روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا كَبِيرٗا} (21)

وقوله تعالى : { وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } الخ شروع في حكاية بعض آخر من أقاويلهم الباطلة وبيان بطلانها إثر حكاية إبطال أباطيلهم السابقة وذكر ما يتعلق بذلك ، والجملة معطوفة على قوله تعالى : { وَقَالُواْ مال هذا الرسول } [ الفرقان : 7 ] إلى آخره ، ووضع الموصول موضع الضمير للتنبيه بما في حيز الصلة على أن ما يحكى عنهم في الشناعة بحيث لا يصدر عمن يرجو لقاء الله عز وجل ، والرجاء في المشهور الأمل وقد فسر أحدهما بالآخر أكثر اللغويين ، وفي فروق ابن هلال الأمل رجاء يستمر ولذا قيل للنظر في الشيء إذا استمر وطال تأمل ، وقيل : الأمل يكون في الممكن والمستحيل والرجاء يخص الممكن . وفي المصباح الأمل ضد اليأس وأكثر ما يستعمل فيما يبعد حصوله والطمع يكون فيما قرب حصوله والرجاء بين الأمل والطمع فإن الراجي يخاف أن لا يحصل مأموله ولذا استعمل بمعنى الطمع انتهى ، وفسره أبو عبيدة . وقوم بالخوف ، وقال الفراء : هذه الكلمة تهامية وهي أيضاً من لغة هذيل إذا كان مع الرجاء جحد ذهبوا به إلى معنى الخوف فيقولون : فلان لا يرجو ربه سبحانه يريدون لا يخاف ربه سبحانه ، ومن ذلك { مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً } [ نوح : 13 ] أي لا تخافون لله تعالى عظمة وإذا قالوا : فلان يرجو ربه فهذا على معنى الرجاء لا على معنى الخوف ، وقال الشاعر :

إذا لسعته النحل لم يرج لسعها *** وحالفها في بيت نوب عواسل

وقال آخر :

لا يرتجي حين يلاقي الذائدا *** أسبعة لاقت له أو واحداً

انتهى ، وذكر أن استعمال الرجاء في معنى الخوف مجاز لأن الراجي لأمر يخاف فواته ، وأصل اللقاء مقابله الشيء ومصادفته وهو مراد من قال : الوصول إلى الشيء لا المماسة ويطلق على الرؤية لأنها وصول إلى المرئي ، ولقاؤه تعالى هنا كناية عن لقاء جزائه يوم القيامة أو المراد ذلك بتقدير مضاف ؛ والمعنى على التفسير المشهور للرجاء وقال الذين لا يأملون لقاء جزائنا بالخير والثواب على الطاعة لتكذيبهم بالبعث ، وعلى التفسير الآخر وقال الذين لا يخافون لقاء جزائنا بالشر والعقاب على المعصية لتكذيبهم بالبعث كذا قيل . وقيل المراد به رؤيته تعالى في الآخرة والرجاء عليه بمعنى الأمل دون الخوف إذ لا معنى لكون الرؤية مخوفة وهو خلاف الظاهر وإن لم يأبه ما بعد إذ يكون المعنى عليه إن الذين لا يرجون رؤيتنا في الآخرة التي هي مظنة الرؤية لكثير من الناس اقترحوا رؤيتنا في الدنيا التي ليست مظنة لذلك ، وقد يقال : نفي رجاء لقائه تعالى كناية عن إنكار البعث والحشر ولعله أولى مما تقدم أي وقال الذين ينكرون البعث والحشر { لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الملئكة } أي هلا أنزلوا علينا فيخبرونا بصدق محمد صلى الله عليه وسلم { أَوْ نرى رَبَّنَا } فيخبرنا بذلك كما روي عن ابن جريج .

وغيره وفي طلب إنزال ملائكة للتصديق دون إنزال ملك إشارة إلى أنهم بلغوا في التكذيب مبلغاً لا ينفع معه تصديق ملك واحد وإذا اعتبرت أل في الملائكة للاستغراق الحقيقي كانت الإشارة إلى قوة تكذيبهم أقوى ، وتزداد القوة إذا اعتبر في { عَلَيْنَا } معنى كل واحد منا ولم يعتبر توزيع ، ويشير أيضاً إلى قوة ذلك تعبيرهم بالمضارع الدال على الاستمرار التجددي في أو { نرى رَبَّنَا } كأنهم لم يكتفوا برؤيته تعالى وإخباره سبحانه بصدق رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يروه سبحانه ويخبرهم مراراً بذلك ، ولا يأبى قصد الاستمرار من المضارع كون الأصل في { لَوْلاَ } التي للتحضيض أو العرض أن تدخل على المضارع وما لم يكن مضارعاً يؤول به ، ولعل عدولهم إلى الماضي في جانب إنزال الملائكة المعطوف عليه وإن كان في تأويل المضارع على نحو ما قدمنا في تفسير قوله تعالى : { لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ } فتذكر فما في العهد من قدم .

وقيل : المعنى لولا أنزل علينا الملائكة فيبلغون أمر الله تعالى ونهيه بدل محمد صلى الله عليه وسلم أو نرى ربنا فيخبرنا بذلك من غير توسيط أحد . ورجح الأول بأن السياق لتكذيبه صلى الله عليه وسلم وحاشاه ثم حاشاه من الكذب والتعنت في طلب مصدق له عليه الصلاة والسلام لا لطلب من يفيدهم الأمر والنهي سواه صلى الله عليه وسلم ، ولا نسلم أن { لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الملائكة } يتكرر عليه مع { لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ } [ الفرقان : 7 ] السابق لظهور الفرق بين المطلوبين بين فيهما ولو فرض لزوم التكرار بينهما فهو لا يضر كما لا يخفى . وانتصر للأخير بأن المقام ليس إلا لذكر المكذبين وحكاية أباطيلهم الناشئة عن تكذيبهم . وقد عد فيما سبق بعضاً منها متضمناً تعنتهم في طلب مصدق له صلى الله عليه وسلم فالأولى أن يكون ما هنا حكاية نوع آخر منها ليكون أبعد عن التكرار وأدل على العناد والاستكبار . ولعل قوله تعالى : { لَقَدِ استكبروا فِى أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً } أنسب بما ذكر . ومعنى { استكبروا فِى أَنفُسِهِمْ } أوقعوا الاستكبار في شأنها وعدوها كبيرة الشأن ، وفيه تنزيل الفعل المتعدي منزلة اللازم كما في قوله :

يجرح في عراقيبها نصلي *** والعتو تجاوز الحد في الظلم وهو المصدر الشائع لعتا ، واللام واقعة في جواب القسم أي والله لقد استكبروا في شأن أنفسهم وتجاوزوا الحد في الظلم والطغيان تجاوزاً كبيراً بالغاً أقصى غايته حيث كذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام ولم ينقادوا لبشر مثلهم يوحى إليه في أمرهم ونهيهم ولم يكترثوا بمعجزاته القاهرة وآياته الباهرة فطلبوا ما لا يكاد يرنوا إليه أحداق الأمم وراموا ما لا يحظى به إلا بعض أولي العزم من الرسل صلى الله عليه وسلم .

وقد فسر { استكبروا فِى أَنفُسِهِمْ } بأضمروا الاستكبار وهو الكفر والعناد في قلوبهم وهو أظهر مما تقدم وما تقدم أبلغ وأوفق لما انتصر له . وكذا فسر العتو بالنبو عن الطاعة وما تقدم أبلغ وأوفق بذلك أيضاً . وفي تعقيب حكاية باطل أولئك الكفرة بالجملة القسمية إيذان بغاية قبح ما هم عليه وإشعار بالتعجب من استكبارهم وعتوهم وهو من الفحوى في الحقيقة ومثل ذلك شائع في الكلام تقول لمن جنى جناية : فعلت كذا وكذا استعظاماً وتعجباً منه ؛ ويستعمل في سائر الألسنة وجعل الزمخشري من ذلك قول مهلهل :

وجارة جساس أبأنا بنابها *** كليباً غلت ناب كليب بواؤها

والطيبي قوله تعالى : { كَبُرَتْ كَلِمَةً } [ الكهف : 5 ] ، وتعقب بأن ذلك ليس من هذا القبيل لأن الثلاثي المحول إلى فعل لفظاً أو تقديراً موضوع للتعجب كما صرح به النحاة ؛ وذكر الإمام مختار القول الأول في تفسير { لَوْلا أُنزِلَ } الخ أن هذه الجملة جواب لقولهم { لَوْلا أُنزِلَ } الخ من عدة أوجه ، أحدها : أن القررن لما ظهر كونه معجزاً فقد ثبتت نبوته صلى الله عليه وسلم فبعد ذلك لا يكون اقتراح هذه الآيات إلا محض استكبار . وثانيها : أن نزول الملائكة عليهم السلام لو حصل لكان أيضاً من جملة المعجزات ولا يدل على الصدق لخصوص كونه نزول الملك بل لعموم كونه معجزاً فيكون قبول ذلك ورد الآخر ترجيحاً لأحد المثلين من غير مرجح . وثالثها : أنهم بتقدير رؤية الرب سبحانه وتصديقه لرسوله صلى الله عليه وسلم لا يستفيدون علماً أزيد من تصديق المعجز إذ لا فرق بين أن يقول النبي : اللهم إن كنت صادقاً فأحي هذا الميت فيحييه عز وجل وبين أن يقول : إن كنت صادقاً فصدقني فيصدقه فتعيين أحد الطريقين محض العناد ، ورابعها : أن العبد ليس له أن يعترض على مولاه إما بحكم المالكية عند الأشعري أو بحكم المصلحة عند المعتزلي ، وخامسها : أن السائل الملح المعاند الذي لا يرضى بما ينعم عليه مذموم وإظهار المعجز من جملة الأيادي الجسيمة فرد إحداهما واقتراح الأخرى ليس من الأدب في شيء . وسادسها : لعل المراد أني لو علمت أنهم ليسوا مستكبرين وعاتين لأعطيتهم مطلوبهم لكني علمت أنهم إنما سألوا لأجل المكابرة والعناد فلا جرم لا أعطيهم ، وسابعها : لعلهم عرفوا من أهل الكتاب أن الله تعالى لا يرى في الدنيا وأنه لا ينزل الملائكة عليهم السلام على عوام الخلق ثم أنهم علقوا إيمانهم على ذلك فهم مستكبرون ساخرون انتهى وفيه ما لا يخلو عن بحث .

واستدلت الأشاعرة بقوله تعالى : { لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } على أن رؤية الله تعالى ممكنة . واستدلت المعتزلة بقوله سبحانه : { لَقَدِ استكبروا وَعَتَوْا } على أنها ممتنعة ولا يخفى ضعف الاستدلالين .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{۞وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا كَبِيرٗا} (21)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وقال الذين لا يرجون لقاءنا} يعني: لا يخشون البعث... {لولا} يعني: هلا {أنزل علينا الملائكة} فكانوا رسلا إلينا، {أو نرى ربنا} فيخبرنا أنك رسول. يقول الله تعالى: {لقد استكبروا} يقول: تكبروا {في أنفسهم وعتو عتوا كبيرا}، يقول: علوا في القول علوا شديدا حين قالوا: أو نرى ربنا، فهكذا العلو في القول.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: وقال المشركون الذين لا يخافون لقاءنا، ولا يَخْشَوْن عقابنا، هلا أنزل الله علينا ملائكة، فتخبرَنا أن محمدا محقّ فيما يقول، وأن ما جاءنا به صدق، أو نرى ربنا فيخبرنا بذلك، كما قال جلّ ثناؤه مخبرا عنهم:"وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعا" ثم قال بعد: "أوْ تَأْتِيَ باللّهِ وَالمَلائِكَةِ قَبِيلاً "يقول الله: لقد استكبر قائلو هذه المقالة في أنفسهم، وتعظموا، "وَعَتَوْا عُتُوّا كَبِيرا" يقول: وتجاوزوا في الاستكبار بقيلهم ذلك حدّه...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

{لا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا}: لا يؤمنون بالحشر والنشر والرجوع إلى الله في القيامة من الدنيا. وكما كانوا لا يخافون العذابَ، ولا ينتظرون الحَشْرَ كذلك كانوا لا يُؤْمِنون لقاءَ الله.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

أي لا يأملون لقاءنا بالخير لأنهم كفرة، أو لا يخافون لقاءنا بالشر...

اقترحوا من الآيات أن ينزل الله عليهم الملائكة فتخبرهم بأن محمداً صادق حتى يصدقوه، أو يروا الله جهرة فيأمرهم بتصديقه واتباعه... وإنما أرادوا التعنت باقتراح آيات سوى الآيات التي نزلت وقامت بها الحجة عليهم، كما فعل قوم موسى حين قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة.

فإن قلت: ما معنى {فِي أَنفُسِهِمْ}؟ قلت: معناه أنهم أضمروا الاستكبار عن الحق وهو الكفر والعناد في قلوبهم واعتقدوه. كما قال: {إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم ببالغيه} [غافر: 56].

{وَعَتَوْا} وتجاوزوا الحدّ في الظلم. يقال: عتا علينا فلان. وقد وصف العتوّ بالكبير، فبالغ في إفراطه يعني أنهم لم يَجْسروا على هذا القول العظيم، إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتوّ، واللام جواب قسم محذوف. وهذه الجملة في حسن استئنافها غاية...

وفي فحوى هذا الفعل دليل على التعجب من غير لفظ التعجب. ألا ترى أن المعنى: ما أشدّ استكبارهم، وما أكبر عتوّهم...

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :

" لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا "حيث سألوا الله الشطط؛ لأن الملائكة لا ترى إلا عند الموت أو عند نزول العذاب، والله تعالى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، فلا عين تراه...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما ذكر هذا الابتلاء بعد أن ذكر أول السورة ما هو سبحانه عليه من العظمة من سعة الملك، وكثرة الصنائع، والإحسان إلى جميع الخلق، وكان من حق كل مربوب أن يتعرف إلى ربه، كائناً من كان، لا سيما إذا كان بهذه الصفة، لينال من إحسانه، ويتعزز به على أقرانه، أتبع ذلك أنه كشف الابتلاء عن أنه لا بصر لهم فقال تعالى: {وقال} وأظهر في موضع الإضمار الوصف الذي قدم أنه موجب لعماهم فقال: {الذين لا يرجون} أي ليست لهم عقول لكونهم نسوا {لقاءنا} فهم لا يعملون عملاً يطمعون في إثباتنا لهم عليه بعد الموت على ما يعلمون لنا من العظمة التي من رجاها كانت له فسعد، ومن أعرض عنها كانت عليه فهلك، فصارت لذلك عقولهم تبعاً لشهواتهم، فصاروا يتعرفون إلى جمادات سموها أربابهم، ويقصدونها ويتمسحون بها رجاء للمحال، والانهماك في الضلال، فذكر الرجاء لهذا الغرض مع أنه يلزمه عدم الخوف: {لولا} أي هلا ولم لا. ولما كان مرادهم لجهلهم أن يروهم كلهم دفعة واحدة، عبر بالإنزال فقال: {أنزل} أي على أيّ وجه كان من أيّ منزل كان {علينا الملائكة} أي كما أنزلت عليه فيما يزعم {أو نرى ربنا} بما له إلينا من الإحسان وما لنا نحن من العظمة بالقوة بالأموال وغيرها، فيأمرنا بما يريد من غير حاجة إلى واسطة. ولما كان هذا القول مما لا ينبغي لبشر أن يجترئ عليه، لأن فيه اعتراضاً على من لا يحد وصف عظمته، ولا تدرك مقاصد حكمته، قال مصدراً بحرف التوقع لما أرشد إليه السياق جواباً لمن كأنه سأل: ما حالهم في هذا؟ {لقد} أي وعزتنا لقد {استكبروا} أي طلبوا بل أوجدوا الكبر. ولما لم يكن لكبرهم ثمرة في الظاهر، لأنه لا يعود بالضرر على أحد غيرهم، قال: {في أنفسهم} أي بطلب رؤية الملائكة. ولما كان حاصل أمرهم أنهم طلبوا رتبة النبي الذي واسطته الملك، وزادوا عليه رؤية جميع الملائكة الآخذين عن الله، وزادوا على ذلك بطلب الرؤية، قال: {وعتو} أي وجاوزوا الحد في الاستكبار بما وراءه من طلبهم رؤية جميع الملائكة ورؤية الملك الجبار، وزاد في تأكيد هذا المعنى لاقتضاء المقام له بقوله: {عتواً كبيراً} وبيان أنهم ما قالوا هذا إلا عتواً وظلماً أن ما جاءهم من الآيات التي أعظمها القرآن دلهم قطعاً بعجزهم عن الإتيان بشيء منه على صدقه صلى الله عليه وسلم عن الله في كل ما يقوله، وفي حسن هذا الاستئناف وفحوى هذا السياق دلالة على التعجب من غير لفظ تعجب فالمعنى: ما أشد استكبارهم وأكبر عتوهم!...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

قال المكذّبون للرسول، المكذبون بوعد الله ووعيده الذين ليس في قلوبهم خوف الوعيد ولا رجاء لقاء الخالق: {لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا} أي: هلا نزلت الملائكة تشهد لك بالرسالة وتؤيّدك عليها أو تنزل رسلا مستقلين، أو نرى ربنا فيكلمنا ويقول: هذا رسولي فاتبعوه؟ وهذا معارضة للرسول بما ليس بمعارض بل بالتكبر والعلوّ والعتوّ. {لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ} حيث اقترحوا هذا الاقتراح وتجرأوا هذه الجرأة، فمن أنتم يا فقراء ويا مساكين حتى تطلبوا رؤية الله وتزعموا أن الرسالة متوقف ثبوتها على ذلك؟ وأي كبر أعظم من هذا؟. {وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا} أي: قسوا وصلبوا عن الحق قساوة عظيمة، فقلوبهم أشد من الأحجار وأصلب من الحديد لا تلين للحق، ولا تصغى للناصحين فلذلك لم ينجع فيهم وعظ ولا تذكير ولا اتبعوا الحق حين جاءهم النذير، بل قابلوا أصدق الخلق وأنصحهم وآيات الله البينات بالإعراض والتكذيب والمعارضة، فأي عتوّ أكبر من هذا العتوّ؟ "ولذلك بطلت أعمالهم واضمحلّت، وخسروا أشد الخسران، وحرموا غاية الحرمان...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

يبدأ هذا الشوط من السورة بما يشبه بدء الشوط الأول، ويسير سيرته في تقديم ما يتطاول به المشركون على ربهم، وما يتفوهون به من اعتراضات واقتراحات، مقدمة لما يتطالون به على رسول الله [صلى الله عليه وسلم] في مقام تسليته وتعزيته. غير أن السياق هنا يعجل بعرض ما ينتظرهم من عذاب الآخرة عقابا على ذلك التطاول، في سلسلة متصلة من مشاهد القيامة، ردا على قولهم: (لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا).. ثم يعرض اعتراضاتهم على تنزيل القرآن منجما، ويعقب ببيان الحكمة من تنزيله متتابعا، ويطمئن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] على عون الله له كلما تحدوه في جدل: (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا).. ويعرض عليه وعليهم مصارع المكذبين قبلهم، ويوجه نظرهم إلى مصرع قوم لوط، وهم يمرون على قريته المدمرة، مستنكرا ألا يحرك قلوبهم منظرها وهم يمرون عليها.. كل أولئك مقدمة لعرض استهزائهم بشخصه [صلى الله عليه وسلم] وتطاولهم على مقامه، وما يكاد يعرض هذا حتى يعقب عليه تعقيبا قويا، يحقرهم فيه ويحتقرهم: (إن هم إلا كالأنعام، بل هم أضل سبيلا)..

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

ومعنى: {لا يرجون} لا يظنون ظنّاً قريباً، أي يَعُدّون لقاء الله محالاً. ومقصدهم من مقالهم أنهم أعلى من أن يتلقوا الدين من رجل مثلهم، ولذلك عقب بقوله: {لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتواً كبيراً} على معنى التعجيب من ازدهائهم وغرورهم الباطل. والجملة استئناف يتنزّل منزلة جواب عن قولهم. والتأكيد بلام القسم لإفادة معنى التعجيب لأن القسم يستعمل في التعجب... والاستكبار: مبالغة في التكبر، فالسين والتاء للمبالغة مثل استجاب. و {فِي} للظرفية المجازية؛ شبهت أنفسهم بالظروف في تمكن المظروف منها، أي هو استكبار متمكن منهم كقوله تعالى: {وفي أنفُسِكم أفلا تُبصرون} [الذاريات: 21]. ويجوز أن تكون {في} للتعليل كما في الحديث "دخلتِ امرأة النارَ في هِرَّةٍ حَبَسْتَها "الحديث، أي استكبروا لأجل عظمة أنفسهم في زعمهم. وليست الظرفية حقيقية لِقلّة جدوى ذلك؛ إذ من المعلوم أن الاستكبار لا يكون إلا في النفس لأنه من الأفعال النفسية.

والعُتوّ: تجاوز الحد في الظلم، وتقدم في قوله تعالى: {وعَتوا عن أمر ربّهم} في الأعراف (77). وإنما كان هذا ظلماً لأنهم تجاوزوا مقدار ما خولهم الله من القابلية. وفي هذا إيماء إلى أن النبوءة لا تكون بالاكتساب وإنما هي إعداد من الله تعالى قال: {الله أعلم حيث يجعل رسالاته} [الأنعام: 124]...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا} فيه إشارة إلى أن السبب في لجاجتهم في الكفر وإنكارهم للمعجزات، وعدم تعلقهم للحقائق هو أنهم لا يرجون لقاء الله، ولو رجوا لقاء الله، لعملوا حساب هذا اللقاء واهتدوا بدل الكفران...

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

منذ نبتت نابتة سوء من أولياء الشيطان، وأعلنوا حرب التزييف والتشويه والطعن على أولياء الرحمان، وهم يدورون في حلقة مفرغة، يرددون طبقة بعد طبقة، نفس القول المتهافت المبتذل، من كل هراء، وسلاحهم الوحيد هو سلاح العناد والجدال والمراء، ولذلك نجد كتاب الله يلاحقهم بقوارعه في كل جيل، ويسلط الأضواء الكاشفة على ما هم متصفون به من سفه وتدجيل. وقد تصدى كتاب الله في هذا الربع للكشف عن تُرّهاتهم وإبطال شبهاتهم، وحكاية مزاعمهم التي لا تستند إلى أساس، وتحدياتهم التي بلغت الغاية في الإسفاف والإفلاس. ومن هذه المزاعم والتحديات ما حكاه عنهم كتاب الله تعبيرا عن كفرهم بلقاء الله وشكهم في البعث والنشور، إذ قال تعالى: {وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا} ثم أتبع كتاب الله تحديهم ببيان الحافز عليه، والمصير المفجع الذي يؤدي إليه، فقال تعالى: {لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا}...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

ثم يقول سبحانه:

{وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوّاً كبيرا}:

واللقاء: يعني البعث، وقد آمنا بالله غيبا، وفي الآخرة نؤمن به تعالى مشهدا {لمن الملك اليوم... 16} (غافر): حتى من لم يؤمن في الدنيا سيؤمن في الآخرة...

كل ما يغيظهم أن يكون الرسول بشرا، وهذا الاستدراك يدل على غبائهم، فلو جاء الرسول ملكا ما صح أن يكون لهم قدوة، وما جاء الرسول إلا ليكون قدوة ومعلما للمنهج وأسوة سلوك، ولو جاء ملكا لأمكنه نعم أن يعلمنا منهج الله، لكن لا يصح أن يكون لنا أسوة سلوك، فلو أمرك بشيء وهو ملك لكان لك أن تعترض عليه تقول: أنت ملك تقدر على ذلك، أما أنا فبشر لا أقدر عليه.

فالحق سبحانه يقول: لاحظوا أن للرسل مهمتين: مهمة البلاغ، ومهمة الأسوة السلوكية، فلو أنهم كانوا من غير طبيعة البشر لتأتى لهم البلاغ، لكن لا يتأتى لهم أن يكونوا قدوة ونموذجا يحتذى.