلك إلى أن قدم الجبار مدينتهم فتطلبهم وأحضر آباءهم فاعتذروا بأنهم عصوهم ونهبوا أموالهم وبذروها في الأسواق وفروا إلى الجبل وكان يمليخا إذ ذاك في المدينة فرجع إلى أصحابه وهو يبكي ومعه قليل طعام فأخبرهم بما شاهد من الهول ففزعوا إلى الله تعالى وخروا له سجداً ثم رفعوا رؤوسهم وجلسوا يتحدثون في أمرهم فبينما هم كذلك إذ ضرب الله عز وجل على آذانهم فناموا ونفقتهم عند رؤسهم وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد فأصابه ما أصابهم فخرج الجبار في طلبهم بخيله ورجله فوجدوهم قد دخلوا الكهف فأمر بإخراجهم فلم يطق أحد أن يدخله فلما ضاق بهم ذرعاً قال قائل منهم : أليس لو كنت قدرت عليهم قتلتهم ؟ قال : بلى قال : فابن عليهم باب الكهف ودعهم يموتوا جوعاً وعطشاً وليكن كهفهم قبراً لهم ففعل ثم كان من شأنهم ما قص الله تعالى عز وجل .
وأخرج ابن أبي شيبة . وابن المنذر . وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا في مملكة ملك من الجبابرة يدعو الناس إلى عبادة الأوثان فلما رأوا ذلك خرجوا من تلك المدينة فجمعهم الله تعالى على غير ميعاد فجعل بعضهم يقول لبعض : أين تريدون أين تذهبون ؟ فجعل بعضهم يخفي عن بعض لأنه لا يدري هذا علام خرج هذا ولا يدري هذا علام خرج هذا فأخذوا العهود والمواثيق أن يخبر بعضهم بعضاً فإن اجتمعوا على شيء وإلا كتم بعضهم بعضاً فاجتمعوا على كلمة واحدة فقالوا : { رَبُّنَا رَبُّ السموات والأرض –إلى- مّرْفَقًا } [ الكهف : 14- 16 ] ثم انطلقوا حتى دخلوا الكهف فضرب الله تعالى على آذانهم فناموا وفقدوا في أهلهم فجعلوا يطلبونهم فلم يظفروا بهم فرفع أمرهم إلى الملك فقال : ليكونن لهؤلاء القوم بعد اليوم شأن ناس خرجوا لا ندري أين ذهبوا في غير جناية ولا شيء يعرف فدعا بلوح من رصاص فكتب فيه أسماءهم ثم طرح في خزانته ثم كان من شأنهم ما قصه الله سبحانه وتعالى .
وكانوا على ما أخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر صيارفة . وأخرج عبد الرزاق . وابن المنذر عن وهب بن منبه قال : جاء رجل من حواري عيسى عليه السلام إلى مدينة أصحاب الكهف فأراد أن يدخلها فقيل على بابها صنم لا يدخل أحد إلا سجد له فكره أن يدخل فأتى حماماً قريباً من المدينة وآجر نفسه من صاحبه فكان يعمل فيه ورأى صاحب الحمام البركة والرزق وجعل يسترسل إليه وعلقه فتية من أهل المدينة فجعل يخبرهم عن خبر السماء وخبر الآخرة حتى آمنوا وكانوا على مثل حاله في حسن الهيئة وكان يشترط على صاحب الحمام أن الليل لي ولا تحول بيني وبين الصلاة إذا حضرت حتى جاء ابن الملك بامرأة يدخل بها الحمام فعيره الحواري فقال : أنت ابن الملك وتدخل مع هذه الامرأة التي صفتها كذا وكذا فاستحيا فذهب فرجع مرة أخرى فسبه وانتهره فلم يلتفت حتى دخل ودخلت معه فباتا في الحمام جميعاً فماتا فيه فأتى الملك فقيل له : قتل ابنك صاحب الحمام فالتمس فلم يقدر عليه وهرب من كان يصحبه والتمس الفتية فخرجوا من المدينة فمروا بصاحب لهم في زرع له وهو على مثل أمرهم فذكروا له أنهم التمسوا فانطلق معهم حتى أواهم الليل إلى كهف فدخلوا فيه فقالوا نبيت ههنا الليلة ثم نصبح إن شاء الله تعالى فنرى رأينا فضرب على آذانهم فخرج الملك بأصحابه يتبعونهم حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف فكلما أراد الرجل منهم أن يدخله أرعب فلم يطق أن يدخل فقال للملك قائل : ألست لو قدرت عليهم قتلتهم ؟ قال : بلى قال : فابن عليهم باب الكهف ودعهم يموتوا عطشاً وجوعاً ففعل ثم كان ما كان ، وروي غير ذلك والأخبار في تفصيل شأنهم مختلفة .
وفي «البحر » لم يأت في الحديث الصحيح كيفية اجتماعهم وخروجهم ولا معول إلا على ما قص الله تعالى من نبئهم { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ } استئناف مبني على السؤال من قبل المخاطب وتقدم الكلام آنفاً في الفتية { بِرَبّهِمْ وزدناهم } أي بسيدهم والناظر في مصالحهم ، وفيه التفات من التكلم إلى الغيبة ، وأوثر للإشعار بعلية وصف الربوبية لإيمانهم ولما صدر عنهم من المقالة حسبما سيحكى عنهم .
{ وزدناهم هُدًى } بالتثبيت على الإيمان والتوفيق للعمل الصالح والانقطاع إلى الله تعالى والزهد في الدنيا .
وفي التحرير المراد زدناهم ثمرات هدى أو يقيناً قولان وما حصلت به الزيادة امتثال المأمور وترك المنهي أو إنطاق الكلب لهم بأنه على ما هم عليه من الإيمان أو إنزال ملك عليهم بالتبشير والتثبيت وإخبارهم بظهور نبي من العرب يكون به الدين كله لله تعالى فآمنوا به صلى الله عليه وسلم قبل بعثه اه . ولا يلزم من القول بإنزال ملك عليهم بذلك القول بنبوتهم كما لا يخفي . وفي { زِدْنَاهُمْ } التفات من الغيبة إلى التكلم الذي عليه سبك النظم الكريم سباقاً وسياقاً ، وفيه من تعظيم أمر الزيادة ما فيه .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بالحق إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءامَنُواْ بِرَبّهِمْ } الإيمان العلمي { وزدناهم هُدًى } [ الكهف : 13 ] بأن أحضرناهم وكاشفناهم { وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ } سكناها عن التزلزل بما أسكنا فيها من اليقين فلم يسنح فيها هواجس التخمين ولا وساوس الشياطين ، ويقال أيضاً : رفعناها من حضيض التلوين إلى أوج التمكين .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: نحن يا محمد نقصّ عليك خبر هؤلاء الفتية الذين أوَوْا إلى الكهف "بالحقّ"، يعني: بالصدق واليقين الذي لا شكّ فيه.
"إنّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبّهِمْ "يقول: إن الفتية الذين أوَوْا إلى الكهف الذين سألك عن نبئهم الملأ من مشركي قومك، فتية آمنوا بربهم.
"وَزِدْناهُمْ هُدًى" يقول: وزدناهم إلى إيمانهم بربهم إيمانا، وبصيرة بدينهم، حتى صبروا على هجران دار قومهم، والهرب من بين أظهرهم بدينهم إلى الله، وفراق ما كانوا فيه من خفض العيش ولينه، إلى خشونة المكث في كهف الجبل.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{نحن نقص عليك نبأهم بالحق} (قال بعضهم:) الحق في النبأ: الصِّدْقُ، والحقُّ في الأحكام: العدلُ، وفي الأفعال: الصوابُ.
وقال بعضهم. الحق ها هنا، هو القرآن، فيكون قوله {بالحق} أي في الحق، وهو القرآن، أي نقص عليك نبأهم في القرآن، والله أعلم...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
والقصص الخبر بمعان يتلو بعضها بعضا، وأصله الاتباع، من قولهم: قص أثره يقصه قصصا إذا اتبعه، ومنه قوله تعالى "وقالت لأخته قصيه "أي اتبعي أثره. والنبأ: الخبر. وفتية جمع فتى... ثم أخبر عنهم بانهم فتية آمنوا بربهم، واعترفوا بتوحيده "وزدناهم هدى" والمعنى وزدناهم المعارف بما فعلنا لهم من الألطاف لما فيها من الآيات التي رأوها، ومن الربط على قلوبهم حتى تمسكوا بها.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{وزدناهم هُدًى} بالتوفيق والتثبيت...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
... قوله {وزدناهم هدى} أي يسرناهم للعمل الصالح والانقطاع إلى الله عز وجل ومباعدة الناس والزهد في الدنيا، وهذه زيادات على الإيمان...
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
ولما ذكر قوله ليعلم مشعراً باختلاف في أمرهم عَقَّب بأنه تعالى هو الذي يقص شيئاً فشيئاً على رسوله صلى الله عليه وسلم خبرهم... ثم قال {آمنوا بربهم} ففيه إضافة الرب وهو السيد والناظر في مصلحة عبيده، ولم يأت التركيب {آمنوا} بناءً للإشعار بتلك الرتبة وهي أنهم مربوبون له مملوكون...
{وزدناهم هدى} ولم يأت التركيب وزادهم لما في لفظة "ن "من العظمة والجلال... وفي التحرير {زدناهم} ثمرات {هدى}... وما حصلت به الزيادة امتثال المأمور وترك المنهي...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
من هاهنا شرع في بسط القصة وشرحها، فذكر تعالى أنهم فتية -وهم الشباب- وهم أقبل للحق، وأهدى للسبيل من الشيوخ، الذين قد عتوا وعَسَوا في دين الباطل؛ ولهذا كان أكثر المستجيبين لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم شبابًا، وأما المشايخ من قريش، فعامتهم بَقُوا على دينهم، ولم يسلم منهم إلا القليل. وهكذا أخبر تعالى عن أصحاب الكهف أنهم كانوا فتية شبابًا...
. {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}: استدل بهذه الآية وأمثالها غير واحد من الأئمة كالبخاري وغيره ممن ذهب إلى زيادة الإيمان وتفاضله، وأنه يزيد وينقص؛ ولهذا قال تعالى: {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} كَمَا قَالَ {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17]، وقال: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [التوبة: 124]، وقال {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كان الكلام على اختلاف وقع في مدتهم، و كان الحزبان معاً هم ومن خالفهم متقاربين في الجهل بإحصائه على سبيل القطع، وكان اليهود الذين أمروا قريشاً بالسؤال عن أمرهم تشكيكاً في الدين لا يعلمون أمرهم على الحقيقة، نبه على ذلك بقوله -جواباً لمن كأنه قال: أيهما أحصاه؟: {نحن} أو يقال: و لما أخبر الله سبحانه عن مسألة قريش الثانية، وهي قصة أهل الكهف، مجملاً لها بعض الإجمال بعد إجمال الجواب عن المسألة الأولى، وهي الروح، كان السامع جديراً بأن تستشرف نفسه إلى بيان أكثر من ذلك فيضيق صدره خشية الاقتصار على ما وقع من ذلك من الأخبار، فقال جواباً لمن كأنه قال: اسأل الإيضاح وبيان الحق من خلاف الحزبين: نحن {نقص} أي نخبر إخباراً تابعاً لآثارهم قدماً فقدماً {عليك} على وجه التفصيل {نبأهم بالحق} أي خبرهم العظيم وليس أحد غيرنا يقصه إلا قصاً ملتبساً بباطل: زيادة أو نقص، فكأنه قيل: ما كان نبأهم؟ فقال تعالى: {إنهم فتية} أي شبان {ءامنوا بربهم} المحسن إليهم الناظر في مصالحهم الذي تفرد بخلقهم ورزقهم، وهداهم بما وهب لهم في أصل الفطرة من العقول الجيدة النافعة. ولما دل على الإحسان باسم الرب، وكان في فعله معهم من باهر القدرة ما لا يخفى، التفت إلى مقام العظمة فقال تعالى عاطفاً على ما تقديره: فاهتدوا بإيمانهم: {وزدناهم} بعد أن آمنوا {هدى} بما قذفنا في قلوبهم من المعارف، وشرحنا لهم صدورهم من المواهب التي حملتهم على ارتكاب المعاطب، والزهد في الدنيا والانقطاع إليه...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
لما اقتضى قوله: {لنعلم أي الحزبين أحصى} [الكهف: 12] أن في نبأ أهل الكهف تخرصات ورجماً بالغيب، أثار ذلك في النفس تطلعا إلى معرفة الصدق في أمرهم، من أصل وجود القصة إلى تفاصيلها من مخبر لا يُشك في صدق خبره كانت جملة نحن نقص عليك نبأهم بالحق استئنافاً بيانياً لجملة لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً [الكهف: 12].
وهذا شروع في مجمل القصة والاهتمام بمواضع العبرة منها. وقدم منها ما فيه وصف ثباتهم على الإيمان ومنابذتهم قومهم الكفرة ودخولهم الكهف.
وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في جملة نحن نقص عليك} يفيد الاختصاص، أي نحن لا غيرُنا يقص قصصهم بالحق.
والحق: هنا الصدق. والصدق من أنواع الحق، ومنه قوله تعالى: {حقيق عليّ أن لا أقول على الله إلا الحق} في سورة الأعراف (105).
والباء للملابسة، أي القصص المصاحب للصدق لا للتخرصات.
والقصص: سَرد خبر طويل فالإخبارُ بمخاطبة مفرقة ليس بقصص، وتقدم في طالع سورة يوسف.
والنبأ: الخبر الذي فيه أهمية وله شأن.
وجملة {إنهم فتية} مبينة للقصص والنبأ. وافتتاح الجملة بحرف التأكيد لمجرد الاهتمام لا لرد الإنكار.
وزيادة الهدى يجوز أن يكون تقوية هُدى الإيمان المعلوم من قوله: {آمنوا بربهم} بفتح بصائرهم للتفكير في وسائل النجاة بإيمانهم وألهمهم التوفيق والثبات، فكل ذلك هدى زائد على هدى الإيمان.
ويجوز أن تكون تقوية فضل الإيمان بفضل التقوى كما في قوله تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} [محمد: 17].
والزيادة: وفرةُ مقدار شيء مخصوص، مثل وفرة عدد المعدود، ووزن الموزون، ووفرة سكان المدينة.
وفعل (زاد) يكون قاصراً مثل قوله تعالى: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} [الصافات: 147]، ويكون متعدياً كقوله: {فزادهم الله مرضاً} [البقرة: 10]. وتستعار الزيادة لقوة الوصف كما هنا.
... فحقيقة هؤلاء أنهم فتية آمنوا بالله، وهذه قضيتهم التي ضحوا من أجلها، فلما آمنوا بالله تولاهم ونور بصائرهم وربط على قلوبهم، وزادهم إيماناً... ونلاحظ هنا أن هؤلاء المؤمنين الذين ضحوا بكل شيء وفروا بدينهم مازالوا في مرحلة الشباب، وهو مظنة الانشغال بالدنيا والحرص على متعها، أما هؤلاء فقد انشغلوا بدينهم منذ صغرهم ليكونوا قدوة ومثلاً للشباب المؤمن في كل زمان ومكان، فالفتاء في أهل الكهف: فتاء إيمان و فتاء عقيدة...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ} فاهتدوا إلى طريق الإيمان، وعاشوه فكراً وروحاً ومنهجاً للإنسان وللحياة، فانفتحوا على الله في كل أفكارهم ومشاعرهم ومناهجهم وخطواتهم في الحياة... فكان الله هو كل شيء عندهم في عمق وجودهم المتحرك {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} على أساس السنَّة الإلهية التي تمدّ المؤمنين بالفيض الروحي الذي يشرق في حياتهم، فيضيء لهم سواء السبيل، ويدلهم على مواقع السموّ والرفعة والخير والعدل في الحياة. وتلك هي السمة البارزة للمؤمنين في كل زمان ومكان، من خلال ما يعيشونه من السموّ الروحي والفكري من مواقع الإيمان، ومن النموّ المتزايد في الهدى الكامن في حياتهم من الداخل والخارج...