روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ} (166)

{ فَلَمَّا عَتَوْاْ } أي تكبروا { عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ } أي عن ترك ذلك ففي الكلام تقدير مضاف إذ التكبر والأباء عن المنهى عنه لا يذم { قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين } صاغرين أذلاء مبعدين عن كل خير والأمر تكويني لا تكليفي لأنه ليس في وسعهم حتى يكلفوا به ، وهذا كقوله تعالى : { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ النحل : 40 ] في أنه يحتمل أن يكون هناك قول وأن يكون الغرض مجرد التمثيل ، والظاهر أن الله تعالى أوقع بهم نكالا في الدنيا غير المسخ فلم يقلعوا عما كانوا عليه فمسخهم قردة .

وجوز أن يكون المراد بالعذاب البئيس هو المسخ وتكون هذه الآية تفصيلاً لما قبلها . روي عن ابن عباس أن اليهود إنما افترض عليهم اليوم الذي افترض عليكم وهو يوم الجمعة فخالفوا إلى يوم السبت واختاروه فحرم عليهم الصيد فيه وابتلوا به فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعاً بيضاً سماناً حتى لا يرى الماء من كثرتها فمكثوا ما شاء الله تعالى لا يصيدون ثم أتاهم الشيطان فقال : إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فاتخذوا الحياض والشبكات فكانوا يسوقون الحيتان إليها فيه ثم يأخذونها يوم الأحد ، وفي رواية أن رجلاً منهم أخذ حوتاً فحزمه بخيط ثم ضرب له وتدا في الساحل وربطه فيه وتركه في الماء فلما كان الغد جاء فأخذخ وأكله فلاموه على ذلك فلما لم يأته العذاب أخذ في السبت القابل حوتين وفعل ما فعل ولم يصبه شيء فلما رأوا أن العذاب لا يعاجلهم تجاسروا فأخذوا وملحوا وباعوا وكانوا نحوا من اثنى عشر ألفا أو من سبعين ألفا فصار أهل القرية أثلاثاً كما قص الله تعالى فقال المسلمون للمعتدين نحن لا نساكنكم فقسموا القرية بجدار للمسلمين باب وللمعتدين باب وكانت القصة في زمن داود عليه السلام فلعنهم فأصبح المسلمون ذات يوم ولم يخرج من المعتدين أحد فقالوا : إن لهؤلاء لشأنا لعل الخمر غلبتهم فعلوا على الجدار فإذا القوم قردة ففتحوا الباب ودخلوا عليهم فعرفت القردة أنسابها من الانس ولم تعرف الإنس انسابهم منها فجعلت تأتي إلى نسيبها فتشم ثيابه وتبكي فيقول : ألم ننهكم فتقول القردة برأسها نعم ثم ماتوا بعد ثلاث . وعن قتادة أن الشبان صاروا قردة والشيوخ خنازير ، وعن مجاهد أنه مسخت قلوبهم فلم يوفقوا لفعهم الحق . وأخرج ابن جرير وغيره عن الحسن قال : كان حوتاً حرمه الله عليهم في يوم وأحله لهم فيما سوى ذلك فكان يأتيهم في اليوم الذي حرمه الله تعالى عليهم كأنه المخاض ما يمتنع من أحد فجعلوا يهمون ويمسكون وقلما رأيت أحداً أكثر الاهتمام بالذنب إلا واقعة حتى أخذوه فأكلوا والله أوخم أكله أكلها قوم أثقلها خزيا في الدنيا وأطولها عذاباً في الآخرة وايم الله تعالى ما حوت أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله تعالى من قتل رجل مؤمن وللمؤمن أعظم حرمة عند الله سبحانه من حوت ولكن الله عز وجل جعل موعد قوم الساعة والساعة أدهى وأمر .

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أنه كان على شاطىء البحر الذي هم عنده ضمان من حجارة مستقبلان الماء يقال لأحدهما لقيم وللآخرة لقمانة فأوحى الله تعالى إلى السمك إن حج يوم السبت إلى الصنمين وأوحى إلى أهل القرية إني قد أمرت السمك أن يحجوا إلى الصنمين يوم السبت فلا تتعرضوه فيه فإذا ذهب اليوم فشأنكم به فصيدوه فابتلى القوم ووقع منهم ما مسخوا به قردة وفي القلب من صحة هذا الأثر شيء ولعله لا صحة له كما لا يخفى على من يعرف معنى الحج من المصلين ، ويشبه هذين الصنمين عين حق لأن( {[295]} ) قرب جزيرة الحديثة من العراق وهي قريبة من شاطىء الفرات السمك يزورها في أيام مخصوصة من السنة حتى يخيل أنه لم يبق في بطن الفرات حوت إلا قذف إليها فيصيد أهل ذلك الصقع منه ما شاء الله تعالى وينقلونه إلى الجزائر والقرى القريبة منهم كألوس وحبة وعانات وهيت ثم ينقطع فلا ترى سمكة في العين بعد تلك الأيام إلى مثلها من قابل وسبحان الفعال لما يريد ، واستدل بعض أهل العلم بقصة هؤلاء المعتدين على حرمة الحيل في الدين ، وأيد ذلك بما أخرجه ابن بطة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله تعالى بأدنى الحيل » .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ } أي أبوا أن يتركوا ذلك { قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين } [ الأعراف : 166 ] أي جعلنا طباعهم كطباعهم وذلك فوق حرمان قبول الفيض


[295]:- قوله عين حق لأن الخ كذا بالأصل ونص في مسودة المؤلف مطموسة لا يعلم هل هي حقلان أو عفلان أو لا فحرر اهـ.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ} (166)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: فلما تمرّدوا فيما نهوا عنه من اعتدائهم في السبت، واستحلالهم ما حرّم الله عليهم من صيد السمك وأكله وتمادوا فيه "قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ": أي بُعداء من الخير... فصاروا قردة لها أذناب تَعَاوَى بعد ما كانوا رجالاً ونساء...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

قوله تعالى:"كونوا قردة" صيغته صيغة الأمر، والمراد به الإخبار: من أنه جعلهم قردة على وجه يسهل عليه ولم يتعب به ولم ينصب...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

إذا انتهت مدةُ الإمهال فليس بعده إلا حقيقة الاستئصال، وإذا سقط العبدُ من عين الله لم ينتعشْ بعده أبداً...

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي 468 هـ :

{فلما عتوا} أي طغوا واستكبروا.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{فَلَمَّا عَتَوْاْ عَمَّا نُهُواْ عَنْهُ} فلما تكبروا عن ترك ما نهوا عنه، كقوله: {وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ} [الأعراف: 77]، {قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً} عبارة عن مسخهم قردة، كقوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82] والمعنى: أنّ الله تعالى عذبهم أوّلاً بعذاب شديد، فعتوا بعد ذلك فمسخهم. وقيل: فلما عتوا، تكرير لقوله: {فَلَمَّا نَسُواْ} والعذاب البئيس: هو المسخ.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

قوله: {بما كانوا يفسقون} أي لأجل ذلك وعقوبة عليه، و «العتو» الاستعصاء وقلة الطواعية، وقوله: {قلنا لهم} يحتمل أن يكون قولاً بلفظ من ملك أسمعهم ذلك فكان أذهب في الإغراب والهوان والإصغار، ويحتمل أن يكون عبارة عن المقدرة المكونة لهم قردة، وخاسئين: مبعدين...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما ذكر ما هددهم به من العذاب الشديد، أتبعه الهلاك فقال: {فلما عتوا} أي تكبروا جلافة ويبساً عن الانتهاء {عن ما نهوا عنه} أي بعد الأخذ بالعذاب الشديد، وتجاوزوا إلى الاجتراء على جميع المعاصي عناداً وتكبراً بغاية الوقاحة وعدم المبالاة، كان مواقعتهم لذلك الذنب وإمهالهم مع الوعظ أكسبتهم ذلك وغلظت أكبادهم عن الخوف بزاجر العذاب، من عتا يعتو عتواً -إذا أقبل على الآثام، فهو عات، قال عبد الحق في كتابة الواعي: وقيل إذا أقدم على كل أموره، ومنه هذه الآية، وقيل: العاتي هو المبالغ في ركوب المعاصي، وقيل: المتمرد الذي لا ينفع فيه الوعظ والتنبيه، ومنه قوله سبحانه {فعتوا عن أمر ربهم} أي جاوزوا المقدار والحد في الكفر- انتهى. وحقيقته: جاوزوا الأمر إلى النهي، أو جاوزوا الائتمار بأمره، والمادة ترجع إلى الغلظ والشدة والصلابة {قلنا لهم} أي بما لنا من القدرة العظيمة {كونوا قردة} أي في صورة القردة حال كونكم {خاسئين} أي صاغرين مطرودين بعيدين عن الرحمة كما يبعد الكلب...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{فلما عتوا عما نهوا عنه} أي فلما عتوا عن أمر ربهم عتو إباء واستكبار عن ترك ما نهاهم عنه الواعظون {قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} هذا القول للتكوين أي تعلقت إرادتنا بأن يكونوا قردة خاسئين أي صاغرين أذلاء فكانوا كذلك.

قيل: إن هذا بيان وتفصيل للعذاب البئيس في الآية السابقة، وقيل: هو عذاب آخر، وإن الله عاقبهم أولا بالبؤس والشقاء في المعيشة، لأن من الناس من لا يربيه ويهذبه إلا الشدة والبؤس، كما أن منهم من يربيه ويهذبه الرخاء والنعمة، وبكل يبتلي الله عباده ويمتحنهم كما قال: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} [الأنبياء: 35] وقال في بني إسرائيل {وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون} [الأعراف: 168] ولكن هؤلاء القوم لم يزدهم البؤس والسوء إلا عتوا وإصرارا على الفسق والظلم فدمدم عليهم ربهم بذنبهم، ومسخهم مسخ خلق وبدن فكانوا قردة بالفعل، أو مسخ خلق ونفس، فكانوا كالقردة في طيشها وشرها، وإفسادها لما تصل إليه أيديها. والأول قول الجمهور والثاني قول مجاهد قال: مسخت قلوبهم فلم يوفقوا لفهم الحق.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

كان ذلك العذاب البئيس هو المسخ عن الصورة الآدمية إلى الصورة القردية! لقد تنازلوا هم عن آدميتهم، حين تنازلوا عن أخص خصائصها -وهو الإرادة التي تسيطر على الرغبة- وانتكسوا إلى عالم "الحيوان "حين تخلوا عن خصائص "الإنسان". فقيل لهم أن يكونوا حيث أرادوا لأنفسهم من الانتكاس والهوان! أما كيف صاروا قردة؟ وكيف حدث لهم بعد أن صاروا قردة؟ هل انقرضوا كما ينقرض كل ممسوخ يخرج عن جنسه؟ أم تناسلوا وهم قردة؟... إلى آخر هذه المسائل التي تتعدد فيها روايات التفسير... فهذا كله مسكوت عنه في القرآن الكريم؛ وليس وراءه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء.. فلا حاجة بنا نحن إلى الخوض فيه.