روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَضَرَبۡنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمۡ فِي ٱلۡكَهۡفِ سِنِينَ عَدَدٗا} (11)

{ فَضَرَبْنَا على ءاذَانِهِمْ } أي ضربنا عليها حجاباً يمنع السماع فالمفعول محذوف كما في قولهم : بنى على امرأته والمراد أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات بأن يجعل الضرب على الآذان كناية عن الإنامة الثقيلة وإنما صلح كناية لأن الصوت والتنبيه طريق من طرق إزالة النوم فسد طريقه يدل على استحكامه وأما الضرب على العين وإن كان تعلقه بها أشد فلا يصلح كناية إذ ليس المبصرات من طرق إزالته حتى يكون سد الأبصار كناية ولو صلح كناية فعن ابتداء النوم لا النومة الثقيلة .

واعترض القطب جعله كناية عما ذكر بما لا يخفي رده وخرج الآية على الاستعارة المكنية بأن يقال شبه الإنامة الثقيلة بضرب الحجاب على الآذان ثم ذكر ضربنا وأريد أنمنا وهو وجه فيها ، وجوز أن تكون من باب الاستعارة التمثيلية واختاره بعض المحققين .

ومن الناس من حمل الضرب على الآذان على تعطيلها كما في قولهم ضرب الأمير على يد الرعية أي منعهم عن التصرف . وتعقب بأنه مع عدم ملاءمته لما سيأتي ءن شاء الله تعالى من البعث لا يدل على إرادة النوم مع أنه المراد قطعاً . وأجيب بأنه يمكن أن يكون مراد الحامل التوصل بذلك إلى إرادة الإنامة فافهم .

والضرب إما من ضربت القفل على الباب أو من ضربت الخباء على ساكنه ، والفاء هنا مثلها في قوله تعالى : { فاستجبنا لَهُ } بعد قوله سبحانه : { إِذْ نادى } [ الأنبياء : 76 ] فإن الضرب المذكور وما يترتب عليه من التقليب ذات اليمين وذات الشمال والبعث وغير ذلك من آثار استجابة دعائهم السابق { في الكهف } ظرف لضربنا وكذا قوله عز وجل : { سِنِينَ } ولا مانع من ذلك لاسيما وقد تغايرا بالمكانية والزمانية { عَدَدًا } أي ذوات عدد على أنه مصدر وصف بالتأويل الشائع ، وقيل إنه صفة بمعنى معدودة ، وقيل إنه مصدر لفعل مقدر أي تعد عدداً ، والعدد على ما قال الراغب وغيره قد يراد به التكثير لأن القليل لا يحتاج إلى العد غالباً وقد يذكر للتقليل في مقابلة ما لا يحصى كثرة كما يقال بغير حساب وهو هنا يحتمل الوجهين والأول هو الأنسب بإظهار كمال القدرة والثاني هو الأليق بمقام إنكار كون القصة عجباً من بين سائر الآيات العجيبة فإن مدة لبثهم وإن كثرت في نفسه فهي كبعض يوم عند الله عز وجل .

وفي «الكشف » أن الكثرة تناسب نظراً إلى المخاطبين والقلة تناسب نظراً إلى المخاطب اه ، وقد خفي على العز بن عبد السلام أمر هذا الوصف وظن أنه لا يكون للتكثير وأن التقليل لا يمكن ههنا وهو غريب من جلالة قدره وله في أماليه أمثال ذلك . وللعلامة ابن حجر في ذلك كلام ذكره في الفتاوى الحديثية لا أظنه شيئاً .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ فَضَرَبْنَا على ءاذَانِهِمْ في الكهف سِنِينَ عَدَدًا } [ الكهف : 11 ] كناية عن جعلهم مستغرقين فيه سبحانه فانين به تعالى عما سواه

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَضَرَبۡنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمۡ فِي ٱلۡكَهۡفِ سِنِينَ عَدَدٗا} (11)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{فضربنا على آذانهم}: رقودا،

{في الكهف سنين عددا} يعني: ثلاثمائة سنة وتسع سنين.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يعني جلّ ثناؤه بقوله:"فَضَرَبْنا على آذَانِهِمْ فِي الكَهْفِ": فضربنا على آذانهم بالنوم في الكهف: أي ألقينا عليهم النوم...

وقوله: "سِنِينَ عَدَدا": يعني سنين معدودة...

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

... وإنما ضرب الله تعالى على آذانهم وإن لم يكن ذلك من أسباب النوم لئلا يسمعوا ما يوقظهم من نومهم.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{فَضَرَبْنَا على ءاذَانِهِمْ} أي ضربنا عليها حجاباً من أن تسمع، يعني: أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات، كما ترى المستثقل في نومه يصاح به فلا يسمع ولا يستنبه، فحذف المفعول الذي هو الحجاب...

{سِنِينَ عَدَدًا} ذوات عدد، فيحتمل أن يريد الكثرة وأن يريد القلة؛ لأن الكثير قليل عنده...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

وقوله {فضربنا على آذانهم...} عبارة عن إلقاء الله تعالى النوم عليهم، ويعبر عن هذا ونحوه ب «الضرب» لتبين قوة المباشرة وشدة اللصوق في الأمر المتكلم فيه والإلزام، ومنه ضرب الذلة والمسكنة، ومنه ضرب الجزية، ومنه ضرب البعث... فهذا يستعمل في اللزوم البليغ، وأما تخصيص الآذان بالذكر فلأنها الجارحة التي منها عظم فساد النوم، وقلَّما ينقطع نوم نائم إلا من جهة أذنه، ولا يستحكم نوم إلا مع تعطل السمع.. وقوله «عدداً» نعت للسنين، والقصد به العبارة عن التكثير، أي تحتاج إلى عدد وهي ذات عدد...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كانت مدة لبثهم نكرة بما كان لأهل ذلك الزمان من الشرك، عبر بما يدل على النكرة فقال تعالى: {سنين}: ولما كان ربما ظن أنه ذكر السنين للمبالغة لأجل بعد هذا النوم عن العادة، حقق الأمر بأن قال مبدلاً منها معرفاً لأن المراد بجمع القلة هنا الكثرة: {عدداً} أي متكاثرة...

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

... ووصفُ السنين بذلك [أي بـ"عَدَداً"] إما للتكثير وهو الأنسبُ بإظهار كمالِ القدرةِ، أو للتقليل وهو الأليقُ بمقام إنكارِ كون القصةِ عجباً من بين سائر الآياتِ العجيبة، فإن مدة لُبْثهم كبعض يومٍ عنده عز وجل...

.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

وفي النوم المذكور حِفْظٌ لقلوبهم من الاضطراب والخوف، وحِفْظٌ لهم من قومهم، وليكون آيةً بَيِّنَةً...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

تفريع هذه الجملة بالفاء إما على جملة دعائهم، فيؤذن بأن مضمونها استجابة دعوتهم، فجعل الله إنامتهم كرامة لهم. بأن سلمهم من التعذيب بأيدي أعدائهم، وأيد بذلك أنهم على الحق، وأرى الناس ذلك بعد زمن طويل. وإما على جملة {إذ أوى الفتية...} فيؤذن بأن الله عجَل لهم حصول ما قصدوه مما لم يكن في حسبانهم...

والضرب على الآذان كناية عن الإنامة لأن النوم الثقيل يستلزم عدم السمع، لأن السمع السليم لا يحجبه إلا النوم، بخلاف البصر الصحيح فقد يحجب بتغميض الأجفان. وهذه الكناية من خصائص القرآن لم تكن معروفة قبل هذه الآية وهي من الإعجاز...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

وقد أختار الحق سبحانه الضرب على آذانهم؛ لأن حاسة السمع هي أول الحواس عملاً في الإنسان، وهي أول آلة إدراك تؤدي مهمتها في الطفل، كما قال الحق سبحانه وتعالى: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون "78 "} (سورة النحل). هذه الحواس هي منافذ العلم والإدراك للإنسان، فلو وضعت أصبعك أمام عين الطفل المولود تراه لا يرمش؛ لأنه لا يرى إلا بعد ثلاثة إلى عشرة أيام، أما لو صرخت في أذنه فإنه ينتبه فحاسة السمع تؤدي مهمتها منذ ولادته. وكذلك فالأذن تمتاز أيضاً بأنها الإدراك الوحيد الذي لا يتعطل ولا يتوقف أثناء النوم لأن بها يتم الاستدعاء من النوم. وهؤلاء الفتية دخلوا وأووا إلى الكهف، وهو فجوة في جبل في صحراء وهي عرضة للعواصف والرياح وأصوات الحيوانات وأشياء كثيرة يمكن أن تزعج النائم، فلو تركهم الخالق سبحانه في نومهم هذا على طبيعتهم لأزعجتهم هذه الأصوات وأقلقت راحتهم؛ لذلك عطل حاسة السمع عندهم، وبذلك استطاعوا أن يناموا كل هذه المدة...