روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا} (75)

{ أولئك } إشارة إلى المتصفين بما فصل في حيز الصلات من حيث اتصافهم به ؛ وفيه دلالة على أنهم متميزون منتظمون بسببه في سلك الأمور المشاهدة ، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل ، وهو مبتدأ خبره جملة قوله تعالى : { يُجْزَوْنَ الغرفة } والجملة على الأقرب استئناف لا محل لها من الإعراب مبينة لما لهم في الآخرة من السعادة الأبدية إثر بيان ما لهم في الدنيا من الأعمال السنية ، و { الغرفة } الدرجة العالية من المنازل وكل بناء مرتفع عال ، وقد فسرت هنا على ما روي عن ابن عباس ببيوت من زبرجد ودر وياقوت .

وأخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول » عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه : " قال فيها بيوت من ياقوتة حمراء أو زبرجدة خضراء أو درة بيضاء ليس فيها فصم ولا وصم " ، وقيل : أعلى منازل الجنة ، ولا يأباه الخبر لجواز أن تكون الغرف الموصوفة فيه هناك ، وروي عن الضحاك أنها الجنة ، وقيل : السماء السابعة ، وعلى تفسيرها بجمع ، ويؤيده قوله تعالى : { وَهُمْ فِى الغرفات ءامِنُونَ } [ سبأ : 37 ] وقرىء فيه في الغرفة يكون المراد بها الجنس وهو يطلق على الجمع كما سمعت آنفاً ، وإيثار الجمع هنالك على ما قال الطيبي لأنها رتبت على الإيمان والعمل الصالح ولا خفاء في تفاوت الناس فيهما وعلى ذلك تتفاوت الأجزية ، وههنا رتب على مجموع الأوصاف الكاملة فلذا جىء بالواحد دلالة على أن الغرف لا تتفاوت { بِمَا صَبَرُواْ } أي بسبب صبرهم على أن الباء للسببية وما مصدرية ، وقيل : هي للبدل كما في قوله :

فليت لي بهم قوماً إذا ركبوا *** شنوا الاغارة فرساناً وركبانا

أي بدل صبرهم ولم يذكر متعلق الصبر ليعم ما سلف من عبادتهم فعلاً وتركاً وغيره من أنواع العبادة والكل مدمج فيه فإنه إما عن المعاصي وإما على الطاعات وإما على الله تبارك وتعالى وهو أعلى منهما ويعلم من ذلك وجه إيثار { صَبَرُواْ } على فعلوا { وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وسلاما } أي تحييهم الملائكة عليهم السلام ويدعون لهم بطول الحياة والسلامة عن الآفات أو يحيي بعضهم بعضاً ويدعو له بذلك ، والمراد من الدعاء به التكريم وإلقاء السرور والمؤانسة وإلا فهو متحقق لهم ويعطون التبقية والتخليد مع السلامة من كل آفة فليس هناك دعاء أصلاف .

وقرأ طلحة . ومحمد اليماني . وأهل الكوفة غير حفص { يُلْقُون } بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف .

ومن باب الإشارة : { أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الغرفة } وهو مقام العندية { بِمَا صَبَرُواْ } في البداية على تكاليف الشريعة ، وفي الوسط على التأدب بآداب الطريقة ، وفي النهاية على ما تقتضيه الحقيقة { وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً } هي أنس الأسرار بالحي القيوم { وسلاما } [ الفرقان : 75 ] وهو سلامة القلوب من طور القطيعة

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا} (75)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفت صفتهم من عبادي، وذلك من ابتداء قوله:"وَعِبادُ الرّحْمَنِ الّذِينَ يَمْشُونَ على الأرْضِ هَوْنا" إلى قوله: "وَالّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنا هَبْ لَنا مِنْ أزْوَاجِنا... ""يُجْزَوْنَ" يقول: يُثابون على أفعالهم هذه التي فعلوها في الدنيا "الغُرْفَةَ" وهي منزلة من منازل الجنة رفيعة "بِمَا صَبرُوا" يقول: بصبرهم على هذه الأفعال، ومقاساة شدتها.

وقوله: "وَيُلَقّوْنَ فِيها تَحِيّةً وَسَلاما":... وتتلقاهم الملائكة فيها بالتحية.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

ثم أخبر عن جزائهم في الآخرة بصنيعهم في الدنيا وصبرهم على ما أمروا، فقال: {أولئك يجزون الغرفة بما صبروا}، والغرفة، هي أعلى المنازل، وأشرفها. أخبر أنهم يجزون ذلك، ويكونوا فيها...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

المراد يجزون الغرفات وهي العلالي في الجنة، فوحد اقتصاراً على الواحد الدال على الجنس، والدليل على ذلك قوله: {وَهُمْ فِي الغرفات ءامِنُونَ} [سبأ: 37] وقراءة من قرأ: في الغرفة {بِمَا صَبَرُواْ} بصبرهم على الطاعات، وعن الشهوات، وعن أذى الكفار ومجاهدتهم، وعلى الفقر وغير ذلك. وإطلاقه لأجل الشياع في كل مصبور عليه.

والتحية: دعاء بالتعمير. والسلام: دعاء بالسلامة، يعني أن الملائكة يحيونهم ويسلمون عليهم. أو يحيي بعضهم بعضاً ويسلم عليه.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما وصف سبحانه عباده المؤمنين بضد أوصاف الكافرين من الرفق والسكينة، والتواضع والحلم والطمأنينة والشكر لربهم والرغبة إليه والرهبة منه. وقال الرازي: فوصف مشيهم وخطابهم وانتصابهم له ودعاءهم ونفقاتهم ونزاهتهم وتيقظهم وانتباههم وصدقهم ومحبتهم ونصحهم. تشوف السامع إلى ما لهم عنده بعد المعرفة بما للكافرين، فابتدأ الخبر عن ذلك بتعظيم شأنهم فقال: {أولئك} أي العالو الرتبة، العظيمو المنزلة. ولما كان المقصود إنما هو الجزاء، بني للمفعول قوله: {يجزون} أي فضلاً من الله على ما وفقهم له من هذه الأعمال الزاكية، والأحوال الصافية {الغرفة} أي التي هي لعلوها واتساعها وطيبها لا غرفة غيرها، لأنها منتهى الطلب، وغاية الأرب، لا يبغون عنها حولاً، ولا يريدون بها بدلاً، وهي كل بناء عال مرتفع، والظاهر أن المراد بها الجنس.

ولما كانت الغُرَب في غابة التعب لمنافاتها لشهوات النفس وهواها وطبع البدن، رغب فيها بأن جعلها سبباً لهذا الجزاء فقال: {بما صبروا} أي أوقعوا الصبر على أمر ربهم ومرارة غربتهم بين الجاهلين في أفعالهم وأقوالهم وأحوالهم، وغير ذلك من معاني جلالهم.

ولما كان المنزل لا يطيب إلا بالكرامة والسلامة، قال: {ويلقون} أي يجعلهم الله لاقين بأيسر أمر... {فيها تحية} أي دعاء بالحياة من بعضهم لبعض، ومن الملائكة الذين لا يرد دعاؤهم، ولا يمترى في إخبارهم، لأنهم عن الله ينطقون، وذلك على وجه الإكرام والإعظام مكان ما أهانهم عباد الشيطان {وسلاماً} أي من الله ومن الملائكة وغيرهم، وسلامة من كل آفة مكان ما أصابوهم بالمصائب.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

التصدير باسم الإشارة للتنبيه على أن ما يَرد بعده كانوا أحرياء به لأجل ما ذُكر قبل اسم الإشارة. وتلك مجموع إحدى عشرة خصلة وهي: التواضع، والحلم، والتهجد، والخوف، وترك الإسراف، وترك الإقتار، والتنزه عن الشرك، وترك الزنا، وترك قتل النفس، والتوبةُ، وترك الكذب، والعفوُ عن المسيء، وقبولُ دعوة الحق، وإظهار الاحتياج إلى الله بالدعاء. واسم الإشارة هو الخبر عن قوله {وعباد الرحمن} [الفرقان: 63] كما تقدم على أرجح الوجهين.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

لعل كلمة الغرفة واردةٌ على سبيل الكناية عن الدرجة العالية في الجنة، والمقصود بالصبر الذي يبلغ به هؤلاء علوّ الدرجة في الجنة، الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصيته، والصبر على ما يصيبهم من البلاء، لأن ذلك يدل على الالتزام العميق، والروحية العالية، والإِرادة الصلبة، والوعي العميق، والارتباط بالله من أوثق المواقع، ليكون لهم السعادة في الحصول على رضاه، في مواجهة غضب كل الناس مع كل ضغوط الحرمان المادية والنفسية والمعنوية على حياتهم.

وهكذا تؤكد هذه الآية وغيرها من الآيات أن الصبر يمثل الإطار للمضمون الإيمانيّ في حياة الناس الذي يحتوي كل مواقع الحياة الرسالية ومواقفها. فبالصبر يحصل الفلاح، وبالصبر يتأكد الخير والحق والصلاح، وبالصبر ينال الناس ما عند الله من النعيم والسعادة والرضوان في الجنة.. ويلقّون فيها التحية من الله، والسلام من ملائكته، في ما يعبر عنه من اللطف والرعاية والرحمة والحنان. وهكذا نرى أن عباد الرحمن الذين يختصهم الله برحمته، ويدعوهم إلى جنته، ويشملهم برضوانه، هم الذين تتجسد فيهم ملامح الشخصية الإسلامية في الإيمان بالله الواحد واليوم الآخر، وفي التجسيد العملي في التزام طاعة الله في أمره ونهيه، وتطلّعهم إلى السموّ الروحي في آفاقه، والارتفاع المتحرك في طريقه، وفي الاندماج بالمجتمع الذي يلتقي على كلمته. وإذا كان الله قد تحدث عن بعض صفات هؤلاء الفتية من عباد الرحمن المخلصين، فإن الحديث يطرح هذه الأمور كنماذج للصفات الإيجابية والسلبية التي تمتد في كل أحكام الله في ما تمثله من قاعدةٍ أخلاقيةٍ متحركةٍ في مفرداتها العملية في حياة الإنسان، فإن الله يريد له أن يتخلق بأخلاقه ويلتزم بكل أحكامه ويجعل كل حياته صورةً حيةً لما هو الإسلام، ولما هو الإيمان في مفاهيمه العقيدية والروحية والعملية.