{ قُلْ } تقريعاً لهم وتهكماً بهم وتحسيراً على ما فاتهم { أذلك } إشارة إلى ما ذكر من السعير باعتبار اتصافها بما فصل من الأحوال الهائلة فإنها التي كثيرا ما تقابل بالجنة ، وما فيه من معنى البعد للإشعار بكونها في الغاية القاصية من الهول والفظاعة ، وقيل : إشارة إلى ما ذكر من الجنة والكنز في قولهم : { أو يلقى إليه كنز } [ الفرقان : 8 ] الخ .
وقيل : إلى الجنة والقصور المجعولة في الدنيا على تقدير المشيئة وكلا القولين لا يعول عليهما لا سيما الأخير أي أذلك الذي ذكر من السعير التي اعتدت لمن كذب بالساعة وشأنها كيت وكيت وشأن أهلها ذيت ذيت { خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد التى وَعِدَ المتقون } أي وعدها المتقون لأن وعد تتعدى لمفعولين وهذا المحذوف هو العائد على الموصول ؛ وإِضافة الجنة إلى الخلد إن كانت نسبة الإضافة معلومة للمدح فإن المدح يكون بما هو معلوم ، وإن لم تكن معلومة فلافادة خلود الجنة ، ولا يخدشه قوله تعالى : { خالدين } [ الفرقان : 16 ] بعد لأنه للدلالة على خلود أهلها لا خلودها في نفسها وإن تلازماً أو أن ذلك للتمييز عن جنات الدنيا ، وقيل : إن جنة الخلد علم كجنة عدن ، والمراد بالمتقين المتصفون بمطلق التقوى لا بالمرتبة الثانية أو الثالثة منها فقط ، ويدل عليه مقابلتهم بالكافرين في النظم الكريم ، وقيل : يجوز أن يراد الكاملون في التقوى ووعدها إياهم وعدد خولها ابتداء دون سبق عذاب وهو مختص بهم وليس بذاك ، والترديد والتفضيل في { خَيْرٌ } مع أنه لا شك في أنه لا خيرية في السعير للتهكم والتقريع كما أشرنا إليه .
وقال ابن عطية : حيث كان الكلام استفهاماً جاز فيه مجيء لفظة التفضيل بين الجنة والسعير في الخير لأن الموقف جائز له أن يوقف محاوره على ما شاء ليرى هل يجيبه بالصواب أو بالخطأ ، وإنما منع سيبويه وغيره من التفضيل إذا كان الكلام خيراً لأن فيه مخالفة الواقع ، وأما إذا كان استفهاماً فذلك سائغ ، وقال أبو حيان : إن { خَيْرٌ } هنا ليس للدلالة على الأفضلية بل هو على ما جرت به عادة العرب في بيان فضل الشيء وخصوصيته بالفضل دون مقابله كقول حسان
: فشركما لخيركما الفدا *** وقولهم الشقاء أحب أليك أم السعادة والعسل أحلى من الخل ، وقوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام { السجن أَحَبُّ إِلَىَّ } [ يوسف : 33 ] ولا اختصاص لذلك في استفهام أو خبر .
وما ذكر من أمثلة الخبر يرد على ابن عطية إلا أن يقيد الخير الذي ادعى منه سيبويه فيه بما لم يكن الحكم فيه واضحاً أما إذا كان الحكم فيه واضحاً للسامع بحيث لا يختلج في ذهنه ولا يتردد في الأفضل فإن التفضيل يجوز فيه ، وقد تقدم تحقيق الكلام في هذا المقام وما أشرنا إليه هنا أولى بالاعتبار مما أشار ابن عطية وأبو حيان إليه .
{ كَانَتْ } تلك الجنة { لَهُمْ } أي في علم الله تعالى أو في اللوح أو المراد تكون على أنه وعد من أكرم الأكرمين عبر عنه بالماضي على طريق الاستعارة لتحقيق وقوعه فإنه سبحانه لا يخلف الميعاد ، وجوز أن يكون هذا باعتبار تقدم وعده تعالى في كتبه وعلى لسان رسله عليهم الصلاة والسلام أياهم بها { جَزَاء } على أعمالهم بمقتضى الوعد لا بالإيجاب { وَمَصِيراً } ينقلبون إليه ، ولم يكتف بقوله تعالى : { كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء } لعدم استلزامه ذلك فقد يثبت الملك في الدنيا إنساناً ببستان مثلاً ولا يرأه فضلاً عن أن يسكن فيه ، وجملة { كَانَتْ لَهُمْ } الخ على ما ذكره الطبرسي في موضع الحال من الضمير المحذوف العائد على الموصول في { وُعِدَ المتقون } بتقدير قد أو بدونه ، وجوز أن تكون بدلاً من { وُعِدَ المتقون } وتفسيراً له ، وأن تكون استئنافاً في موضع التعليل .
وذكر الزمخشري ما يشعر بأن هذه الجملة تذييل لتذكير النعمة بما خولهم الله تعالى وطيب عيشهم في ذلك المكان الرافع على وجه يتضمن ضد ذلك لأضدادهم فكأنه قيل كلنت لهم جزاء موفوراً لا يدخل تحت الوصف ومصيراً أي مصيراً لا يقادر قدره وليس كمصير الكفرة المشار إليه بقوله سبحانه : { وَإَذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيّقاً } [ الفرقان : 13 ] ويعلم منه فائدة ذكر المصير مع ذكر الجزاء فتأمل .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{قل} لكفار مكة: {أذلك} الذي ذكر من النار {خير} أفضل {أم جنة الخلد} يعني: التي لا انقطاع لها {التي وعد المتقون كانت لهم جزاء} بأعمالهم الحسنة {ومصيرا} يعني: ومرجعا.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المكذّبين بالساعة: أهذه النار التي وصف لكم ربّكم صفتها وصفة أهلها خير، أم بستان الخلد الذي يدوم نعيمه ولا يبيد، الذي وَعَد من اتقاه في الدنيا بطاعته فيما أمره ونهاه؟
وقوله:"كانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرا" يقول: كانت جنة الخلد للمتقين جزاء أعمالهم لله في الدنيا بطاعته وثواب تقواهم إياه ومصيرا لهم، يقول: ومصيرا للمتقين يصيرون إليها في الآخرة.
وقوله: "لَهُمْ فِيها ما يَشاءُونَ "يقول: لهؤلاء المتقين في جنة الخلد التي وَعَدَهموها الله، ما يشاءون مما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين.
"خالدِينَ فيها"، يقول: لابثين فيها ماكثين أبدا، لا يزولون عنها ولا يزول عنهم نعيمها. وقوله: "كانَ عَلى رَبّكَ وَعْدا مَسْئُولاً" وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم ذلك في الدنيا حين قالوا: آتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ، يقول الله تبارك وتعالى: كان إعطاء الله المؤمنين جنة الخلد التي وصف صفتها في الآخرة، وعْدا وعدهُمُ الله على طاعتهم إياه في الدنيا ومسألتهم إياه ذلك...
وقد كان بعض أهل العربية يوجه معنى قوله: "وَعْدا مَسْئُولاً" إلى أنه معنيّ به وعدا واجبا، وذلك أن المسئول واجب، وإن لم يُسْأل كالدين، ويقول: ذلك نظير قول العرب: لأعطينك ألفا وعدا مسئولاً، بمعنى واجب لك فتسأله.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
"قل" لهم يا محمد "أذلك خير" يعني ما ذكره من السعير وأوصافه خير "أم جنة الخلد"، وانما قال ذلك على وجه التنبيه لهم على تفاوت ما بين الحالين. وإنما قال "أذلك خير أم جنة الخلد" وليس في النار خير، لأن المراد بذلك، أي المنزلين خير؟! تبكتا لهم وتقريعا.
" التي وعد المتقون" أي وعد الله بهذه الجنة من يتقي معاصيه ويخاف عقابه "كانت لهم جزاء ومصيرا" يعني الجنة مكافأة وثوابا على طاعاتهم، ومرجعهم إليها ومستقرهم فيها.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
المتقون أبداً في النعيم المقيم؛ حور وسرور وحبور، ورَوْحٌ وريحان، وبهجة وإحسان، ولطف جديد وفضل مزيد، وألذُّ شرابٍ وكاساتُ محابِّ، وبسطُ قلبٍ وطيبُ حالٍ، وكمال أُنْسٍ ودوام طرب وتمام جَذَلٍ، لباسهم فيها حرير وفراشهم سندس وإستبرق. والأسماء أسماءٌ في الدنيا والأعيان بخلاف المعهودات فيها. ثم فيها ما يشاؤون، وهم أبداً مقيمون لا يبرحون، ولا هم عنها يخرجون.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
فإن قلت: ما معنى قوله: {كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيراً}؟ قلت: هو كقوله: {نِعْمَ الثواب وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً} [الكهف: 31] فمدح الثواب ومكانه، كما قال: {بِئْسَ الشراب وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف: 29] قدّم العقاب ومكانه لأنّ النعيم لا يتمّ للمتنعم إلاّ بطيب المكان وسعته وموافقته للمراد والشهوة، وأن لا تنغص، وكذلك العقاب يتضاعف بغثاثة الموضع وضيقه وظلمته وجمعه لأسباب الاجتواء والكراهة، فلذلك ذكر المصير مع ذكر الجزاء.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كانت عادتهم تجويز الممكن من كل ما يحذرون منه من الخلق، اقتضى الحال سؤالهم: هل أعدوا لما هددوا به من الخالق عدة أم لا؟ في سياق الاستفهام عن المفاضلة بينه وبين ما وعده المتقون، تنبيهاً على أنه أعلى رتبة من الممكن فإنه واقع لا محالة، وتهكماً بهم، فقال تعالى: {قل أذلك} أي الأمر العظيم الهول الذي أوعدتموه من السعير الموصوفة.
ولما كانت عادة العرب في بيان فضل الشيء دون غيره الإتيان بصيغة أفعل تنبيهاً على أن سلب الخير عن مقابله لا يخفى على أحد، أو يكون ذلك على طريق التنزل و إرخاء العنان، تنبيهاً للعاقل على أنه يكفيه في الرجوع عن الغي طروق احتمال لكون ما هو عليه مفضولاً قال: {خير أم جنة الخلد} أي الإقامة الدائمة {التي وعد المتقون} أي وقع الوعد الصادق المحتم بها، ممن وعده هو الوعد، للذين خافوا فصدقوا بالساعة جاعلين بينهم وبين أهوالها وقاية مما أمرتهم به الرسل؛ ثم حقق تعالى أمرها تأكيداً للبشارة بقوله: {كانت} أي تكونت ووجدت بإيجاده سبحانه {لهم جزاء} على تصديقهم وأعمالهم {ومصيراً} أي مستقراً ومنتهى، وذلك مدح لجزائهم لأنه إذا كان في محل واسع طيب كان أهنأ له وألذ كما أن العقاب إذا كان في موضع ضيق شنيع كان أنكى وأوجع، وهو استفهام تقريع وتوبيخ لمن كان يعقل فيجوز الممكنات.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
الأمر بالقول يقتضي مخاطباً مقولاً له ذلك: فيجوز أن يقصد: قل لهم، أي للمشركين الذين يسمعون الوعيد والتهديد السابق: « أذلك خير أم الجنة»؟ فالجمل متصلة السياق، والاستفهام حينئذٍ للتهكم إذ لا شبهة في كون الجنة الموصوفة خيراً. ويجوز أن يقصد: قل للمؤمنين، فالجملة معترضة بين آيات الوعيد لمناسبة إبداء البون بين حال المشركين وحال المؤمنين، والاستفهام حينئذٍ مستعمل في التلميح والتلطف. وهذا كقوله: {أذلك خيرٌ نُزُلاً أم شجرةُ الزقوم} في سورة الصافات (62).
والإشارة إلى المكان الضيق في جهنم.
و {خير} اسم تفضيل... والتفضيل على المحمل الأول في موقع الآية مستعمل للتهكم بالمشركين. وعلى المحمل الثاني مستعمل للتلميح في خطاب المؤمنين وإظهار المنة عليهم.
ووصف الموعودين بأنهم متقون على المحمل الأول جار على مقتضى الظاهر، وعلى المحمل الثاني جار على خلاف مقتضى الظاهر لأن مقتضى الظاهر أن يؤتى بضمير الخطاب، فوجه العدول إلى الإظهار ما يفيده {المتقون} من العموم للمخاطبين ومن يجيء بعدهم.
وجملة: {كانت لهم جزاء ومصيراً} تذييل لجملة: {جنة الخلد التي وعد المتقون} لما فيها من التنويه بشأن الجنة بتنكير {جزاء ومصيراً} مع الإيماء إلى أنهم وعدوا بها وعد مجازاة على نحو قوله تعالى: {نعم الثواب وحسنت مرتفقاً} [الكهف: 31]
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
وقد ذكر سبحانه بعد ذلك حال المتقين بعد الساعة.
{قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء وَمَصِيرًا (15)}.
الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، طلب إليه ربه تعالى بعد ان ذكر لهم ما أعده الله تعالى للذين لا يؤمنون بالبعث ويشركون بربهم، أن يبين لهم ما أعده للمتقين الأبرار الذين يؤمنون بالبعث مقابلا بينه وبين ما أعد للمشركين، فقال: أذلك السعير الذي أعد لهم، والذي ينادون فيه بالهلاك حسرة وندما خير في مآله ونهايته، أم جنة الخلد والنقاء التي أعدها للمتقين الأبرار، والمعادلة من حيث إن كلا مستعد هيأ الله له ما يستحقه، فهم يستطيعون أن ينالوا الجنة إن اتقوا، كما ينال الذين أنكروا البعث ما يلقون من جهنم وسعير.
وإن الجنة استحقوها جزاء لأعمالهم، وهي مصيرهم ومآلهم الذي كان لهم نهاية، وغاية المتقين الأطهار.