فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني - الشوكاني  
{أُوْلَـٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا} (75)

والإشارة بقوله : { أولئك يُجْزَوْنَ الغرفة بِمَا صَبَرُواْ } إلى المتصفين بتلك الصفات ، وهو مبتدأ وخبره ما بعده ، والجمل مستأنفة . وقيل إن { أولئك } وما بعده خبر لقوله : { وَعِبَادُ الرحمن } كذا قال الزجاج ، والغرفة : الدرجة الرفيعة ، وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها ، وهي في الأصل لكلّ بناء مرتفع ، والجمع غرف . وقال الضحاك : الغرفة الجنة ، والباء في { بِمَا صَبَرُواْ } سببية ، وما مصدرية : أي يجزون الغرفة بسبب صبرهم على مشاق التكليف { وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وسلاما } قرأ أبو بكر والمفضل والأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وخلف : { يلقون } بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف ، واختار هذه القراءة الفراء ، قال : لأن العرب تقول : فلان يلقي بالسلام والتحية والخير ، وقلّ ما يقولون يلقي . وقرأ الباقون بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف ، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم لقوله : { ولقاهم نَضْرَةً وَسُرُوراً } [ الإنسان : 11 ] ، والمعنى : أنه يحيي بعضهم بعضاً ، ويرسل إليهم الربّ سبحانه بالسلام ، قيل التحية البقاء الدائم والملك العظيم ، وقيل هي بمعنى السلام ، وقيل إن الملائكة تحييهم وتسلم عليهم ، والظاهر أن هذه التحية والسلام هي من الله سبحانه لهم ، ومن ذلك قوله سبحانه : { تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سلام } [ الأحزاب : 44 ] ، وقيل معنى التحية : الدعاء لهم بطول الحياة . ومعنى السلام : الدعاء لهم بالسلامة من الآفات .

/خ77