{ قَالاَ } استئناف بياني كأنه قيل : فماذا قالا حين أمرا بما أمرا ؟ فقيل : { قَالاَ } الخ ، وأسند القول إليهما مع أن القائل هو موسى عليه السلام على القول بغيبة هارون عليه السلام للتغليب كما مر .
ويجوز أن يكون هارون عليه السلام قد قال ذلك بعد اجتماعه مع موسى عليه السلام فحكى قوله مع قول موسى عند نزول الآية كما في قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات } [ المؤمنون : 51 ] فإن هذا الخطاب قد حكى لنا بصيغة الجمع مع أن كلاً من المخاطبين لم يخاطب إلا بطريق الانفراد ، وجوز كونهما مجتمعين عند الطور وقالا جميعاً { رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا } أي أن يعجل علينا بالعقوبة ولا يصبر إلى إتمام الدعوة وإظهار المعجزة من فرط إذا تقدم ، ومنه الفارط المتقدم للمورد والمنزل ، وفرس فارط يسبق الخيل ، وفاعل { يَفْرُطَ } على هذا فرعون ، وقال أبو البقاء : يجوز أن يكون التقدير أن يفرط علينا منه قول فاضمر القول كما تقول فرط مني قول وهو خلاف الظاهر .
وقرأ يحيى . وأبو نوفل . وابن محيصن في رواية { يَفْرُطَ } بضم الياء وفتح الراء من أفرطته إذا حملته على العجلة أي نخاف أن يحمله حامل من الاستكبار أو الخوف على الملك أو غيرهما على المعاجلة بالعقاب . وقرأت فرقة .
والزعفراني عن ابن محيصن { يَفْرُطَ } بضم الياء وكسر الراء من الإفراط في الأذية . واستشكل هذا القول مع قوله تعالى : { سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سلطانا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا } [ القصص : 35 ] فإنه مذكور قبل قولهما هذا بدلالة { سَنَشُدُّ } وقد دل على أنهما محفوظان من عقوبته وأذاه فكيف يخافان من ذلك . وأجيب : بأنه لا يتعين أن يكون المعنى لا يصلون بالعقوبة لجواز أن يراد لا يصلون إلى إلزامكما بالحجة مع أن التقدم غير معلوم ولو قدم في الحكاية لاسيما والواو لا تدل على ترتيب ، والتفسير المذكور مأثور عن كثير من السلف منهم ابن عباس . ومجاهد وهو الذي يقتضيه الظاهر ، وزعم الإمام أنهما قد أمنا وقوع ما يقطعهما عن الأداء بالدليل العقلي إلا أنهما طلبا بما ذكر ما يزيد في ثبات قلوبهما بأن ينضاف الدليل النقلي إلى الدليل العقلي وذلك نظير ما وقع لإبراهيم عليه السلام من قوله : { رَبّ أرني كَيْفَ تحي الموتى } [ البقرة : 260 ] ولا يخفى أن في دعوى علمهما بالدليل العقلي عدم وقوع ما يقطعهما عن الأداء جثا . واستشكل أيضاً حصول الخوف لموسى عليه السلام بأنه يمنع عن حصول شرح الصدر له الدال على تحققه قوله تعالى بعد سؤاله إياه { قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى * } [ طه : 36 ] . وأجاب الإمام بأن شرح الصدر عبارة عن قوته على ضبط تلك الأوامر والنواهي وحفظ تلك الشرائع على وجه لا يتطرق إليها السهو والتحريف وذلك شيء آخر غير زوال الخوف .
وأنت تعلم أن كثيراً من المفسرين ذهبوا إلى أن شرح الصدر هنا عبارة عن توسيعه وهو عبارة عن عدم الضجر والقلق القلبي مما يرد من المشاق في طريق التبليغ وتلقي ذلك بحميل الصبر وحسن الثبات .
وأجيب على هذا بأنه لا منافاة بين الخوف من شيء والصبر عليه وعدم الضجر منه إذا وقع ألا ترى كثيراً من الكاملين يخافون من البلاء ويسألون الله تعالى الحفظ منه وإذا نزل بهم استقبلوه بصدر واسع وصبروا عليه ولم يضجروا منه . وقيل : إنهما عليهما السلام لم يخافا من العقوبة إلا لقطعها الأداء المرجو به الهداية فخوفهما في الحقيقة ليس إلا من القطع وعدم إتمام التبليغ ولم يسأل موسى عليه السلام شرح الصدر لتحمل ذلك . واستشكل بأن موسى عليه السلام كان قد سأل وأوتي تيسير أمره بتوفيق الأسباب ورفع الموانع فكيف يخاف قطع الأداء بالعقوبة . وأجيب : بأن هذا تنصيص على طلب رفع المانع الخاص بعد طلب رفع المانع العام وطلب للتنصيص على رفعه لمزيد الاهتمام بذلك . وقيل : إن في الآية تغليباً منه لأخيه هارون على نفسه عليهما السلام ولم يتقدم ما يدل على أمنه عليه فتأمل ، واستشكل أيضاً عدم الذهاب والتعلل بالخوف مع تكرر الأمر بأنه يدل على المعصية وهي غير جائزة على الأنبياء عليهم السلام على الصحيح .
وأجاب الإمام بأن الدلالة مسلمة لو دل الأمر على الفور وليس فليس ، ثم قال : وهذا من أقوى الدلائل على أن الأمر لا يقتضي الفور إذا ضممت إليه ما يدل على أن المعصية غير جائزة على الأنبياء عليهم السلام ، و { أَوْ } في قوله تعالى : { أَوْ أَن يطغى } لمنع الخلو ، والمراد أو أن يزداد طغياناً إلى أن يقول في شأنك ما لا ينبغي لكمال جراءته وقساوته وإطلاقه من حسن الأدب ، وفيه استنزال لرحمته تعالى وإظهار كلمة أن مع سداد المعنى بدونه لإظهار كمال الاعتناء بالأمر وازشعار بتحقق الخوف من كل من المعاطفين .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا} يعني: أن يعجل علينا بالقتل {أو أن يطغى}، يعني: يستعصي.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
قوله:"قالا رَبّنا إنّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا" يقول تعالى ذكره: قال موسى وهارون: ربنا إننا نخاف فرعون إن نحن دعوناه إلى ما أمرتنا أن ندعوه إليه، أن يعجل علينا بالعقوبة وهو من قولهم: فرط مني إلى فلان أمر: إذا سبق منه ذلك إليه، ومنه: فارط القوم، وهو المتعجل المتقدّم أمامهم إلى الماء أو المنزل...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
قال أهل التأويل: {أن يفرط علينا} أن يعجل بالعقوبة من قبل أن يسمع حجتنا {أو أن يطغى} بقتلنا بعد ما يسمع الحجة منا.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
في الآية دليلٌ على أَنَّ الخوفَ الذي تقتضيه جَبلَةُ الإنسانِ غيرُ ملومٍ صاحبُه عليه، حيث قال مثل موسى ومثل هارون عليهما السلام: {إِنَّنَا نَخَافُ}. ثم إنَّه سبحانه سَكَّنَ ما بهما من الخوف بوعد النصرة لهما.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
خافا أن يحمله حامل على المعاجلة بالعقاب من شيطان، أو من جبروته واستكباره وادّعائه بالربوبية، أو من حبه الرياسة، أو من قومه القبط المتمرّدين الذين حكى عنهم ربّ العزّة {قَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ} [الأعراف: 60] {قَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ} [المؤمنون: 33]...أي: نخاف أن يحول بيننا وبين تبليغ الرسالة بالمعاجلة، أو يجاوز الحدّ في معاقبتنا إن لم يعاجل، بناء على ما عرفا وجرّبا من شرارته وعتوّه. {أَوْ أَن يطغى} بالتخطي إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي، لجرأته عليك وقسوة قلبه.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كان فرعون في غاية الجبروت، وكان حاله حال من يهلكهما إلا أن يمنعهما الله، وأرادا علم ما يكون من ذلك {قالا ربنا} أي أيها المحسن إلينا. ولما كان مضمون إخبارهما بالخوف مع كونهما من جهة الله -من شأنه أن لا يكون وأن ينكر، أكدا فقالا مبالغين فيه بإظهار النون الثالثة إبلاغاً في إظهار الشكوى ليأتي الجبر على قدر ما يظهر من الكسر: {إننا نخاف} لما هو فيه من المكنة {أن يفرط} أي يعجل {علينا} بالعقوبة قبل إتمام البلاغ عجلة من يطفر ويثب إلى الشيء {أو أن يطغى} فيتجاوز إلى أعظم مما هو فيه من الاستكبار.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وإلى هنا كان الخطاب لموسى -عليه السلام- وكان المشهد هو مشهد المناجاة في الفلاة. وهنا يطوي السياق المسافات والأبعاد والأزمان، فإذا هارون مع موسى. وإذا هما معا يكشفان لربهما عن خوفهما من مواجهة فرعون، ومن التسرع في أذاه، ومن طغيانه إذا دعواه...وهارون لم يكن مع موسى قطعا في موقف المناجاة الطويل -الذي تفضل المنعم فيه على عبده، فأطال له فيه النجاء، وبسط له في القول، وأوسع له في السؤال والجواب- فردهما معا بقولهما: (إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى) لم يكن في موقف المناجاة. إنما هو السياق القرآني يطوي الزمان والمكان، ويترك فجوات بين مشاهد القصص، تعلم من السياق ليصل مباشرة إلى المواقف الحية الموحية ذات الأثر في سير القصص وفي وجدان الناس. ولقد اجتمع موسى وهارون عليهما السلام إذن بعد انصراف موسى من موقف المناجاة بجانب الطور. وأوحى الله إلى هارون بمشاركة أخيه في دعوة فرعون ثم ها هما ذان يتوجهان إلى ربهما بمخاوفهما: (قالا: ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى).. والفرط هو التسرع بالأذى للوهلة الأولى، والطغيان أشمل من التسرع وأشمل من الأذى. وفرعون الجبار يومئذ لا يتحرج من أحدهما أو كليهما.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
فصلت الجملتان لوقوعهما موقع المحاورة بين موسى مع أخيه وبين الله تعالى على كلا الوجهين اللذين ذكرناهما آنفاً، أي جمعا أمرهما وعزم موسى وهارون على الذهاب إلى فرعون فناجيا ربّهما {قَالاَ رَبَّنا إنَّنا نَخَافُ أن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أو أن يطغى}، لأنّ غالب التفكير في العواقب والموانع يكون عند العزم على الفعل، والأخذِ في التهيُّؤ له، ولذلك أُعيد أمرهما بقوله تعالى: {فَأْتِيَاهُ}.
و {يَفْرُطَ} معناه يعجّل ويسبق... والمعنى: نخاف أن يعجّل بعِقابنا بالقتل أو غيره من العقوبات قبل أن نبلُغه ونحجّه.
والطغيان: التظاهر بالتكبر. وتقدم آنفاً عند قوله {اذهب إلى فرعون إنه طغى}، أي نخاف أن يُخامره كبره فيعدّ ذكرنا إلهاً دونه تنقيصاً له وطعْناً في دعواه الإلهية فيطغى، أي يصدر منه ما هو أثر الكبر من التحقير والإهانة. فذكر الطغيان بعد الفَرط إشارة إلى أنّهما لا يطيقان ذلك، فهو انتقال من الأشدّ إلى الأضعف لأن "نخاف "يؤول إلى معنى النفي، وفي النفي يذكر الأضعف بعد الأقوى بعكس الإثبات ما لم يوجد ما يقتضي عكس ذلك.
وحذف متعلّق {يطغى} فيحتمل أن حذفه لدلالة نظيره عليه، وأوثر بالحذف لرعاية الفواصل. والتقدير: أو أن يطغى علينا. ويحتمل أن متعلّقه ليس نظير المذكور قبله بل هو متعلّق آخر لكون التقسيم التقديري دليلاً عليه، لأنهما لما ذكر متعلّق "يفرط علينا" وكان الفَرط شاملاً لأنواع العقوبات حتى الإهانة بالشتم لزم أن يكون التقسيم ب"أو" منظوراً فيه إلى حالة أخرى وهي طغيانه على من لا يناله عقابه، أي أن يطغى على الله بالتنقيص كقوله: {ما علمت لكم من إله غيري} [القصص: 38] وقوله: {لعليّ اطّلِعُ إلى إله موسى} [القصص: 38]، فحذف متعلق {يطغى حينئذ لتنزيهه عن التصريح به في هذا المقام. والتقدير: أو أن يطغى عليك فيتصلّب في كفره ويعسر صرفه عنه. وفي التحرز من ذلك غيرة على جانب الله تعالى، وفيه أيضاً تحرز من رسوخ عقيدة الكفر في نفس الطاغي فيصير الرجاء في إيمانه بعد ذلك أضعف منه فيما قبل، وتلك مفسدة في نظر الدّين. وحصلت مع ذلك رعاية الفاصلة.
... وقوله تعالى: {أو أن يطغى}: فلا يكتفي بقتلنا، بل ويخوض في حق ربنا، أو يقول كلاما لا يليق، كما سبق له أن ادعى الألوهية. ومن واجب الدعاة ألا يصلوا مع المدعوين إلى درجة أن يخوضوا في حق الله تبارك وتعالى.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
وكانت قوة فرعون وسطوته وجبروته في وعيهما، حيث عاشاه في الواقع الظالم القاسي الذي كان يمثل الظلم كأبشع ما يكون، والطغيان كأقسى ما يكون. ولذلك فقد كانا يخافان ألا يستمع إليهما ولا يستقبلهما، لأنهما لا يملكان أمامه أيّ موقع اجتماعي متقدم، يسمح لهما بمقابلته والجلوس إليه، فكيف يتمكنان إذاً من مواجهته بالموعظة والنصح والدعوة إلى الإيمان، وما يستلزمانه من التنازل عن امتيازاته؟ لقد كانت التجربة شبه مستحيلة، ولهذا أعلنا خوفهما هذا أمام الله بأن يتقدم إليهما بالعقوبة، ويطردهما ولا يسمح لهما بالحديث وإتمام الدعوة وتقديم الحجة، أو يتجاوز الحد في ظلمه لهما أو لقومهما باللجوء إلى وسائل ضاغطة قاسية...
وربما أثار بعض المفسرين الرأي القائل إن هذه الآية لا تنسجم مع الجو الذي توحي به آية سورة القصص: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا} [القصص: 35] إذ أنها توحي بأن الله قد أعطاهما الأمان في مثل هذا الموقف فكيف يخافان بعد ذلك؟ والجواب أن آية القصص تمثل اختصار الموقف الذي فصلته هذه الآية على الطريقة القرآنية التي تشير إلى جزئيات الموقف في مورد، وتهمله في مورد آخر، وربما كان الأمر بالعكس، بأن كانت هذه الآية تصويراً للحالة النفسية التي يعيشانها في مواجهة الموقف، لتكون الآية الأخرى تقريراً للموقف في طبيعته، فتكون المسألة هنا مسألة اختلاف في الأسلوب. وقد أجاب بعضهم بأن خوفهما في تلك الآية على نفسيهما، وفي هذه الآية على الدعوة، أو على قومهما، وهو غير ظاهر، لأن الظاهر أن الموقف واحد في الآيتين. والله العالم.