روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ} (201)

فقوله تعالى : { حتى يَرَوُاْ العذاب الاليم } الملجئ إلى الإيمان به وحينئذ لا ينفعهم ذلك .

والمراد بالمجرمين المشركون الذين عادت عليهم الضمائر من { لَهُمْ * وَعَلَيْهِمْ * وَكَانُواْ } وعدل عن ضميرهم إلى ما ذكر تأكيداً لذمهم ، وقال الزمخشري في معنى ذلك : أي مثل هذا السلك سلكناه في قلوبهم وهكذا مكناه وقررناه فيها وعلى مثل هذه الحال وهذه الصفة من الكفر به والتكذيب له وضعناه فيها فكيف ما فعل بهم وصنع ، وعلى أي وجه دبر أرهم فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه من جحوده وإنكاره كما قال سبحانه : { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كتابا فِى قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } [ الأنعام : 7 ] موقع قوله تعالى : { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } الخ مما قبله موقع الموضح والملخص لأنه مسوق لثباته مكذباً مجحوداً في قلوبهم فاتبع ما يقرر هذا المعنى من أنهم لا يزالون على التكذيب به وجحوده حتى يعاينوا الوعيد . ويجوز أن يكون حالاً أي سلكناه فيها غير مؤمن به اه .

وتعقب بأن الأول هو الأنسب بمقام بيان غاية عنادهم ومكابرتهم مع تعاضد أدلة الإيمان وتناجد مبادئ الهداية والإرشاد وانقطاع أعذارهم بالكلية ، وقد يقال : إن هذا التفسير أوفق بتسليته صلى الله عليه وسلم التي هي كالمبنى لهذه السورة الكريمة وبها صدرت حيث قال سبحانه : { لَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ أَن لا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } [ الشعراء : 3 ] كأنه جل وعلا بعد أن ذكر فرط عنادهم وشدة شكيمتهم في المكابرة وهو تفسير واضح في نفسه فهو عندي أولى مما تقدم .

وفي المطلع أن الضمير للتكذيب والكفر المدلول عليه بقوله تعالى : { مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ } [ الشعراء : 199 ] وبه قال يحيى بن سلام ، وروي عن ابن عباس . والحسن ، والمعنى كذلك سلكنا التكذيب بالقرآن والكفر به في قلوب مشركي مكة ومكناه فيها ، وقوله تعالى : { لاَ يُؤْمِنُونَ } الخ واقع موقع الإيضاح لذلك ولا يظهر على هذا الوجه كونه حالاً ولا أرى لهذا المعنى كثرة بعد عن قول من قال أي على مثل هذا السلك سلكنا القرآن وعلى مثل هذه الحال وهذه الصفة من الكفر به والتكذيب له وضعناه في قلوبهم ، وحاصل الأول كذلك سلكنا التكذيب القرآن في قلوبهم .

وحاصل هذا وكذلك سلكنا القرآن بصفة التكذيب به في قلوبهم فتأمل ، وجوز جعل الضمير للبرهان الدال عليه قوله تعالى : { أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ ءايَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِى إسرائيل } [ الشعراء : 197 ] وهو بعيد لفظاً ومعنى ، هذا وذهب بعضهم إلى أن المراد بالمجرمين غير الكفرة المتقدمين الذين عادت عليهم الضمائر وهم مشركو مكة من المعاصرين لهم وممن يأتي بعدهم وذلك إشارة إلى السلك في قلوب أولئك المشركين أي مثل ذلك السلك في قلوب مشركي مكة سلكناه في قلوب المجرمين غيرهم لاشتراكهم في الوصف ، وقوله سبحانه : { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } الخ بيان لحال المشركين المتقدمين الذين اعتبروا في جانب المشبه به أو إيضاح لحال المجرمين وبيان لما يقتضيه التشبيه وهو كما ترى ؛ ونقل في «البحر » عن ابن عطية أنه أريد مجرمي كل أمة أي إن سنة الله تعالى فيهم أنهم لا يؤمنون حتى يروا العذاب فلا ينفعهم الإيمان بعد تلبس العذاب بهم ، وهذا على جهة المثال لقريش أي هؤلاء كذلك ، وكشف الغيب بما تضمنته الآية يوم بدر انتهى ، وكأنه جعل ضمير { سَلَكْنَاهُ } [ الشعراء : 200 ] لمطلق الكفر لا للكفر بالقرآن ، وضمير { بِهِ } لله تعالى أو لما أمروا بالإيمان به للقرآن وإلا فلا يكاد يتسنى ذلك ، وعلى كل حال لا ينبغي أن يعول عليه .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ} (201)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{لا يؤمنون به} يعني: بالقرآن {حتى يروا العذاب الأليم} يعني: الوجيع.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وقوله:"لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حتى يَرَوا العَذَابَ الأَلِيمَ" يقول: فعلنا ذلك بهم لئلا يصدّقوا بهذا القرآن، حتى يروا العذاب الأليم في عاجل الدنيا، كما رأت ذلك الأمم الذين قصّ الله قصصهم في هذه السورة.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

إخبار منه تعالى عن قوم من الكفار أنهم يموتون على كفرهم بأنهم لا يؤمنون حتى يشاهدوا العذاب المؤلم، فيصيرون عند ذلك ملجئين إلى الإيمان، ومعنى "حتى يروا العذاب "أي حتى يشاهدوا أسبابه من نيران مؤججة لهم يساقون إليها، لا يردهم عنها شيء. ويحتمل حتى يعلموه في حال حلوله بهم علم ملابسته لهم.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

... فإن قلت: ما موقع {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} من قوله: {سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ المجرمين}؟ قلت: موقعه منه موقع الموضح والملخص؛ لأنه مسوق لثباته مكذباً مجحوداً في قلوبهم، فأتبع ما يقرّر هذا المعنى من أنهم لا يزالون على التكذيب به وجحوده حتى يعاينوا الوعيد. ويجوز أن يكون حالاً، أي: سلكناه فيها غير مؤمن به.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

{لا يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي: بالحق {حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ} أي: حيث لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان هذا المعنى خفياً، بينه بقوله: {لا يؤمنون به} أي من أجل ما جبلوا عليه من الإجرام، وجعل على قلوبهم من الطبع والختام {حتى يروا العذاب الأليم} فحينئذ يؤمنون حيث لا ينفعهم الإيمان ويطلبون الأمان حيث لا أمان.

تفسير القرآن للمراغي 1371 هـ :

وإجمال ما تقدم: هكذا مكنا التكذيب وقررناه في قلوبهم، فكيفما فعل بهم، وعلى أي وجه دبر أمرهم، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه من جحوده وإنكاره كما قال: {ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} (الأنعام: 7).

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

جملة: {لا يؤمنون به} في موضع الحال من {المجرمين}. والغاية في {حتى يروا العذاب} تهديد بعذاب سيحلّ بهم، وحث على المبادرة بالإيمان قبل أن يحل بهم العذاب. والعذاب صادق بعذاب الآخرة لمن هلكوا قبل حلول عذاب الدنيا، وصادق بعذاب السيف يومَ بدر، ومعلوم أنه {لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل} [الأنعام: 158].

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

أي إن ذلك شأنهم، ولذلك كان النفي داخلا على المضارع، لأن فيه تصويرا لعدم إيمانهم، إذ هم ماديون حسيون لا يؤمنون إلا بالحس، وما يشبهه، هذا معنى قوله: {حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} المؤلم الشديد في إيلامه، أي لا يؤمنون إلا بما يحسون، وكذلك شأن الكافرين لا يؤمنون بالغيب، بل يؤمنون بما يرون ويحسون فقط، والفرق بين الإيمان والكفر هو الإيمان بالغيب، فالكافر لا يؤمن إلا بالحس والتجربة المحسة.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

أي إن هؤلاء المجرمين المعاندين، يظلون على حالهم حتى نزول العذاب... واحتمل بعض المفسّرين في تفسير الآية أن المراد من (كذلك سلكناه في قلوب المجرمين) هو أننا أدخلنا العناد واللجاجة والعصبية وعدم التأثير في قلوب المجرمين، بسبب ذنوبهم وجرمهم. وطبقاً لهذا المعنى فالآية محل البحث تشبه الآية (ختم الله على قلوبهم). إلاّ أن التّفسير الأوّل أكثر انسجاماً مع الآيات السابقة واللاحقة، لذلك فقد اختاره أغلب المفسّرين. أجل، إنّهم لا يؤمنون حتى يروا العذاب (فيأتيهم بغتةً وهم لا يشعرون).