روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَّا تَدۡعُواْ ٱلۡيَوۡمَ ثُبُورٗا وَٰحِدٗا وَٱدۡعُواْ ثُبُورٗا كَثِيرٗا} (14)

وقوله تعالى : { لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً واحدا } على تقدير قول إما منصوب على أنه حال من فاعل { دَّعَوَا } [ الفرقان : 13 ] أي دعوا مقولاً لهم ذلك حقيقة كما هو الظاهر بأن تخاطبهم الملائكة لتنبيههم على خلود عذابهم وأنهم لا يجابون إلى ما يدعونه أولا ينالون ما يتمنونه من الهلاك المنجى أو تمثيلاً لهم وتصويراً لحالهم بحال من يقال له ذلك من غير أن يكون هناك قول وخطاب كما قيل أي دعوه حال كونهم أحقاء بأن يقال لهم ذلك ، وإما لا محل له من الإعراب على أنه معطوف على ما قبله أي إذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً دعوا ثبوراً فيقال لهم : لا تدعوا الخ ، أو على أنه مستأنف وقع جواباً عن سؤال مقدر ينسحب عليه الكلام كأنه قيل : فماذا يكون عند دعائهم المذكور ؟ فقيل : يقال لهم ذلك ، والمراد به إقناطهم عما علقوا به أطماعهم من الهلاك وتنبيههم على أن عذابهم الملجىء لهم إلى ذلك أبدى لاخلاص لهم منه على أبلغ وجه حيث أشار إلى أن المخلص مما هو فيه من العذاب عادة غير مخلص وما يخلص غير ممكن فكأنه قيل : لا تدعوا اليوم هلاكاً واحداً فا لا يخلصكم { وادعوا ثُبُوراً } وهلاكاً { كَثِيراً } لا غاية لكثرته لتخلصوا به وأنى بالهلاك الكثير

. ومن لم يمت بالسيف مات بغيره *** تعددت الأسباب والموت واحد

وهذا معنى دقيق لم أعلم أن أحداً ذكره ، وقيل : وصف الثبور بالكثرة باعتبار كثرة الألفاظ المشعرة به فكأنه قيل : لا تقولوا يا ثبوراه فقط وقولوا يا ثبوراه يا هلا كاه يا ويلاه يا لهفاه إلى غير ذلك وهو كما ترى .

وقال شيخ الإسلام : وصفه بذلك بحسب كثرة الدعاء المتعلق به لا بحسب كثرته في نفسه فإن ما يدعونه ثبور واحد في حد ذاته لكنه كلما تعلق به دعاء من تلك الأدعية الكثيرة صار كأنه ثبور مغاير لما تعلق به دعاء آخر ، وتحقيقه لا تدعوه دعاء واحداً وادعوه أدعية كثيرة فإن ما أنتم فيه من العذاب لغاية شدته وطول مدته مستوجب لتكرير الدعاء في كل آن ، ثم قال : وهذا أدل على فظاعة العذاب وهو له من جعل تعدد الدعاء وتجدده لتعدد العذاب بتعدد أنواعه وألوانه أو لتعدده بتجدد الجلود كما لا يخفى ، وأما ما قيل من أن المعنى إنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً إنما هو ثبور كثير اما لأن العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها فلا غاية لهلاكهم فلا يلائم المقام كيف وهم إنما يدعون هلاكاً ينهى عذابهم وينجيهم منه فلا بد أن يكون الجواب إقناطاً لهم عن ذلك ببيان استحالته ودوام ما يوجب استدعاءه من العذاب الشديد انتهى ، وتعقب القول بأن وصف الثبور بالكثرة بحسب كثرة الدعاء بأنه لا يناسب النظم وكذا كونه بحسب كثرة الألفاظ المشعرة بالثبور لأنه كان الظاهر أن يقال دعاء كثيراً ، وأما قوله : وأما ما قيل الخ فهو لا يخلو عن بحث فتأمل .

وحكى علي بن عيسى ما ثبرك عن هذا الأمر أي ما صرفك عنه ، وجوز أن يكون الثبور في الآية من ذلك كأنهم ندموا على ما فعلوا فقالوا : واصرفاه عن طاعة الله تعالى كما يقال : واندماه فأجيبوا بما أجيبوا ، وتقييد النهي والأمر باليوم لمزيد التهويل والتفظيع والتنبيه على أنه ليس كسائر الأيام المعهودة التي يخلص من عذابها ثبور واحد ، ويجوز أن يكون ذلك لتذكيرهم بالساعة التي أصابهم ما أصابهم بسبب التكذيب بها ففيه زيادة إيلام لهم ، وقرأ عمر بن محمد { ثُبُوراً } بفتح الثاء في ثلاثتها وفهول بفتح الفاء في المصادر قليل نحو القفول .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{لَّا تَدۡعُواْ ٱلۡيَوۡمَ ثُبُورٗا وَٰحِدٗا وَٱدۡعُواْ ثُبُورٗا كَثِيرٗا} (14)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

قوله:"لا تَدْعُوا اليَوْمَ" أيها المشركون ندما واحدا: أي مرّة واحدة، ولكن ادعوا ذلك كثيرا...

حدثنا محمد بن مرزوق، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا حماد، قال: حدثنا عليّ بن زيد، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أوّلُ مَنْ يُكْسَى حُلّةً مِنَ النّارِ إبْلِيسُ، فَيَضَعُها عَلى حاجِبَيْهِ، وَيَسْحَبُها مِنْ خَلْفِهِ، وَذُرّيّتُهُ مِنْ خَلْفِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: يا ثُبُورَاه وَهُمْ يُنادُونَ: يا ثُبُورَهُمْ حتى يَقِفُوا عَلى النّارِ، وَهُوَ يَقُولُ: يا ثُبُورَاهُ وَهُمْ يُنادُونَ: يا ثُبُورَهُمْ فَيُقالُ: لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورا وَاحدا وَادْعُوا ثُبُورا كَثِيرا».

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

أي لا تدعوا هلاكا واحدا كما يكون في الدنيا أن من هلك مرة لا يهلك ثانيا. وأما في النار فإن لأهلها هلكات لا تحصى...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

والمعنى: إن ذلك لا ينفعكم سواء دعوتم بالويل قليلا أو كثيرا.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{لاَّ تَدْعُواْ} أي يقال لهم ذلك: أو هم أحقاء بأن يقال لهم، وإن لم يكن ثمة قول ومعنى {وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً} أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً، إنما هو ثبور كثير،إما لأن العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ثبور لشدّته وفظاعته، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها، فلا غاية لهلاكهم.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

وقوله {ثبوراً} مصدر وليس بالمدعو، ومفعول {دعوا} محذوف تقديره دعوا من لا يجيبهم أو نحو هذا من التقديرات، ويصح أن يكون» الثبور «هو المدعو كما تدعى الحسرة والويل... {لا تدعوا} إلى آخر الآية معناه يقال لهم على معنى التوبيخ والإعلام بأنهم يخلدون أي لا تقتصروا على حزن واحد بل احزنوا كثيراً لأنكم أهل لذلك.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{لا تدعوا اليوم} أيها الكفار {ثبوراً واحداً} لأنكم لا تموتون إذا حلت بكم أسباب الهلاك {وادعوا ثبوراً كثيراً} لا يحصره الإحصاء ولا آخر له، فإنكم وقعتم فيما يوجب ذلك لأن أنواع الهلاك لا تبارحكم أصلاً ولكنه لا موت.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

جملة: {لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً} إلى آخرها مقولة لقول محذوف، أي يقال لهم. ووصف الثبور بالكثير إما لكثرة ندائه بالتكرير وهو كناية عن عدم حصول الثبور لأن انتهاء النداء يكون بحضور المنادَى، أو هو يأس يقتضي تكرير التمني أو التحسر.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

يوبخهم الحق- سبحانه وتعالى- ويبكتهم: يا خيبتكم ويا ضياعكم، لن ينفعكم أن تدعو ثبورا واحدا، بل ادعوا ثبورا وثبورا وثبورا؛ لأنها مسألة لن تنتهي، فسوف يسلمكم العذاب إلى عذاب...وهو عذاب متجدد...ثم يذكر الحق سبحانه المقابل ليكون أنكى لأهل الشر وأغيظ لهم، فيذكر بعد العذاب الثواب على الخير وعظم الجزاء على الطاعة، ومثل هذه المقابلات كثيرة في كتاب الله، كما في قوله تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم 13 وإن الفجار لفي جحيم14} (الانفطار). ويقول سبحانه: {فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون82} (التوبة).