روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ} (92)

{ إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ } خطاب للناس قاطبة ، والإشارة إلى ملة التوحيد والإسلام وذلك من باب { هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ } [ الكهف : 78 ] وهذا أخوك تصور المشار إليه في الذهن وأشير إليه ، وفيه أنه متميز أكمل التمييز ولهذا لم يبين بالوصف ، والأمة على ما قاله صاحب المطلع أصلها القوم يجتمعون على دين واحد ثم اتسع فيها حتى أطلقت على نفس الدين ، والأشهر أنها الناس المجمعون على أمر أو في زمان وإطلاقها على نفس الدين مجاز ، وظاهر كلام الراغب أنه حقيقة أيضاً وهو المراد هنا ، وأريد بالجملة الخبرية الأمر بالمحافظة على لك الملة ومراعاة حقوقها ، والمعنى أن ملة الإسلام ملتكم التي يجب أن تحافظوا على حدودها وتراعوا حقوقها فافعلوا ذلك ، وقوله تعالى : { أُمَّةً وَاحِدَةً } نصب على الحال من { أُمَّةٍ } والعامل فيها اسم الإشارة ، ويجوز أن يكون العامل في الحال غير العامل في صاحبها وإن كان الأكثر الاتحاد كما في شرح التسهيل لأبي حيان ، وقيل بدل من { هذه } ومعنى وحدتها اتفاق الأنبياء عليهم السلام عليها أي إن هذه أمتكم أمة غير مختلفة فيما بين الأنبياء عليهم السلام بل أجمعوا كلهم عليها فلم تتبدل في عصر من الأعصار كما تبدلت الفروع ، وقيل : معنى وحدتها عدم مشاركة غيرها وهو الشرك لها في القبول وصحة الاتباع .

وجوز أن تكون الإشارة إلى طريقة الأنبياء المذكورين عليهم السلام والمراد بها التوحيد أيضاً ، وقيل : هي إشارة إلى طريقة إبراهيم عليه السلام والكلام متصل بقصته وهو بعيد جداً ، وأبعد منه بمراحل ما قيل إنها إشارة إلى ملة عيسى عليه السلام والكلام متصل بما عنده كأنه قيل وجعلناها وابنها آية العالمين قائلين لهم إن هذه أي الملة التي بعث بها عيسى أمتكم الخ بل لا ينبغي أن يلتفت إليه أصلاً ، وقيل : إن { هذه } إشارة إلى جماعة الأنبياء المذكورين عليهم السلام والأمة بمعنى الجماعة أي إن هؤلاء جماعتكم التي يلزمكم الاقتداء بهم مجتمعين على الحق غير مختلفين ، وفيه جهة حسن كما لا يخفى ، والأول أحسن وعليه جمهور المفسرين وهو المروى عن ابن عباس . ومجاهد . وقتادة ، وجوز بعضهم كون الخطاب للمؤمنين كافة ، وجعله الطيبي للمعاندين خاصة حيث قال في وجه ترتيب النظم الكريم : إن هذه السورة نازلة في بيان النبوة وما يتعلق بها والمخاطبون المعاندون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلما فرغ من بيان النبوة وتكريره تقريراً ومن ذكر الأنبياء عليهم السلام مسلياً عاد إلى خطابهم بقوله تعالى شأنه : { إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ } الخ أي هذه الملة التي كررتها عليكم ملة واحدة أختارها لكم لتتمسكوا بها وبعبادة الله تعالى والقول بالتوحيد وهي التي أدعوكم إليها لتعضوا عليها بالنواجذ لأن سائر الكتب نازلة في شأنها والأنبياء كلهم مبعثون للدعوة إليها ومتفقون عليها ، ثم لما علم إصرارهم قيل { وَتُقَطّعُواْ } [ الأنبياء : 93 ] الخ ، وحاصل المعنى الملة واحدة والرب واحد والأنبياء عليهم السلام متفقون عليها وهؤلاء البعداء جعلوا أمر الدين الواحد فيما بينهم قطعاً كما يتوزع الجماعة الشيء الواحد انتهى ، والأظهر العموم ، وأمر النظم عليه يؤخذ من كلام الطيبي بأدنى التفات . وقرأ الحسن { أُمَّتُكُمْ } بالنصب على أنه بدل من { هذه } أو عطف بيان عليه و { أُمَّةً وَاحِدَةً } بالرفع على أنه خبر إن . وقرأ هو أيضاً وابن إسحاق . والأشهب العقيلي . وأبو حيوة . وابن أبي عبلة . والجعفي . وهارون عن أبي عمرو . والزعفراني برفعهما على أنهما خبرا إن ، وقيل : الأول خبر والثاني بدل منه بدل نكرة من معرفة أو هو خبر مبتدأ محذوف أي هي أمة واحدة { وَأَنَاْ رَبُّكُمْ } أي أنا إلهكم إله واحد { فاعبدون } خاصة ؛ وتفسير الرب بالإله لأنه رتب عليه الأمر بالعبادة ، والدلالة على الوحدة من حدة الملة ، وفي لفظ الرب إشعار بذلك من حيث أن الرب وإن توهم جواز تعدده في نفسه لا يمكن أن يكون لكل مربوب إلا رب واحد لأنه مفيض الوجود وكمالاته معاً ، وفي العدول إلى لفظ الرب ترجيح جانب الرحمة وأنه تعالى يدعوهم إلى عبادته بلسان الترغيب والبسط قاله في «الكشف » .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ} (92)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{إن هذه أمتكم أمة واحدة} يقول: إن هذه ملتكم التي أنتم عليها، يعني: شريعة الإسلام هي ملة واحدة كانت عليها الأنبياء والمؤمنون الذين نجوا من عذاب الله، عز وجل.

{وأنا ربكم فاعبدون}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: إن هذه مِلتكم ملة واحدة، وأنا ربكم أيها الناس فاعبدون دون الآلهة والأوثان وسائر ما تعبدون من دوني... قال مجاهد، في قوله:"إنّ هَذِهِ أُمّتُكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً" قال: دينكم دين واحد.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

قال بعضهم: إن هذا دينكم دين واحد ليس كدين الأمم الخالية أديانا مختلفة، أو تكون الأمة ما يؤم إليها، ويقصد لأن الأمة، هي الجماعة، وهي المقصودة. وجائز أن يكون إخبارا عن هذه الأمة على دين واحد وملة واحدة، ليسوا بمختلفين فيه ولا بمتفرقين كسائر الأمم الخالية كقوله: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} الآية [آل عمران: 105] [وقوله تعالى: {ولا تفرقوا} الآية [آل عمران: 103]] أخبر عنهم أنهم غير متفرقين، ونهاهم عن أن يتفرقوا كما تفرق الأولون. ألا ترى أنه قال على إثره: {وتقطعوا أمرهم بينهم}؟ [الأنبياء: 93] هذا يدل على أنه إخبار عن أهل الإسلام في [صدد] الأمر أنهم على شيء واحد. وقال الزجاج: {إن هذه أمتكم أمة واحدة} ما لزموا الحق واتبعوه، وأما إذا تركوا لزومه، وتركوا اتباعه، فهي ليست بأمة واحدة، والله أعلم.

{وأنا ربكم فاعبدون} كقوله في آية أخرى: {وأنا ربكم فاتقون} [المؤمنون: 52] ليعلم أن العبادة والتقوى واحد في الحقيقة لأن الاتقاء هو ما يجتنب من الأفعال، والعبادة ما يؤتى من الأفعال، فإذا اجتنب ما يجب اجتنابه فقد أتي بما يجب إتيانه، وإذا أتي بما يجب إتيانه فقد اجتنب ما يجب اجتنابه، هو كقوله: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45] لأنه بفعله إياها مجتنب عن الفحشاء والمنكر...

الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :

أصل الأُمّة: الجماعة التي هي على مقصد واحد فجعلت بالشريعة أُمة واحدة لاجتماع أهلها بها على مقصد واحد.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

أي كلكم خِلْقَتُه، وكلكم اتفقتم في الفقر، وفي الضعف، وفي الحاجة. {وَأَنَا رَبُّكُمْ}: وخالقكم على وصفِ التَّفَرُّد.

تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :

وسمى الدين أمة؛ لأنه يبعث على الاجتماع...

وحقيقة معنى الآية: أن الملة التي دعوتكم إليها هي ملة الأنبياء قبلكم، إذ دين الكل واحد، وهذا في التوحيد، فأما الشرائع يجوز اختلافها.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

الأمّة: الملة، و {هذه} إشارة إلى ملة الإسلام، أي: إن ملة الإسلام هي ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها لا تنحرفون عنها، يشار إليها ملة واحدة غير مختلفة...

والخطاب للناس كافة.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{إن هذه أمتكم} يحتمل الكلام أن يكون منقطعاً خطاباً لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم ثم أخبر عن الناس أنهم تقطعوا ثم وعد وأوعد، ويحتمل أن يكون متصلاً أي جعلنا مريم {وابنها آية للعالمين} بأن بعث لهم بملة وكتاب، وقيل لهم {إن هذه أمتكم} أي دعي الجميع إلى الإيمان بالله تعالى وعبادته.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما دل ما مضى من قصص هؤلاء الأنبياء وغيرهم على أن لله القدرة الباهرة، القوة البالغة الشاملة للبعث وغيره، وكان ذلك دالاًّ على التوحيد الذي هو أصل الدين، وأنهم كلهم متفقون عليه بالتصريح من البعض هنا ومن الباقين فيما سبق، كان إثباته فذلكة هذه القصص وما تقدمها من هذه السورة، فلذلك اتصل به قوله مخاطباً لمن قال لهم: أفأنتم له منكرون: {إن هذه} أي الأنبياء الذين أرسلناهم قبل نبيكم صلى الله عليه وسلم رجالاً نوحي إليهم كما أنه رجل نوحي إليه لا آباؤكم ولا ما وجدتموه عليه {أمتكم} أي مقصودكم أيها الخلق بالاقتداء في الاهتداء، حال كونها {أمة}... وأكد سبحانه هذا المعنى فقال: {واحدة} كما في الخبر أنهم أولاد علات. أمهاتهم شتى ودينهم واحد. لا اختلاف بينهم أصلاً في التوحيد الذي هو الأصل ولا في توجيه الرغبات إلينا، وقصر النظر علينا، علماً منهم بما لنا من صفات الكمال، وأن كل شيء فإلينا مفتقر، ولدينا خاضع منكسر، فاتبعوهم في ذلك، لا تحيدوا عنهم تضلوا، وإنما فرقناهم وجعلناهم عدداً بحسب الأمم المتشعبة في الأزمان المتطاولة، وأنا لم نجعل لأحد منهم الخلد، ولغير ذلك من الحكم، فبثثناهم في الأقطار، حتى ملأوها من الأنوار.

ولما كان المقصود تعيين المراد من غير لبس، عدل عن صيغة العظمة فقال: {وأنا ربكم} أي لا غيري، في كل زمان وكل مكان، لكل أمة، لأني لا أتغير على طول الدهر، ولا يشغلني شأن عن شأن {فاعبدون} دون غيري فإنه لا كفوء لي.

روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :

{إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ} خطاب للناس قاطبة، والإشارة إلى ملة التوحيد والإسلام... وأريد بالجملة الخبرية الأمر بالمحافظة على تلك الملة ومراعاة حقوقها... ومعنى وحدتها اتفاق الأنبياء عليهم السلام عليها أي إن هذه أمتكم أمة غير مختلفة فيما بين الأنبياء عليهم السلام، بل أجمعوا كلهم عليها، فلم تتبدل في عصر من الأعصار كما تبدلت الفروع...

وقيل: إن {هذه} إشارة إلى جماعة الأنبياء المذكورين عليهم السلام والأمة بمعنى الجماعة أي إن هؤلاء جماعتكم التي يلزمكم الاقتداء بهم مجتمعين على الحق غير مختلفين، وفيه جهة حسن كما لا يخفى، والأول أحسن وعليه جمهور المفسرين.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

{وَأَنَا رَبُّكُمْ} الذي خلقتكم، وربيتكم بنعمتي، في الدين والدنيا، فإذا كان الرب واحدا، والنبي واحدا، والدين واحدا، وهو عبادة الله، وحده لا شريك له، بجميع أنواع العبادة كان وظيفتكم والواجب عليكم، القيام بها، ولهذا قال: {فَاعْبُدُونِ} فرتب العبادة على ما سبق بالفاء، ترتيب المسبب على سببه.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

فظاهر العطف يقتضي دخول قوله تعالى: {وإنّ هذه أمتكم أمة واحدة} في الكلام المخاطب به الرسل، والتأكيد عن هذا الوجه لمجرد الاهتمام بالخبر ليتلقاه الأنبياء بقوة عزم، أو روعي فيه حال الأمم الذين يبلغهم ذلك؛ لأن الإخبار باتحاد الحال المختلفة غريب قد يثير تردّداً في المراد منه، فقد يحمل على المجاز فأكد برفع ذلك. وهو وإن كان خطاباً للرسل فإن مما يقصد منه تبليغَ ذلك لأتباعهم ليعلموا أن دين الله واحد، وذلك عون على قبول كل أمة لما جاء به رسولها لأنه معضود بشهادة مَن قبله من الرسل. ويجوز أن تكون الجملة استئنافاً والخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أي أن هذه الملة، وهي الإسلام، هي ملة واحدة لسائر الرسل، أي أصولها واحدة كقوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً} [الشورى: 13] الآية. والتأكيد على هذا لردّ إنكار من ينكر ذلك مثل المشركين.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

فالمراد: هذه أمتكم أمة حال كونها أمة واحدة، لا اختلاف فيها والرسل جميعا إنما جاءوا ليتمموا بناء واحدا، كما قال (ص):"إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين"...

والأمة لا تكون واحدة، إلا إذا صدر تكوينها المنهجي عن إله واحد، فلو كان تكوينها من متعدد لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض، ولفسد الحال. إذن: كما قال سبحانه: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض.. (71)} [المؤمنون]. فلا تكون الأمة واحدة إلا إذا استقبلت أوامرها من إله واحد وخضعت لمعبود واحد، فإن نسيت هذا الإله الواحد تضاربت وتشتتت...

{وأنا ربكم فاعبدون} أي: التزموا بمنهجي لتظلوا أمة واحدة، واختار صفة الربوبية فلم يقل: إلهكم، لأن الرب هو الذي خلق ورزق وربى، أما الإله فهو الذي يطلب التكاليف...

فالمعنى: ما دمت أنا ربكم الذي خلقكم من عدم، وأمدكم من عدم، وأنا القيوم على مصالحكم، أكلأكم بالليل والنهار، وأرزق حتى العاصي والكافر بي، فأنا أولى بالعبادة، ولا يليق بكم أن أصنع معكم هذا كله وتذهبون إلى إله غيري، هذا منطق العقل السليم،...