{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ } عم كفار قريش قالوا مخاطباً لعضهم لبعض على جهة التعجب والاستهزاء { هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ } يعنون به النبي صلى الله عليه وسلم والتعبير عنه عليه الصلاة والسلام بذلك من باب التجاهل كأنهم لم يعرفوا منه صلى الله عليه وسلم إلا أنه رجل وهو عليه الصلاة والسلام عندهم أظهر من الشمس
وليس قولك من هذا بضائره *** العرب تعرف من أنكرت والعجم
{ يُنَبّئُكُمْ } يحدثكم بأمر مستغرب عجيب . وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما «ينبيكم » بإبدال الهمزة ياء محضة وحكى عنه { يُنَبّئُكُمْ } بالهمز من أنبأ { إِذَا مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } إذا شرطية وجوابها محذوف لدلالة ما بعده عليه أي تبعثون أو تحشرون وهو العامل في إذا على قول الجمهور والجملة الشرطية بتمامها معمولة لينبئكم لأنه في معنى يقول لكم إذا مزقتم كل ممزق تبعثون ثم أكد ذلك بقوله تعالى : { إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } وجوز أن يكون «إنكم لفي خلق جديد » معمولا لينبئكم وهو معلق ولولا اللام في خبر إن لكانت مفتوحة والجملة سدت مسد المفعولين والشرطية على هذا اعترض ، وقد منع قوم التعليق في باب أعلم والصحيح جوازه وعليه قوله :
حذار فقد نبئت أنك للذي *** ستجزي بما تسعى فتسعد أو تشقى
وجوز أن تكون إذا لمحض الظرفية فعاملها الذي دل عليه ما بعد يقدر مقدماً أي تبعثون أو تحشرون إذا مزقتم ، ولا يجوز أن يكون العامل { يدلكم } أو { رَجُلٍ يُنَبّئُكُمْ } لعدم المقارنة ولا { مُزّقْتُمْ } لأن إذاً مضافة إليه والمضاف إليه لا يعمل في المضاف . ولا خلف ولا جديد لأن إن لها الصدر فلا يحمل ما بعدها فيما قبلها .
وقال الزجاج : إذا في موضع النصب بمزقتم وهي بمنزلة من الشرطية يعمل فيها الذي يليها ، وقال السجاوندي : العامل محذوف وما بعدها إنما يعمل فيها إذا كان مجزوماً بها وهو مخصوص بالضرورة نحو
وإذا تصبك خصاصة فتجمل *** فلا يخرج عليه القرآن فإذا لم تجزم كانت مضافة إلى ما بعدها والمضاف إليه لا يعمل في المضاف .
وقال أبو حيان : الصحيح أن العامل فيها فعل الشرط كسائر أدوات الشرط ، وتمام الكلام على ذلك في كتب النحو ، وممزق مصدر جاء على زنة اسم المفعول كمسرح في قوله :
ألم تعلم مسرحي القوافي *** فلا عيابهن ولا اجتلاباً
وتمزيق الشيء تخريقه وجعله قطعاً قطعاً ومنه قوله :
إذا كنت مأكولاً فكن خير آكل *** وإلا فأدركني ولما أمزق
والمراد إذاً متم وفرقت أجسادكم كل تفريق بحيث صرتم رفاتاً وتراباً ، ونصب { كُلٌّ } على المصدرية .
وجوز أن يكون اسم مكان فنصب كل على الظرفية لأن لها حكم ما تضاف إليه أي إذا فرقت أجسادكم في كل مكان من القبور وبطون الطير والسباع وما ذهبت به السيول كل مذهب وما نسفته الرياح فطرحته كل مطرح ، و { جَدِيدٍ } فعيل بمعنى فاعل عند البصريين من جد الشيء إذا صار جديداً وبمعنى مفعول عند الكوفيين من جده إذا قطعه ثم شاع في كل جديد وإن لم يكن مقطوعاً كالبناء ، والسبب في الخلاف أنهم رأوا العرب لا يؤنثونه ويقولون ملحفة جديد لا جديدة فذهب الكوفيون إلى أنه بمعنى مفعول والبصريون إلى خلافه وقالوا ترك التأنيث لتأويله بشيء جديد أو لحمله على فعيل بمعنى مفعول كذا قيل .
{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ( 7 ) }
وقال الذين كفروا بعضهم لبعض استهزاء : هل ندلكم على رجل ( يريدون محمدًا صلى الله عليه وسلم ) يخبركم أنكم إذا متم وتفرقت أجسامكم كل تفرُّق ، إنكم ستُحيون وتُبعثون من قبوركم ؟ قالوا ذلك مِن فرط إنكارهم .
ثم حكى - سبحانه - ما قاله ألوئك الكافرون فيما بينهم ، على سبيل الاستهزاء بالنبى صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى - : { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ } .
وتمزيق الشئ : تخريقه وجعله قطعا قطعا . يقال : ثوب ممزق ومزيق . إذا كان مقطعا مخرقا . والمراد بالرجل : الرسول صلى الله عليه وسلم .
أى : وقال الذين كفروا بعضهم لبعض ، ألا تريدون أن ندلكم ونرشدكم إلى رجل ، هذا الجرل يخبركم ويحدثكم ، بأنكم إذا متم ، وفرقت أجسامكم فى الأرض كل تفريق ، وصرتم رفاتا وعظاما ، وأصبحتم طعاما فى بطون الطيور والوحوش .
{ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } أى : إنكم بعد هذا التمزيق والتفريق ، تخلقون خلقا جديدا ، وتعودون إلى الحياة مرة أخرىن للحساب على أعمالكم التى علمتموها فى حياتكم .
وقالوا : { هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ } وهو صلى الله عليه وسلم أشهر من نار على علم بينهم ، لقصد تجاهل أمره ، والاستخفاف بشأنهن والاستهزاء بدعوته .
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال : فإن قلت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهورا علما فى قريش ، وكان إنباؤه بالبعث شائعا بينهم ، فما معنى قولهم : { هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ } فنكروه لهم ، وعرضوا عليهم الدلالة عليه كما يدل على مجهول فى أمر مجهول ؟
قلت : كانوا يقصدون بذلك الطَّنز - أى : الاستخفاف والسخرية - فأخرجوه مخرج التحلى ببعض الأحاجى التى يتحاجى بها للضحك والتلهى ، متجاهلين به وبأمره .
وقال الآلوسى - رحمه الله - : وقوله : { يُنَبِّئُكُمْ } أى يحدثكم بأمر مستغرب عجيب . . وإذا فى قوله : { إِذَا مُزِّقْتُمْ } شرطية ، وجوابها محذوف لدلالة ما بعده عليه . أى : تبعثون أو تحشرون ، وهو العامل فى " إذا " على قول الجمهور ، والجملة الشرطية بتمامها معمولة لقوله : { يُنَبِّئُكُمْ } لأنه فى معنى يقول لكم إذا مزقتم كل ممزق تبعثون ، ثم أكد ذلك بقوله - تعالى - : { إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ }
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.