روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا} (7)

{ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض } الظاهر عموم ما جميع ما لا يعقل أي سواء كان حيواناً أو نباتاً أو معدنا أي جعلنا جميع ما عليها من غير ذوي العقول { زِينَةً لَّهَا } تتزين به وتتحلى وهو شامل لزينة أهلها أيضاً وزينة كل شيء بحسبه بالحقيقة وإنما هو زينة لأهلها ، وقيل لا يدخل في ذلك ما فيه إيذاء من حيوان ونبات ، ومن قال بالعموم قال : لا شيء مما على الأرض إلا وفيه جهة انتفاع ولا أقل من الاستدلال به على الصانع ووحدته ، وخص بعضهم ما بالأشجار والأنهار ، وآخر بالنبات لما فيه من الأزهار المختلفة الألوان والمنافع ، وآخر بالحيوان المختلف الأشكال والمنافع والأفعال ، وآخر بالذهب والفضة والرصاص والنحاس والياقوت والزبرجد واللؤلؤ والمرجان والألماس وما يجري مجرى ذلك من نفائس الأحجار .

وقالت فرقة : أريد بها الخضرة والمياه والنعم والملابس والثمار ، ولعمري أنه تخصيص لا يقبله الخواص على العموم ؛ وقيل أن { مَا } هنا لمن يعقل والمراد بذلك على ما أخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير . والحسن وجاء في رواية عن ابن عباس الرجال ، وعلى ما أخرج أبو نصر السجزي في الإبانة عن ابن عباس العلماء وعلى ما روي عكرمة الخلفاء والعلماء والأمراء ، وأنت تعلم أن جعل ما لمن يعقل مع إرادة ما ذكر بعيد جداً ، ولعل أولئك الأجلة أرادوا من ما العقلاء وغيرهم تغليباً للأكثر على غيره وما على الأرض بهذا المعنى ليس إلا بعض العناصر الأربعة والمواليد الثلاثة وأشرف ذلك المواليد وأشرفها نوع الإنسان وهو متفاوت الشرف بحسب الأصناف فيمكن أن يكون ما ذكروه من باب الاقتصار على بعض أصناف هذا الأشرف لداع لذلك اصناف وقد يقال : المراد بما عموم ما لا يعقل ومن يعقل فيدخل من توجه إليه التكليف وغيره ولا ضير في ذلك فإن للمكلف جهتين جهة يدخل بها تحت الزينة وجهة يدخل بها تحت الابتلاء المشار إليه بقوله تعالى : { لِنَبْلُوَهُمْ } وقد نص سبحانه على بعض المكلفين بأنهم زينة في قوله تعالى : { المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا } [ الكهف : 46 ] ومن هنا يعلم ما في قول القاضي الأولى أن لا يدخل المكلف لأن ما على الأرض ليس زينة لها بالحقيقة وإنما هو زينة لأهلها لغرض الابتلاء فالذي له الزينة يكون خارجاً عن الزينة ، ونصب { زِينَةُ } على أنه مفعول ثان للجعل إن حمل على معنى التصيير أو على أنه حال أو مفعول له كما قال أبو البقاء . وأبو حيان إن حمل على معنى الإبداع ، واللام الأولى إما متعلقة به أو متعلقة بمحذوف وقع صفة له أي زينة كائنة لها واللام الثانية متعلقة بجعلنا والكلام على هذا وجعل زينة مفعولاً له نحو قمت إجلالاً لك لتقابلني بمثل ذلك ، وضمير الجمع عائد على سكان الأرض من المكلفين المفهوم من السياق .

وجوز أن يعود على ما على تقدير أن تكون للعقلاء ، والابتلاء في الأصل الاختبار ، وجوز ذلك على الله سبحانه هشام بن الحكم بناء على جهله وزعمه أنه عز وجل لا يعلم الحوادث إلا بعد وجودها لئلا يلزم نفي قدرته تعالى على الفعل أو الترك ، ورده أهل السنة في محله وقالوا : إنه تعالى يعلم الكليات والجزئيات في الأزل ، ولولوا هذه الآية أن المراد ليعاملهم معاملة من يختبرهم { أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } فنجازي كلا بما يليق به وتقتضيه الحكمة وحسن العمل الزهد في زينة الدنيا وعدم الاغترار بها وصرفها على ما ينبغي والتأمل فيب شأنها وجعلها ذريعة إلى معرفة خالقها والتمتع بها حسبما أذن الشرع وأداء حقوقها والشكر على ما أوتي منها لا اتخاذها وسيلة إلى الشهوات والأغراض الفاسدة كما تفعله الكفرة وأصحاب الأهواء ، ومراتب الحسن متفاوتة وكلما قوى الزهد مثلاً كان أحسن ، وسأل ابن عمر رضي الله تعالى عنهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الأحسن عملا كما أخرج ذلك ابن جرير . وابن أبي حاتم . والحاكم في التاريخ فقال عليه الصلاة والسلام : «أحسنكم عقلا( {[583]} ) وأورع عن محارم الله تعالى وأسرعكم في طاعته سبحانه » . وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه قال : أحسنهم عملا أشدهم للدنيا تركا ، وأخرج نحوه عن سفيان الثوري وذكر بعضهم أن الأحسن من زهد وقنع من الدنيا بزاد المسافر ووراءه حسن وهو من استكثر من حلالها وصرفه في وجوهه وقبيح من احتطب حلالها وحرامها وأنفقه في شهواته ، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم في بيان الأحسن أحسن { وَمَا ءاتاكم الرسول } [ الحشر : 7 ] وإيراد صيغة التفضيل مع أن الابتلاء شامل للفريقين باعتبار أعمالهم المنقسمة إلى الحسن والقبيح أيضاً لا إلى الحسن والأحسن فقط للأشعار بأن الغاية الأصلية للجعل المذكور إنما هو ظهور كمال إحسان المحسنين ، وأي إما استفهامية فهي مرفوعة بالابتداء وأحسن خبرها ، والجملة في محل نصب بفعل الابتلاء ولما فيه من معنى العلم باعتبار عاقبته كالسؤال والنظر ومكان الاستفهام علق عن العمل ، وإما موصولة بمعنى الذي فهي مبنية على الضم محلها النصب على أنها بدل من ضمير النصب في { كذلك نَبْلُوهُم } وأحسن خبر مبتدأ محذوف والجملة صلة لها والتقدير لنبلو الذي هو أحسن عملا . ويفهم من البحر أن مذهب سيبويه في أي إذا أضيفت وحذف صدر صلتها كما هنا جواز البناء لا وجوبه ، وتحقيق الكلام في مذهبه لا يخلو عن أشكال ، وأفعل التفضيل باق على الصحيح على حقيقته كما أشرنا إليه والمفضل عليه محذوف والتقدير كما قال أبو حيان لنبلوهم أيهم أحسن عملاً ممن ليس أحسن عملاً .


[583]:- قوله في الحديث وأورع كذا بخط مؤلفه وما في الدر المنثور "أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله" الخ.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا} (7)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{إنا جعلنا ما على الأرض} من النبت عاما بعام،

{زينة لها لنبلوهم}، يعني: لنختبرهم، {أيهم أحسن عملا}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وقوله:"إنّا جَعَلْنا ما عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَهَا" يقول عزّ ذكره: إنا جعلنا ما على الأرض زينة للأرض "لِنَبْلُوَهُمْ أيّهُمْ أحْسَنُ عَمَلاً "يقول: لنختبر عبادنا أيّهم أترك لها وأتبع لأمرنا ونهينا وأعمل فيها بطاعتنا...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها} اختلف في ما أخبر أنه جعل للأرض زينة: قال بعضهم: كل ما على وجه الأرض من النبات والشجر و الإنسان وغيره هو زينة لها. {لنبلوهم أيهم أحسن عملا} فإن كان التأويل على هذا فيكون قوله: {وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا} (الكهف: 8) القيامة؛ يعني جميع ما على وجه الأرض يبقى قاعا صَفْصَفاً، وذلك إخبار عن القيامة.

وقال بعضهم: {زينة} هو النبات الذي عليها، وما جعل لهم من الرزق ليبلوهم بما جعل لهم من الأرزاق بالأمر والنهي والعبادات وغيرها، لم يجعل ذلك النبات عليها وتلك الأرزاق مجانا، ولكن ليختبرهم، ويبتليهم بأنواع الامتحان. فإذا كان كذلك ففيه دلالة أن ليس لأحد أن يتناول مما عليها إلا بإذن أربابها، ولا يُقْدِمُ على شيء منها إلا بأمر من أربابها...

ذكر ههنا أنه جعل ما على الأرض ليبلوهم {وأيهم أحسن عملا} وقال في آية أخرى {الذي خلق الموت ليبلوكم أيكم أحسن عملا} (الملك: 2). ثم من الناس من يجمع بين الآيتين، فيقول: جعل الحياة للابتلاء والموت للجزاء، فيستدل على ذلك بقوله: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم} بالزينة والحياة لا بالضيق والموات. ومنهم من يقول: امتحَنُهُم بهما جميعا بالحياة لِيَتَزَوَّدُوا فيها لما بعد الموت كما يتزودون في حال السعة والرخاء لحال الضيق والشدة، فمن لم يتزود في حال السعة فلا زاد له في حال الضيق. فعلى هذا من لم يتزود في الحياة فلا زاد له بعد الموت...

أحكام القرآن لإلكيا الهراسي 504 هـ :

وذلك يدل على أن ما جعله على وجه الأرض، جعله لطفاً لعباده، الذين أراد بهم الخير في اختيار الطاعات...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{إنا جعلنا ما على الأرض زينة}، الآية بسط في التسلية أي لا تهتم للدنيا وأهلها فأمرها وأمرهم أقل بفنائه وذهابه.. وقالت فرقة أراد النعم والملابس والثمار والخضرة والمياه، ونحو هذا مما فيه زينة، ولم يدخل في هذا الجبال الصم وكل ما لا زين فيه كالحيات والعقارب. وقالت فرقة: أراد كل ما على الأرض عموماً وليس شيء إلا فيه زينة من جهة خلقه وصنعته وإحكامه...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

قال القاضي: وجه النظم كأنه تعالى يقول: يا محمد إني خلقت الأرض وزينتها وأخرجت منها أنواع المنافع والمصالح والمقصود من خلقها بما فيها من المنافع ابتلاء الخلق بهذه التكاليف ثم إنهم يكفرون ويتمردون مع ذلك فلا أقطع عنهم مواد هذه النعم. فأنت أيضا يا محمد ينبغي أن لا تنتهي في الحزن بسبب كفرهم إلى أن تترك الاشتغال بدعوتهم إلى الدين الحق...

قال القاضي: معنى قوله: {لنبلوهم أيهم أحسن عملا} هو أنه يبلوهم ليبصرهم أيهم أطوع لله وأشد استمرارا على خدمته لأن من هذا حاله هو الذي يفوز بالجنة فبين تعالى أنه كلف لأجل ذلك لا لأجل أن يعصى...

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

ثم أخبر تعالى أنه جعل الدنيا دارًا فانية مُزيَّنة بزينة زائلة. وإنما جعلها دار اختبار لا دار قرار، فقال: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا}...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ثم بين علة إرشاده إلى الإعراض عنهم بغير ما يقدر عليه من التبليغ للبشارة والنذارة بأنهم لم يخرجوا عن مراده سبحانه، وأن الإيمان لا يقدر على إدخاله قلوبهم غيره فقال تعالى: {إنا} أي لا نفعل ذلك لأنا {جعلنا} بما لنا من العظمة {ما على الأرض} من المواليد الثلاثة: الحيوان والمعدن والنبات {زينة لها} بأن حسنّاه في العيون، وأبهجنا به النفوس، ولولا مضرة الحيوانات المؤذية من الحشرات وغيرها كانت الزينة بها ظاهرة... ولما أخبر بتزيينها، أخبر بعلته فقال تعالى: {لنبلوهم} أي نعاملهم معاملة المختبر الذي يسأل لخفاء الأمر عليه بقوله تعالى: {أيهم أحسن عملاً} أي بإخلاص الخدمة لربه، فيصير ما كنا نعلمه منهم ظاهراً بالفعل تقام به عليهم الحجة على ما يتعارفونه بينهم بأن من أظهر موافقة الأمر فيما نال من الزينة حاز المثوبة، ومن اجترأ على مخالفة الأمر بما آتيناه منها فعمل على أنها للتنعم بها فقط استحق العقوبة. ولما كان دعاء الزينة إلى حقيقة الحياة الدنيا من اللهو واللعب ظاهراً لموافقته لما طبعت عليه النفوس من الهوى لم يحتج إلى التنبيه عليه أكثر من لفظ الزينة.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

مناسبة موقع هذه الآية هنا خفية جداً أعوز المفسرين بيانُها، فمنهم ساكت عنها، ومنهم محاول بيانها بما لا يزيد على السكوت. والذي يبدو: أنها تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم على إعراض المشركين بأن الله أمهلهم وأعطاهم زينة الدنيا لعلهم يشكرونه، وأنهم بطروا النعمة، فإن الله يسلب عنهم النعمة فتصير بلادهم قاحلة. وهذا تعريض بأنه سيحل بهم قحط السنين السبع التي سأل رسولُ الله ربه أن يجعلها على المشركين كسنين يوسف عليه السلام. ولهذا اتصال بقوله: {لينذر بأساً شديداً من لدنه} [الكهف: 2]...

الإخبار عن خلق ما على الأرض زينةً يجمع الامتنان على الناس والتذكير ببديع صنع الله إذ وضع هذا العالم على أتقن مثال ملائم لما تحبه النفوس من الزينة والزخرف...

ولا تكون الأشياء زينة إلا وهي مبثوثة فيها الحياة التي بها نماؤها وازدهارها. وهذه الزينة مستمرة على وجه الأرض منذ رآها الإنسان، واستمرارها باستمرار أنواعها وإن كان الزوال يَعرض لأشخاصها فتخلفها أشخاص أخرى من نوعها. فيتضمن هذا امتناناً ببث الحياة في الموجودات الأرضية...

والبَلْو: الاختبار والتجربة...

وهو هنا مستعار لتعلق علم الله التنجيزي بالمعلوم عند حصوله بقرينة الأدلة العقلية والسمعية الدالة على إحاطة علم الله بكل شيء قبل وقوعه فهو مستغنٍ عن الاختبار والتجربة. وفائدة هذه الاستعارة الانتقال منها إلى الكناية عن ظهور ذلك لكل الناس حتى لا يلتبس عليهم الصالح بضده...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{أحسن عملا}، أفعل التفضيل ليس على بابه، والمعنى بلغ أقصى درجات الحسن، أو هو على بابه ويكون الاختبار لتنزيل الناس منّا فمن اتجه إلى الخير ناله بقدره، ومن اتجه إلى غيره تردى في منحدر المعصية...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

والزينة هي الزخرف الذي يبرق أمام الأعين فيغريها، ثم يندثر ويتلاشى... البلاء يعني: الاختبار والامتحان. وليس المصيبة كما يظن البعض؛ لأن المصيبة تكون على من يخفق في الاختبار، والابتلاء لهم من الله مع علمه تعالى بأمرهم وما سيحدث منهم مسبقاً، ولكن لنعرف معرفة الواقع وشهادة الواقع...

إذن معنى: {لنبلوهم}: أي: بلاء شهادة منهم على أنفسهم...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

والظّريف هنا استخدام الآية لِتعبير (أحسن عملا) وليسَ (أكثر عملا) وهي إِشارة إلى أنَّ حُسن العمل وكيفيته العالية هما اللذان يحدِّدان قيمته عندَ ربّ العالمين، وليسَ كثرة العمل أو كميته. على أي حال فإِنَّ هُنا إنذاراً لكل الناس، لكل المسلمين كي لا ينخدعوا في ساحة الاختبار بزينة الحياة الدنيا، وبدلا مِن ذلك عليهم أن يُفكروا بتحسين أعمالهم...