روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱذۡهَبۡ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَٰتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكۡرِي} (42)

وقوله تعالى : { اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بئاياتى } استئناف مسوق لبيان ما هو المقصود بالاصطناع ، { وَأَخُوكَ } فاعل بفعل مضمر أي وليذهب أخوك حسبما استدعيت ، وقيل : معطوف على الضمير المستتر المؤكد بالضمير البارز ، ورب شيء يصح تبعاً ولا يصح استقلالاً .

والآيات المعجزات ، والمراد بها في قول اليد والعصا وحل العقدة ، وعن ابن عباس الآيات التسع ، وقيل : الأولان فقط وإطلاق الجمع على الاثنين شائع ؛ ويؤيد ذلك أن فرعون لما قال له عليه السلام : فأت بآية ألقى العصا ونزع اليد ، وقال : { فَذَانِكَ برهانان } وقال بعضهم : إنهما وإن كانتا اثنتين لكن في كل منهما آيات شتى كما في قوله تعالى : { آيات بينات مَّقَامُ إبراهيم وَمَن } [ آل عمران : 97 ] فإن انقلاب العصا حيواناً آية . وكونها ثعباناً عظيماً لا يقادر قدره آية أخرى . وسرعة حركته مع عظم جرمه آية أخرى . وكونه مع ذلك مسخراً له عليه السلام بحيث يده في فمه فلا يضره آية أخرى ثم انقلابها عصا كما كانت آية أخرى وكذلك اليد البيضاء فإن بياضها في نفسه آية وشعاعها آية ثم رجوعها إلى حالتها الأولى آية أخرى . وقيل : المراد بها ما أعطى عليه السلام من معجزة ووحي ، والذي يميل إليه القلب أنها العصا واليد لما سمعت من المؤيد مع ما تقدم من أنه تعالى بعد ما أمره بإلقاء العصا وأخذها بعد انقلابها حية قال سبحانه : { واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوء } [ طه : 22 ] آية أخرى ثم قال سبحانه : { اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى } [ طه : 24 ] من غير تنصيص على غير تلك الآيتين ولا تعرض لوصف حل العقدة ولا غيره بكونه آية ، ثم إن الباء للمصاحبة لا للتعدية إذ المراد ذهابهما إلى فرعون ملتبسين بالآيات متمسكين بها في إجراء أحكام الرسالة وإكمال الدعوة لا مجرد إذهابها وإيصالها إليه وهذا ظاهر في تحقق الآيات إذ ذاك وأكثر التسع لم يتحقق بعد .

{ وَلاَ تَنِيَا } من الونى بمعنى الفتور وهو فعل لازم وإذا عدى عدي بفي وبعن ، وزعم بعض البغداديين أنه فعل ناقص من أخوات زال وبمعناهما واختاره ابن مالك ، وفي «الصحاح » فلان لا يني يفعل كذا أي لا يزال يفعل كذا وكذا هذا المعنى مأخوذ من نفي الفتور ، وقرأ ابن وثاب { وَلاَ تَنِيَا } بكسر التاء اتباعاً لحركة النون . وفي مصحف عبد الله { لا } وحاصله أيضاً لا تفترا { في * ذِكْرِى } بما يليق بي من الصفات الجليلة والأفعال الجميلة عند تبليغ رسالتي والدعاء إلى عبادتي ، وقيل : المعنى لا تنيا في تبليغ رسالتي فإن الذكر يقع مجازاً على جميع العبادات وهو من أجلها وأعظمها . وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقيل : لا تنسياني حيثما تقلبتما واستمدا به العون والتأييد واعلما أن أمراً من الأمور لا يتأتى ولا يتسنى إلا بذكري .

وجمع هارون مع موسى عليه السلام في صيغة نهي الحاضر بناءً على القول بغيبته إذ ذاك للتغليب ولا بعد في ذلك كما لا يخفى ، وكذا جمعه في صيغة أمر الحاضر بناءً على ذلك أيضاً في قوله تعالى :

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{ٱذۡهَبۡ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَٰتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكۡرِي} (42)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

"اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ" هارون "بِآياتي" يقول: بأدلتي وحججي، اذهبا إلى فرعون بها إنه تمرّد في ضلاله وغيه، فأبلغاه رسالاتي.

"وَلا تَنِيا فِي ذِكْري" يقول: ولا تضعفا في أن تذكراني فيما أمرتكما ونهيتكما، فإن ذكركما إيّاي يقوّي عزائمكما ويثبت أقدامكما، لأنكما إذا ذكرتماني، ذكرتما مَنّي عليكما نِعَما جمّة ومِنَنا لا تحصى كثرة. يقال منه: وَنى فلان في هذا الأمر، وعن هذا الأمر: إذا ضعف... عن ابن عباس، قوله: "وَلا تَنِيا" يقول: لا تبطئا...

قال ابن زيد في قوله: "وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي" قال: الواني: هو الغافل المفرط، ذلك الواني.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

قوله تعالى: {ولا تنيا في ذكري} أي لا تضعفا في الدعاء إلى ديني وتوحيدي... في البلاغ إلى فرعون {إنه طغى}؛ أمرهما ألا يقصرا، ولا يعجزا في تبليغ الرسالة إليه والدعاء إلى دينه حين قال: {اذهبا إلى فرعون أنه طغى} {فقولا له قولا لينا} [طه: 43 و44].

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

... "ولا تنيا "أي: لا تفترا، يقال: ونى في الأمر... إذا فتر فيه، فهو وان ومتوان.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

الونى. الفتور والتقصير. وقرئ «تنيا» بكسر حرف المضارعة للاتباع، أي: لا تنسياني ولا أزال منكما على ذكر حيثما تقلبتما، واتخذا ذكري جناحاً تطيران به مستمدين بذلك العون والتأييد مني، معتقدين أن أَمراً من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري. ويجوز أن يريد بالذكر تبليغ الرسالة، فإن الذكر يقع على سائر العبادات، وتبليغ الرسالة من أجلِّها وأعظمها، فكان جديراً بأن يطلق عليه اسم الذكر.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

{اذهب أنت وأخوك بآياتي}...الباء ههنا بمعنى مع وذلك لأنهما لو ذهبا إليه بدون آية معهما لم يلزمه الإيمان وذلك من أقوى الدلائل على فساد التقليد...

اختلفوا في الآيات المذكورة ههنا على ثلاثة أقوال:

أحدها: أنها اليد والعصا لأنهما اللذان جرى ذكرهما في هذا الموضع وفي سائر المواضع التي اقتص الله تعالى فيها حديث موسى عليه السلام...

القول الثاني: أن قوله: {اذهبا بآياتي} معناه أني أمدكما بآياتي وأظهر على أيديكما من الآيات ما تزاح به العلل من فرعون وقومه فاذهبا فإن آياتي معكما...

القول الثالث: أن الله تعالى آتاه العصا واليد وحل عقدة لسانه وذلك أيضا معجز فكانت الآيات ثلاثة...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

فلما تمهد ذلك كله بعد علم نتيجته، أعادها في قوله: {اذهب أنت} كما تقدم أمري لك به {وأخوك} كما سألت {بآياتي} التي أريتك وغيرها مما أظهره على يديك {ولا تنيا} أي تفترا وتضعفا {في ذكري} الذي تقدم أنك جعلته غاية دعائك، بل لتكن -مع كونه ظرفاً محيطاً بجميع أمرك- في غاية الاجتهاد فيه وإحضار القلب له، وليكن أكثر ما يكون عند لقاء فرعون أن عبدي كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه، فإن ذلك أعون شيء على المراد.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

"ولا تنيا في ذكري" فهو عدتكما وسلاحكما وسندكما الذي تأويان منه إلى ركن شديد..

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

ومعنى: {في ذكري} أي: لأكن دائما على بالكما، فأنا الذي أرسلت، وأنا الذي أيدت بالمعجزات، وأنا الذي أرعاكما وأرقبكما، وأنا الذي سأجازيكما فلا يغب ذلك عنكما.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

وجاء التكليف الإلهي المباشر لموسى وهارون بالتحرك من أجل حمل الرسالة بشكل حاسم إلى فرعون، لدعوته إلى الإيمان بالله والالتزام بأوامره ونواهيه... وكان النداء الأول موجهاً إلى موسى باعتباره النبي الأصيل، بينما كان هارون نبياً في موقع الوزارة له...

"ولا تنيا في ذكري": لا يعتريكما الفتور والوهن في ذكري، في ما يمثله ذكر الله من الدعوة إلى الإيمان في خط الصراط المستقيم الذي يقود عباده المؤمنين إليه، وفي ما يوحيه في وعيهما الفكري والروحي، ليستمدا منه القوة على مواصلة الجهد، وتحمّل الصعوبات، وليراقباه في كل موقف من مواقف المسيرة التي تدفع للقلق وللاهتزاز في مواقع الزلزال النفسي والعملي. وهذا هو ما يحتاجه كل داعية في مسيرة الدعوة إلى الله، على مستوى الجهاد الفكري، أو على صعيد الجهاد العملي الحركي، وذلك بأن ينفتح على الله في عمق فكره وشعوره، ليبقى مرتبطاً بالهدف الذي يتحرك نحوه وهو رضا الله، لأن الاستغراق في العمل الحركي قد يجعل الإنسان مشدوداً إليه بحيث ينسى الغاية في حركة الوسيلة، وربما انحرف عن بعض خصوصيات المسؤوليات الشرعية في الممارسات العملية في نظرته الذاتية إلى طبيعة العمل والعلاقات...