روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ} (26)

{ أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ } الهمزة للإنكار والواو للعطف على منوى يقتضيه المقام ويناسب المعطوف معنى على ما اختاره غير واحد ، وفعل الهداية إما من قبيل فلان يعطى في أن المراد إيقاع نفس الفعل بلا ملاحظة المفعول ، وإما بمعنى التبيين والمفعول محذوف والفاعل ضمير عائد إلى ما في الذهن ويفسره قوله تعالى :

{ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مّنَ القرون } وكم في محل نصب باهلكنا أي أغفلوا ولم يفعل الهداية لهم أو ولم يبين لهم مآل أمرهم أو طريق الحق كثرة من أهلكنا أو كثرة اهلاك من أهلكنا من القرون الماضية مثل عاد . وثمود . وقوم لوط ، ولا يجوز أن تكون { كَمْ } فاعلا لصدارتها كما نص على ذلك الزجاج حاكياً له عن البصريين ، وقال الفراء : كم في موضع رفع بيهد كأنك قلت : أو لم يهد لهم القرون الهالكة فيتعظوا ولا أن يكون محذوفاً لأن الفاعل لا يحذف إلا في مواضع مخصوصة ليس هذا منها ولا مضمراً عائداً إلى ما بعد لأنه يلزم عود الضمير إلى متأخر لفظاً ورتبة في غير محل جوازه ، ولا الجملة نفسها لأنها لا تقع فاعلاً على الصحيح إلا إذا قصد لفظها نحو تعصم لا إله إلا الله الدماء والأموال ، وجوز أن يكون الفاعل ضميره تعالى شأنه لسبق ذكره سبحانه في قوله تعالى : { إِنَّ رَبَّكَ } الخ وأيد بقراءة زيد { عَرَّفَهَا لَهُمْ } بنون العظمة ، قال الخفاجي : والفعل بكم عن المفعول وهو مضمون الجملة لتضمنه معنى العلم فلا تغفل .

{ يَمْشُونَ في مساكنهم } أي يمرون في متاجرهم على ديارهم وبلادهم ويشاهدون آثار هلاكهم ، والجملة حال من ضمير { لَهُمْ } ، وقيل : من { القرون } ، والمعنى أهلكناهم حال غفلتهم ، وقيل : مستأنفة بيان لوجه هدايتهم .

وقرأ ابن السميقع { يَمْشُونَ } بالتشديد على أنه تفعيل من المشي للتكثير { إِنَّ في ذَلِكَ } أي فيما ذكر من اهلاكنا للأمم الخالية العاتية أو في مساكنهم { لاَيَاتٍ } عظيمة في أنفسها كثيرة في عددها { لاَ يَسْمَعُونَ } هذه الآيات سماع تدبر واتعاظ .

 
التفسير الميسر لمجموعة من العلماء - التفسير الميسر [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ} (26)

{ أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ ( 26 ) }

أولم يتبين لهؤلاء المكذبين للرسول : كم أهلكنا من قبلهم من الأمم السابقة يمشون في مساكنهم ، فيشاهدونها عِيانًا كقوم هود وصالح ولوط ؟ إن في ذلك لآيات وعظات يُستدَلُّ بها على صدق الرسل التي جاءتهم ، وبطلان ما هم عليه من الشرك ، أفلا يسمع هؤلاء المكذبون بالرسل مواعظ الله وحججه ، فينتفعون بها ؟

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ} (26)

ثم يسوق - سبحانه - فى أواخر السورة ما من شأنه أن يهدى الضالين إلى الصراط المستقيم ، وما يرشدهم إلى مظاهر نعمه عليهم ، وما يزيد النبى صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم ثباتاً على ثباته ، ويقيناً على يقينة ، فيقول - عز وجل - { أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا . . . إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ } .

والاستفهام فى قوله - تعالى - : { أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا . . . } لإِنكار عدم اهتدائهم إلى ما ينفعهم مع وضوح أسباب هذا الاهتداء . والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام . والخطاب للمشركين وعلى رأسهم كفار مكة . و " كم " خبرية بمعنى كثير . فى محل نصب لأهلكنا .

والمعنى : أغفل هؤلاء المشركون عما أصاب الظالمين من قبلهم ، ولم يتبين لهم - لانطماس بصائرهم - أننا قد أهلكنا كثيراً من أهل الأزمان السابقة من قبلهم ، بسبب تكذيبهم لأنبيائهم ، وإيثارهم الكفر على الإِيمان .

وقوله - تعالى - { يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ } حال من الضمير فى { لَهُمْ } ، لتسجيل أقصى أنواع الجهالة والعناد عليهم . أى : أبلغ بهم الجهل والعناد أنهم لم يعتبروا بالقرون المهلكة من قبلهم ، مع أنهم يمشون فى مساكن هؤلاء السابقين ، ويمرون على ديارهم مصبحين وممسين ، ويرون بأعينهم آثارهم الدارسة ، وبيوتهم الخاوية على عروشها .

ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يزيد فى تبكيتهم وتقريعهم فقال : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ } .

أى : إن فى ذلك الذى يرونه من مصارع الغابرين ، وآثار الماضين ، لآيات بينات ، وعظات بليغات ، فهلا تدبروا فى ذلك ، واستمعوا إلى صوت الحق بتعقل وتفهم ؟

فقوله - تعالى - : { أَفَلاَ يَسْمَعُونَ } حض لهم على الاستماع إلى الآيات الدالة على سوء عاقبة الظالمين ، بتدبر وتعقل واتعاظ ، وتحول من الباطل إلى الحق ، قبل أن يحل بهم ما حل بأهل الأزمنة الغابرة .