{ أَنِ اقذفيه في التابوت } مفسرة لأن الوحي من باب القول أو مصدرية حذف عنها الباء بأن اقذفيه ، وقال ابن عطية : { ءانٍ } وما بعدها في تأويل مصدر بدل من ما ، وتقديم الكلام في وصل أن المصدرية بفعل الأمر ، والمراد بالقذف هنها الوضع ، وأما في قوله تعالى : { فاقذفيه فِى اليم } فالمراد به الإلقاء والطرح ، ويجوز أن يكون المراد به الوضع في الموضعين ، و { أَلِيمٌ } البحر لا يكسر ولا يجمع جمع سلامة ، وفي «البحر » هو اسم للبحر العذب ، وقيل : اسم للنيل خاصة وليس بصحيح ، وهذا التفصيل هنا هو المراد بقوله تعالى : { فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ في اليم } [ القصص : 7 ] لا القذف بلا تابوت { فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل } أي بشاطئه وهو الجانب الخالي عن الماء مأخوذ من سحل الحديد أي برده وقشره وهو فاعل بمعنى مفعول لأن الماء يسحله أي يقسره أو هو للنبس أي ذو سحل يعود الأمر إلى مسحود ، وقيل : هو على ظاهره على معنى أنه يسحل الماء أي يفرقه ويضيعه ؛ وقيل : هو من السحيل وهو النهيق لأنه يسمع منه صوت ، والمراد به هنا ما يقابل الوسط وهو ما يلي الساحل من البحر حيث يجري ماؤه إلى نهر فرعون .
وقيل : المراد بالساحل الجانب والطرف مطلقاً والمراد من الأمر الخبر واختير للمبالغة ، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " قوموا فلأصول لكم " ولإخراج ذلك مخرج الأمر حسن الجواب فيما بعد ، وقال غير واحد : إنه لما كان إلقاء البحر إياه بالساحل أمراً واجب الوقوع لتعلق الإرادة الربانية به جعل البحر كأنه ذو تمييز مطيع أمر بذلك ، وأخرج الجوا بمخرج الأمر ففي اليم استعارة بالكناية وإثبات الأمر تخييل ، وقيل : إن في قوله تعالى : { فَلْيُلْقِهِ } استعارة تصريحية تبعية والضمائر كلها لموسى عليه السلام إذ هو المحدث عنه والمقذوف في البحر والملقى بالساحل وإن كان هو التابوت أصالة لكن لما كان المقصود بالذات ما فيه جعل التابوت تبعاً له في ذلك ، وقيل : الضمير الأول لموسى عليه السلام والضميران الأخيران للتابوت ، ومتى كان الضمير صالحاً لأن يعود على الأقرب وعلى الأبعد كان عوده على الأقرب راجحاً كما نص عليه النحويون ، وبهذا رد على أبي محمد بن في دعواه عود الضمير في قوله تعالى : { فَإِنَّهُ رِجْسٌ } [ الأنعام : 145 ] على لحم لأنه المحدث عنه لا على خنزير فيحل شحمه وغضروفه وعظمه وجلده عنده لذلك ، والحق أن عدم التفكيك فيما نحن فيه أولى ، وما ذكره النحويون ليس على إطلاقه كما لا يخفى { يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لّى وَعَدُوٌّ لَّهُ } جواب للأمر بالإلقاء وتكرير العدو للمبالغة من حيث أنه يدل على أن عداوته كثيرة لا واحدة ، وقيل : إن الأول للواقع والثاني للمتوقع وليس من التكرير للمبالغة في شيء لأن ذلك فرع جواز أن يقال : عدو لي وله وهو لا يجوز إلا عند القائلين بجواز الجمع بين الحقيقة والمجاز ، وأجيب بأن ذلك جائز وليس فيه الجمع المذكور فإن فرعون وقت الأخذ متصف بالعداوة لله تعالى وله في الواقع أما اتصافه بعداوة الله تعالى فظاهر ؛ وأما اتصافه بعداوة موسى فمن حيث أنه يبغض كل مولود في تلك السنة ، ولو قلنا بعدم الاتصاف بعداوة موسى عليه السلام إذ ذاك يجوز أن يقال ذلك أيضاً ويعتبر عموم المجاز وهو المخلص عن الجمع بين الحقيقة والمجاز فيما يدعى فيه ذلك .
/ وقال الخفاجي : إنه لا يلزم الجمع لأن { عَدُوٌّ } صفة مشبهة دالة على الثبوت الشامل للواقع والمتوقع . ولا يخفى أن هذا قول بأن الثبوت في الصة المشبهة بمعنى الدوام ، وقد قال هو في الكلام على تفسير قوله تعالى : { وَلاَ تَمْشِ فِى الارض مَرَحًا } [ الإسراء : 37 ] : إن معنى دلالتها على الثبوت أنها لا تدل على تجدد وحدوث لا أنها تدل على الدوام كما ذكر النحاة ، فما يقال : إن { مَرَحاً } صفة مشبهة تدل على الثبوت ونفيه لا يقتضي نفي أصله مغالطة نشأت من عدم فهم معنى الثبوت فيها انتهى ، على أن كلامه هنا بعد الاغماض عن منافاته لما ذكره قبل لا يخلو عن شيء .
ومما ذكره فيما تقدم من تفسير معنى الثبوت يعلم أن الاستدلال بهذه الآية على أن فرعون لم يقبل إيمانه ومات كافراً كما هو الحق ليس بصحيح وكم له من دليل صحيح . والظاهر أنه تعالى أبهم لها هذا العدو ولم يعلمها باسمه وإلا لما قالت لأخته { قُصّيهِ } [ القصص : 11 ] .
{ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مّنّى } كلمة { مِنْ } متعلقة بمحذوف وقع صفة لمحنوف مؤكدة لما في تنكيرها من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي محبة عظيمة كائنة مني قد زرعتها في القلوب فكل من رآك أحبك بحيث لا يصبر عنك ، قال مقاتل : كان في عينيه ملاحة ما رآه أحد إلا أحبه ، وقال ابن عطية : جعلت عليه مسحة جمال لا يكاد يصبر عنه من رآه ، روى أن أمه عليه السلام أوحي إليها ما أوحى جعلته في تابوت من خشب ، وقيل : من بردى عمله مؤمن آل فرعون وسدت خروقه وفرشت فيه نطعاً ، وقيل : قطنا محلوجاً وسدت فمه وجصصته وقيرته والقتة في اليم فبينما فرعون في موضع يشرف على النيل وامرأته معه إذ رأى التابوت عند الساحل فأمر به ففتح فإذا صبى أصبح الناس وجهاً فأحبه هو امرأته حباً شديداً .
وقيل : إن التابوت جاء في الماء إلى المشرعة التي كانت جواري امرأة فرعون يستقين منها الماء فأخذن التابوت وجئن به إليها وهن يحسبن أن فيه مالاً فلما فتحته رأته عليه السلام فأحبته وأعلمت فرعون طلبت منه أن يتخذه ولداً ، وقال : قرة عين لي ولك لا تقتلوه ، فقال لها : يكون لك وأما وأنا فلا حاجة لي فيه .
ومن هنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رواه النسائي وجماعة عن ابن عباس : «والذي يحلف به لو أقر فرعون بأن يكون قرة عين له كما قالت امرأته لهداه الله تعالى به كما هدى به امرأته ولكن الله عز وجل حرمه ذلك » وقيل : إن فرعون كان جالساً على رأس بركة له في بستان ومعه امرأته فرأى التابوت وقد دفعه الماء إلى البركة من نهر يشرع من اليمن فأمر بإخراجه فأخرج ففتح فإذا صبي أجمل الناس وجهاً فأحبه حتى لا يكاد يصبر عنه ، وروى أنه كان بحضرته حين رأى التابوت أربعمائة غلام وجار فحين أشار بأخذه وعد من يسبق إلى ذلك بالإعتاق فتسابقوا جمعياً ولم يظفر بأخذه إلا واحد منهم فأعتق الكل ، وفي هذا ما يطمع المقصر في العمل من المؤمنين برحمة الله تعالى فإنه سبحانه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين ، وقيل : كلمة من متعلقة بألقيت فالمحبة الملقاة بحسب الذوق هي محبة الله تعالى له أي أحببتك ومن أحبه الله تعالى أحبته القلوب لا محالة ، واعترض القاضي على هذا بأن في الصغر لا يوسف الشخص بمحبة الله تعالى إياه فإنها ترجع إلى إيصال الثواب وهو إنما يكون للمكلف . ورد بأن محبة الله تعالى عند المؤولين عبارة عن إرادة الخير والنفع وهو أعم من أن يكون جزاء على عمل أو لا يكون والرد عند من لا يؤول أظهر ، وجوز بعضهم إرادة المعنى الثاني على القول الأول في التعلق وإرادة المعنى الأول على القول الثاني فيه ، وزعم أن وجه التخصيص غير ظاهر وهو لا يخفى على ذي ذهن مستقيم وذوق سليم .
وقوله تعالى : { وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِى } متعلق بالقيت على أنه عطف على علة مضمرة أي ليتعطف عليك ولتصنع أو متعلق بفعل مضمر مؤخر أي ولتصنع الخ فعلت ذلك أي إلقاء المحبة عليك ، وزعم أنه متعلق بألقيت على أن الواو مقحمة ليس بشيء وعلى عيني أي بمراي مني متعلق بمحذوف وقع حالاً من المستتر في { *تصنع } وهو استعارة تمثيلية للحفظ والصون فإن المصون يجعل بمرأى والصنع الإحسان ، قال النحاس : يقال صنعت الفرس إذا أحسنت إليه . والمعنى وليفعل بك الصنيعة والإحسان وتربى بالحنو والشفقة وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الرجل الشيء بعينه إذا اعتنى به . ويجعل ذلك تمثيلاً يندفع ما قاله الواحدي من أن تفسير { وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِى } بما تقدم صحيح ولكن لا يكون في ذلك تخصيص لموسى عليه السلام فإن جميع الأشياء بمرأى من الله تعالى على أنه قد يقال : هذا الاختصاص للتشريف كاختصاص عيسى عليه السلام بكلمة الله تعالى والكعبة ببيت الله تعالى مع أن الكل موجود بكن وكل البيوت بيت الله سبحانه ، وقال قتادة : المعنى لتغدى على محبتي وإرادتي وهو اختيار أبي عبيدة .
وابن الانباري وزعم الواحدي أنه الصحيح . وقرأ الحسن . وأبو نهيك «ولتصنع » بفتح التاء ، قال ثعلب : المعنى لتكون حركتك وتصرفك على عين مني لئلا تخالف أمرى .
وقرأ أبو جعفر في رواية { وَلِتُصْنَعَ } بكسر اللام وجزم الفعل بها لأنها لام الأمر وأمر المخاطب باللام شاذ لكن لما كان الفعل مبنياً للمفعول هنا وكان أصله مسنداً للغائب ولا كلام في أمره باللام استصحب ذلك بعد نقله إلى المفعول للاختصار ، والظاهر أن العطف على قوله تعالى : { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مّنّى } إلا أن فيه عطف الإنشاء على الخبر وفيه كلام مشهور لكن قيل هنا : إنه هون أمره كون الأمر في معنى الخبر .
وقال «صاحب اللوامح » : إن العطف على قوله تعالى : { فَلْيُلْقِهِ } فلا عطف فيه للإنشاء على الخبر .
وقرأ شيبة . وأبو جعفر في رواية أخرى كذلك إلا أنه سكن اللام وهي لام الأمر أيضاً وبقية الكلام نحو ما مر .
ويحتمل أن تكون لام كي سكنت تخفيفاً ولم يظهر فتح العين للإدغام ، قال الخفاجي : وهذا حسن جداً .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: ولقد مننا عليك يا موسى مرّة أخرى حين أوحينا إلى أمك، أن اقذفي ابنك موسى حين ولدتك في التابوت "فاقْذِفِيهِ فِي اليَمّ "يعني باليم: النيل، "فَلْيُلْقِهِ اليَمّ بالساحِلِ" يقول: فاقذفيه في اليم، يلقه اليم بالساحل، وهو جزاء أخرج مخرج الأمر، كأن اليم هو المأمور، كما قال جلّ ثناؤه: "اتّبِعُوا سَبِيلَنَا ولْنَحْمِلْ خَطَاياكُمْ" يعني: اتبعوا سبيلنا نحمل عنكم خطاياكم، ففعلت ذلك أمه به فألقاه اليم بمَشْرَعة آل فرعون... وعنى جلّ ثناؤه بقوله: "يأْخُذْهُ عَدُوّ لي وَعَدُوّ لَهُ"، فرعون هو العدوّ، كان لله ولموسى...
واختلف أهل التأويل في معنى المحبة التي قال الله جلّ ثناؤه" وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبّةً مِنّي"؛
فقال بعضهم: عنى بذلك أنه حببه إلى عباده... وقال آخرون: بل معنى ذلك: أي حسنت خلقك... والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله ألقى محبته على موسى، كما قال جلّ ثناؤه" وألْقَيْتَ عَلَيْكَ مَحَبّةً مِنّي "فحببه إلى آسية امرأة فرعون، حتى تبنّته وغذّته وربّته، وإلى فرعون، حتى كفّ عنه عاديته وشرّه. وقد قيل: إنما قيل: وألقيت عليك محبة مني، لأنه حببه إلى كل من رآه. ومعنى" ألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبّةً مِنّي ": حببتك إليهم...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
وقوله تعالى: {وألقيت عليك محبة مني} قال عامة أهل التأويل: ألقى عليه محبة في قلب امرأة فرعون حين قالت: {قرت عين لي ولك لا تقتلوه} الآية [القصص: 9] ولكن ألقى عليه محبة في قلب امرأته وقلب فرعون أيضا حتى كان أشفق الناس عليه وأحبهم بعد ما كان يقتل الولدان بسببه ليجده، ويظفر به؛ يذكره عز وجل رحمته عليه ومنته له، وهي المنة التي ذكر حين قال: {ولقد مننا عليك مرة أخرى}.
وقوله تعالى: {ولتصنع على عيني} والصنع هو فعل الخير والمعروف، أي لنصنع إليك المعروف والإحسان.
وقوله تعالى: {على عيني} قال بعضهم: [{على عيني}] على حفظي؛ يقال: عين الله عليك، أي كن في حفظ الله، وهو قول الحسن وقتادة. وقال بعضهم: لِتُربَى على عيني، أي على علمي، والأول أشبه.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
... قوله "ولتصنع على عيني "قال قتادة: معناه لتغذى على محبتي وإرادتي، وتقديره وأنا أراك، يجري أمرك على ما أريد بك من الرفاهة في غذائك، كما يقول القائل لغيره: أنت مني بمرأى ومستمع أي: أنا مراع لأحوالك.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
... ربَّاه في حِجْرِ العدو وكان قد قَتَلَ بسببه ألوفاً من الولدان... ولكنْ مِنْ مَأمنِهِ يُؤْتى الحَذِرُ! وبلاءُ كلِّ أحدٍ كان بَعْدَه إلا بَلاءَ موسى عليه السلام فإنه تَقَدَّمَ عليه بسنين؛ ففي اليوم الذي أخذ موسى في حِجْرِه كان قد أمر بقتل كثير من الولدان، ثم إنه ربَّاه ليكونَ إهلاكُ مُلْكِهِ على يده...
لِيُعْلَمَ أَنَّ أَسرارَ الأقدار لا يعلمها إلا الجبارُ...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
... لما كانت مشيئة الله تعالى وإرادته أن لا تخطيء جرية ماء اليم الوصول به إلى الساحل وألقاه إليه، سلك في ذلك سبيل المجاز، وجعل اليم كأنه ذو تمييز، أمر بذلك ليطيع الأمر ويمتثل رسمه، فقيل {فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل}... وظاهر اللفظ [على] أنّ البحر ألقاه بساحله وهو شاطئه: لأنّ الماء يسحله أي يقشره وقذف به ثمة فالتقط من الساحل، إلا أن يكون قد ألقاه اليم بموضع من الساحل فيه فوّهة نهر فرعون، ثم أدّاه النهر إلى حيث البركة. [وألقيت عليك محبة مني] {مِّنِّى} لا يخلو إما أن يتعلق بألقيت، فيكون المعنى على: أني أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب. وإما أن يتعلق بمحذوف هو صفة لمحبة، أي: محبة حاصلة أو واقعة مني، قد ركزتها أنا في القلوب وزرعتها فيها، فلذلك أحبك فرعون وكل من أبصرك...
{وَلِتُصْنَعَ على عيني} لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك وراقبك، كما يراعي الرجل الشيء بعينيه إذا اعتنى به، وتقول للصانع: اصنع هذا على عيني أنظر إليك لئلا تخالف به عن مرادي وبغيتي. ولتصنع: معطوف على علة مضمرة، مثل: ليتعطف عليك وترأم ونحوه. أو حذف معلله، أي: ولتصنع فعلت ذلك...
ظاهر القرآن يدل على أن المراد من قوله: {ولتصنع على عيني} الحفظ والحياطة كقوله تعالى: {إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن} فصار ذلك كالتفسير لحياطة الله تعالى له...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ثم فسره بقوله: {أن اقذفيه} أي ألقي ابنك {في التابوت} وهو الصندوق، فعلوت من التوب الذي معناه تفاؤلاً به، وقال الحرالي: هو وعاء ما يعز قدره، والقذف مجاز عن المسارعة إلى وضعه من غير تمهل لشيء أصلاً، إشارة إلى أنه فعل مضمون السلامة كيف ما كان، والتعريف لأنه نوع من الصناديق أشد الناس معرفة به بنو إسرائيل {فاقذفيه} أي موسى عليه السلام عقب ذلك بتابوته، أو التابوت الذي فيه موسى عليه السلام {في اليم} أي البحر وهو النيل.
ولما كانت سلامته في البحر من العجائب، لتعرضه للغرق بقلب الريح للتابوت، أو بكسره في بعض الجدر أو غيرها، أو بجريه مستقيماً مع أقوى جرية من الماء إلى البحر الملح وغير ذلك من الآفات، أشار إلى تحتم تنجيته بلام الأمر عبارة عن معنى الخبر في قوله، جاعلاً البحر كأنه ذو تمييز ليطيع الأمر: {فليلقه} أي التابوت الذي فيه موسى عليه السلام أو موسى بتابوته {اليم بالساحل} أي شاطئ النيل، سمي بذلك لأن الماء يسحله، أي ينشره إلى جانب البيت الذي الفعل كله هرباً من شر صاحبه، وهو فرعون، وهو المراد بقوله: {يأخذه} جواباً للأمر، أي موسى {عدو لي} ونبه على محل العجب بإعادة لفظ العدو في قوله: {وعدو له} فإنه ما عادى بني إسرائيل بالتذبيح إلا من أجله {وألقيت عليك محبة} أي عظيمة؛ ثم زاد الأمر في تعظيمها إيضاحاً بقوله: {مني} أي ليحبك كل من رآك لما جبلتك عليه من الخلال الحميدة، والشيم السديدة، لتكون أهلاً لما أريدك له {ولتصنع} أي تربى بأيسر أمر تربية بمن هو ملازم لك لا ينفك عن الاعتناء بمصالحك عناية شديدة {على عيني} أي مستعلياً على حافظيك غير مستخفى في تربيتك من أحد ولا مخوف عليك منه، وأنا حافظ لك حفظ من يلاحظ الشيء بعينه لا يغيب عنها، فكان كل ما أردته، فلما رآك هذا العدو أحبك وطلب لك المراضع، فلما لم تقبل واحدة منهن بالغ في الطلب، كل ذلك إمضاء لأمري وإيقافاً لأمره به نفسه لا بغيره ليزداد العجب من إحكام السبب.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
حركات كلها عنف وكلها خشونة.. قذف في التابوت بالطفل. وقذف في اليم بالتابوت. وإلقاء للتابوت على الساحل.. ثم ماذا؟ أين يذهب التابوت المقذوف فيه بالطفل المقذوف في اليم الملقى به على الساحل. من يتسلمه؟ (عدو لي وعدو له). وفي زحمة هذه المخاوف كلها. وبعد تلك الصدمات كلها. ماذا؟ ما الذي حدث للطفل الضعيف المجرد من كل قوة؟ ما الذي جرى للتابوت الصغير المجرد من كل وقاية؟ (وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني)!!! يا للقدرة القادرة التي تجعل من المحبة الهينة اللينة درعا تتكسر عليها الضربات وتتحطم عليه الأمواج. وتعجز قوى الشر والطغيان كلها أن تمس حاملها بسوء؛ ولو كان طفلا رضيعا لا يصول ولا يجول بل لا يملك أن يقول.. إنها مقابلة عجيبة في تصوير المشهد. مقابلة بين القوى الجبارة الطاغية التي تتربص بالطفل الصغير، والخشونة القاسية فيما يحيط به من ملابسات وظروف.. والرحمة اللينة اللطيفة تحرسه من المخاوف، وتقيه من الشدائد وتلفه من الخشونة، ممثلة في المحبة لا في صيال أو نزال: (ولتصنع على عيني).. وما من شرح يمكن أن يضيف شيئا إلى ذلك الظل الرفيق اللطيف العميق الذي يلقيه التعبير القرآني العجيب: (ولتصنع على عيني) وكيف يصف لسان بشري، خلقا يصنع على عين الله؟ إن قصارى أي بشري أن يتأمله ويتملاه.. إنها منزلة وإنها كرامة أن ينال إنسان لحظة من العناية. فكيف بمن يصنع صنعا على عين الله؟ إنه بسبب من هذا أطاق موسى أن يتلقى ذلك العنصر العلوي الذي تلقاه. ولتصنع على عيني. تحت عين فرعون -عدوك وعدوي- وفي متناول يده بلا حارس ولا مانع ولا مدافع. ولكن عينه لا تمتد إليك بالشر لأني ألقيت عليك محبة مني. ويده لا تنالك بالضر وأنت تصنع على عيني.
{فليلقه اليم بالساحل}: أي: تحمله الأمواج وتسير به، وكأن لديها أوامر أن تدخله في المجرى الموصل لقصر فرعون. فعندنا – إذن – لموسى ثلاثة إلقاءات: إلقاء الرحمة والحنان في التابوت، وإلقاء التابوت في اليم تنفيذا لأمر الله، وإلقاء اليم للتابوت عند قصر فرعون...
{يأخذه عدو لي وعدو له}: (عدو لي) أي: لله تعالى: لأن فرعون ادعى الألوهية، (وعدو له) أي: لموسى، لأنه سيقف في وجهه ويوقفه عند حده. وفي الآية إشارة إلى إنفاذ إرادته سبحانه، فإذا أراد شيئا قضاه، ولو حتى على يد أعدائه وهم غافلون، فمن يتصور أو يصدق أن فرعون في جبروته وعتوه وتقتيله للذكور من أولاد بني إسرائيل هو الذي يضم إليه موسى ويرعاه في بيته، بل ويحبه ويجد له قبولا في نفسه. وهل التقطه فرعون بداية ليكون له عدوا؟ أم التقطه ليكون ابنا؟ كما قالت زوجته آسية: {قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون (9)} (القصص).إذن: كانت محبة، إلا أنها آلت إلى العداوة فيما بعد، آلت إلى أن يكون موسى هو العدو الذي ستربيه بنفسك وتحافظ عليه ليكون تقويض ملكك على يديه.