روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلۡ نَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ يُنَبِّئُكُمۡ إِذَا مُزِّقۡتُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمۡ لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍ} (7)

{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ } عم كفار قريش قالوا مخاطباً لعضهم لبعض على جهة التعجب والاستهزاء { هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ } يعنون به النبي صلى الله عليه وسلم والتعبير عنه عليه الصلاة والسلام بذلك من باب التجاهل كأنهم لم يعرفوا منه صلى الله عليه وسلم إلا أنه رجل وهو عليه الصلاة والسلام عندهم أظهر من الشمس

وليس قولك من هذا بضائره *** العرب تعرف من أنكرت والعجم

{ يُنَبّئُكُمْ } يحدثكم بأمر مستغرب عجيب . وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما «ينبيكم » بإبدال الهمزة ياء محضة وحكى عنه { يُنَبّئُكُمْ } بالهمز من أنبأ { إِذَا مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } إذا شرطية وجوابها محذوف لدلالة ما بعده عليه أي تبعثون أو تحشرون وهو العامل في إذا على قول الجمهور والجملة الشرطية بتمامها معمولة لينبئكم لأنه في معنى يقول لكم إذا مزقتم كل ممزق تبعثون ثم أكد ذلك بقوله تعالى : { إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } وجوز أن يكون «إنكم لفي خلق جديد » معمولا لينبئكم وهو معلق ولولا اللام في خبر إن لكانت مفتوحة والجملة سدت مسد المفعولين والشرطية على هذا اعترض ، وقد منع قوم التعليق في باب أعلم والصحيح جوازه وعليه قوله :

حذار فقد نبئت أنك للذي *** ستجزي بما تسعى فتسعد أو تشقى

وجوز أن تكون إذا لمحض الظرفية فعاملها الذي دل عليه ما بعد يقدر مقدماً أي تبعثون أو تحشرون إذا مزقتم ، ولا يجوز أن يكون العامل { يدلكم } أو { رَجُلٍ يُنَبّئُكُمْ } لعدم المقارنة ولا { مُزّقْتُمْ } لأن إذاً مضافة إليه والمضاف إليه لا يعمل في المضاف . ولا خلف ولا جديد لأن إن لها الصدر فلا يحمل ما بعدها فيما قبلها .

وقال الزجاج : إذا في موضع النصب بمزقتم وهي بمنزلة من الشرطية يعمل فيها الذي يليها ، وقال السجاوندي : العامل محذوف وما بعدها إنما يعمل فيها إذا كان مجزوماً بها وهو مخصوص بالضرورة نحو

وإذا تصبك خصاصة فتجمل *** فلا يخرج عليه القرآن فإذا لم تجزم كانت مضافة إلى ما بعدها والمضاف إليه لا يعمل في المضاف .

وقال أبو حيان : الصحيح أن العامل فيها فعل الشرط كسائر أدوات الشرط ، وتمام الكلام على ذلك في كتب النحو ، وممزق مصدر جاء على زنة اسم المفعول كمسرح في قوله :

ألم تعلم مسرحي القوافي *** فلا عيابهن ولا اجتلاباً

وتمزيق الشيء تخريقه وجعله قطعاً قطعاً ومنه قوله :

إذا كنت مأكولاً فكن خير آكل *** وإلا فأدركني ولما أمزق

والمراد إذاً متم وفرقت أجسادكم كل تفريق بحيث صرتم رفاتاً وتراباً ، ونصب { كُلٌّ } على المصدرية .

وجوز أن يكون اسم مكان فنصب كل على الظرفية لأن لها حكم ما تضاف إليه أي إذا فرقت أجسادكم في كل مكان من القبور وبطون الطير والسباع وما ذهبت به السيول كل مذهب وما نسفته الرياح فطرحته كل مطرح ، و { جَدِيدٍ } فعيل بمعنى فاعل عند البصريين من جد الشيء إذا صار جديداً وبمعنى مفعول عند الكوفيين من جده إذا قطعه ثم شاع في كل جديد وإن لم يكن مقطوعاً كالبناء ، والسبب في الخلاف أنهم رأوا العرب لا يؤنثونه ويقولون ملحفة جديد لا جديدة فذهب الكوفيون إلى أنه بمعنى مفعول والبصريون إلى خلافه وقالوا ترك التأنيث لتأويله بشيء جديد أو لحمله على فعيل بمعنى مفعول كذا قيل .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلۡ نَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ يُنَبِّئُكُمۡ إِذَا مُزِّقۡتُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمۡ لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍ} (7)

{ 7 - 9 } { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ * أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ }

أي : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا } على وجه التكذيب والاستهزاء والاستبعاد ، وذكر وجه الاستبعاد .

أي : قال بعضهم لبعض : { هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } يعنون بذلك الرجل ، رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأنه رجل أتى بما يستغرب منه ، حتى صار - بزعمهم - فرجة يتفرجون عليه ، وأعجوبة يسخرون منه ، وأنه كيف يقول { إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ } بعدما مزقكم البلى ، وتفرقت أوصالكم ، واضمحلت أعضاؤكم ؟ ! .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلۡ نَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ يُنَبِّئُكُمۡ إِذَا مُزِّقۡتُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمۡ لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍ} (7)

قوله تعالى : { وقال الذين كفروا } منكرين للبعث متعجبين منه : { هل ندلكم على رجل ينبئكم } يخبركم ، يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم ، { إذا مزقتم كل ممزق } قطعتم كل تقطيع وفرقتم كل تفريق وصرتم تراباً { إنكم لفي خلق جديد } يقول لكم : إنكم لفي خلق جدبد .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلۡ نَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ يُنَبِّئُكُمۡ إِذَا مُزِّقۡتُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمۡ لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍ} (7)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: وقال الذين كفروا بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، متعجبين من وعده إياهم البعث بعد الممات بعضهم لبعض:"هَلْ نَدُلّكُمْ" أيها الناس "على رَجُلٍ يُنَبّئُكُمْ إذَا مُزّقْتُمْ كُلّ مُمَزّقٍ إنّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ "يقول: يخبركم أنكم بعد تقطعكم في الأرض بلاء، وبعد مصيركم في التراب رفاتا، عائدون كهيئتكم قبل الممات خلقا جديدا...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق}... ويخرّج ذلك على أحد وجهين: إما على استبعاد ذلك في أوهامهم وعقولهم، أي لا يكون ذلك، وإما على التعجّب والاستهزاء أن كيف يكون ذلك؟ وأنه لا يكون، فقالوا عند ذلك كما أخبر عنهم.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

وجه الترتيب: هو أن الله تعالى لما بين أنهم أنكروا الساعة ورد عليهم بقوله: {قل بلى وربي لتأتينكم} وبين ما يكون بعد إتيانها من جزاء المؤمن على عمله الصالح وجزاء الساعي في تكذيب الآيات بالتعذيب على السيئات، بين حال المؤمن والكافر بعد قوله: {قل بلى وربى لتأتينكم} فقال المؤمن: هو الذي يقول الذي أنزل إليك الحق وهو يهدي، وقال الكافر هو الذي يقول هو باطل، ومن غاية اعتقادهم وعنادهم في إبطال ذلك قالوا على سبيل التعجب: {هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد} وهذا كقول القائل في الاستبعاد، جاء رجل يقول: إن الشمس تطلع من المغرب إلى غير ذلك من المحالات.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما عجب سبحانه من الذين كفروا في قولهم {لا تأتينا الساعة} المتضمن لتكذيبهم، وختم بتصديق الذين أوتوا العلم مشيراً إلى أن سبب تكذيب الكفرة الجهل الذي سببه الكبر، عجب منهم تعجيباً آخر أشد من الأول لتصريحهم بالتكذيب على وجه عجيب فقال: {وقال الذين كفروا} أي الذين تحققوا أمره صلى الله عليه وسلم وأجمعوا خلافه وعتوا على العناد، لمن يرد عليهم ممن لا يعرف حقيقة حاله معجبين ومنفرين: {هل ندلكم} أي أيها المعتقدون أن لا حشر. ولما أخرجوا الكلام مخرج الغرائب المضحكة لم يذكروا اسمه مع أنه أشهر الأسماء، بل قالوا: {على رجل} أي ليس هو صبياً و لا امرأة حتى تعذروه {ينبئكم} أي يخبركم متى شئتم إخباراً لا أعظم منه بما حواه من العجب الخارج عما نعقله مجدداً لذلك متى شاء المستخبر له.

ولما كان القصد ذكر ما يدل عندهم على استبعاد البعث، قدموا المعمول فقالوا: {إذا} أي إنكم إذا {مزقتم} أي قطعتم وفرقتم بعد موتكم من كل من شأنه أن يمزق من التراب والرياح وطول الزمان ونحو ذلك تمزيقاً عظيماً، بحيث صرتم تراباً، وذلك معنى {كل ممزق} أي كل تمزيق، فلم يبق شيء من أجسادكم مع شيء، بل صار الكل بحيث لا يميز بين ترابه وتراب الأرض، وذهبت به السيول كل مذهب، فصار مع اختلاطه بتراب الأرض والتباسه متباعداً بعضه عن بعض، وكسر معمول "ينبئكم "لأجل اللام فقال: {إنكم لفي} أي لتقومون كما كنتم قبل الموت قياماً لا شك فيه، والإخبار به مستحق لغاية التأكيد {خلق جديد} وهذا عامل إذا الظرفية.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

انتقال إلى قولة أخرى من شناعة أهل الشرك معطوفة على {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة} [سبأ: 3]. وهذا القول قائم مقام الاستدلال على القول الأول لأن قولهم {لا تأتينا الساعة} دعوى وقولهم: {هل ندلّكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد} مستنَد تلك الدعوى، ولذلك حكي بمثل الأسلوب الذي حكيت به الدعوى في المسند والمسند إليه.

وأدمجوا في الاستدلال التعجيب من الذي يأتي بنقيض دليلهم، ثم إرداف ذلك التعجيب بالطعن في المتعجَّب به.

والمخاطب بقولهم: {هل ندلكم} غير مذكور لأن المقصود في الآية الاعتبار بشناعة القول، ولا غرض يتعلق بالمقول لهم. فيجوز أن يكون قولهم هذا تقاولاً بينهم، أو يقوله بعضهم لبعض، أو يقوله كبراؤهم لعامتهم ودهمائهم. ويجوز أن يكون قول كفار مكة للواردين عليهم في الموسم. وهذا الذي يؤذن به فعل {ندلكم} من أنه خطاب لمن لم يبلغهم قول النبي صلى الله عليه وسلم.

والاستفهام مستعمل في العرض مثل قوله تعالى: {فقل هل لك إلى أن تزكى} [النازعات: 18] وهو عرض مكنّى به عن التعجيب، أي هل ندلكم على أعجوبة من رجل ينبئكم بهذا النبأ المحال.

والمعنى: تسمعون منه ما سمعناه منه فتعرفوا عذرنا في مناصبته العداء. وقد كان المشركون هَيأوا ما يكون جواباً للذين يردون عليهم في الموسم من قبائل العرب يتساءلون عن خبر هذا الذي ظهر فيهم يدعي أنه رسول من الله إلى الناس، وعن الوحي الذي يُبلغه عن الله كما ورد في خبر الوليد بن المغيرة إذ قال لقريش: إنه قد حضر هذا الموسمُ وأن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأَجْمِعوا فيه رأيا واحداً ولا تختلفوا فيكذِّب بعضكُم بعضاً ويردّ قولُكم بعضه بعضاً، فقالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقُل وأقم لنا رأياً نقول به. قال: بل أنتم قولوا أسمعْ، قالوا: نقول كاهن؟ قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأيْنا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا بسجعه. قالوا: فنقول مجنون؟ قال: ما هو بمجنون لقد رأينا الجُنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخلجه ولا وسوسته، قالوا: فنقول شاعر؟ قال: لقد عرفنا الشعر كله فما هو بالشعر، فقالوا: فنقول ساحر؟ قال: ما هو بنفثه ولا عَقده، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: إن أقرب القول فيه أن تقولوا: ساحر، جاء بقول هو سحر يفرّق بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجه وبين المرء وعشيرته.

فلعل المشركين كانوا يستقبلون الواردين على مكة بهاته المقالة {هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد} طمعاً منهم بأنها تصرف الناس عن النظر في الدعوة تلبساً باستحالة هذا الخَلْق الجديد.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

يبدو أنّ إصرار هؤلاء الكفّار على إنكار مسألة المعاد يعتمد على أمرين:

الأوّل: توهمّهم أنّ المعاد الذي تحدّث عنه رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله) وهو «المعاد الجسماني»، أمر يسهل الإشكال عليه والطعن فيه، وأنّ بإمكانهم تنفير الناس منه فينكرونه بسهولة.

الثّاني: أنّ الاعتقاد بالمعاد، أو حتّى القبول باحتماله على كلّ حال إنّما يفرض على الإنسان مسؤوليات وتعهّدات، ويضعه وجهاً لوجه أمام الحقّ، وهذا ما اعتبره رؤوس الكفر خطراً حقيقيّاً، لذا فقد أصرّوا على إلغاء فكرة المعاد والجزاء الأخروي على الأعمال من أذهان الناس، ولكن فاتهم أنّنا في بدء الخليقة لم نكن إلاّ أجزاء مبعثرة، فكلّ قطرة ماء في أبداننا إنّما كانت قطرة في زاوية من بحر أو ينبوع ماء، وكلّ ذرّة من مواد أجسامنا، كانت في جانب من جوانب هذه الأرض المترامية، وسيجمعها الله تبارك وتعالى في النهاية أيضاً كما جمعها في البدء، وهو على كلّ شيء قدير.