روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالُواْ يَٰهُودُ مَا جِئۡتَنَا بِبَيِّنَةٖ وَمَا نَحۡنُ بِتَارِكِيٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوۡلِكَ وَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِينَ} (53)

{ قَالُواْ يا هُود مَا جِئْتَنَا بِبَيّنَةٍ } أي بحجة واضحة تدل على صحة دعواك ، وإنما قالوه لفرط عنادهم أو لشدة عماهم عن الحق وعدم نظرهم في الآيات فاعتقدوا أن ما هو آية ليس بآية وإلا فهو وغيره من الأنبياء عليهم السلام جاؤوا بالبينات الظاهرة والمعجزات الباهرة وإن لم يعين لنا بعضها ، ففي الخبر «ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر » { وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى * ءالِهَتِنَا } أي بتاركي عبادتها { عَن قَوْلِكَ } أي بسبب قولك المجرد عن البينة فعن للتعليل كما قيل في قوله تعالى : { إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ } [ التوبة : 114 ] وإلى هذا يشير كلام ابن عطية . وغيره ، فالجار والمجرور متعلق { بِتَارِكِى } .

وذهب بعض المحققين إلى أنه متعلق بمحذوف وقع حالاً من الضمير المستتر فيه أي صادرين وهو من الصدر مقابل الورد بمعنى الرجوع عن الماء ، وقد شاع في كلامهم استعمال الصدر والورد كناية عن العمل والتصرف ، ومنه قوله

: ما أمس الزمان حاجاً إلى من *** يتولى الإيراد والإصدارا

أي يتصرف في الأمور بصائب رأيه ، وقد يكتفي بالصدر في ذلك لاستلزامه للورد فيقولون : لا يصدر إلا عن رأيه ، والمعنى هنا حينئذٍ ما نحن { قَالُواْ ياهود } عاملين بقولك ، والنفي فيه راجع إلى القيد والمقيد جميعاً لأنهم لا يتركون آلهتهم ولا يعملون بقوله عليه السلام ، وقيل : إن صادرين بمعنى معرضين وهو قيد للنفي ، والمعنى انتفى تركنا عبادة آلهتنا معرضين { عَن قَوْلِكَ } ويكون هذا جواباً لقوله : { لاَ تَتَوَلَّوْاْ } [ هود : 52 ] وجعل بعضهم إرادة ذلك من باب التضمين لا من باب تقدير المتعلق بقرينة { عَنْ } وجعله كناية كما علمت ، وكلام الزمخشري ظاهر في هذا كما يكشف عنه كلام الكشف { وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } أي بمصدقين فيما جئت به أو في كل ما تأتي وتذر ، ويندرج فيه ذلك ، وقد بالغوا في الإباء عن الإجابة فأنكروا الدليل على نبوته عليه السلام ، ثم قالوا مؤكدين لذلك { وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى } الخ ، ثم كرروا ما دل عليه الكلام السابق من عدم إيمانهم بالجملة الاسمية مع زيادة الباء ، وتقديم المسند إليه المفيد للتقوى دلالة على أنهم لا يرجى منهم ذلك بوجه من الوجوه ، وفي ذلك من الدلالة على الإقناط ما فيه .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{قَالُواْ يَٰهُودُ مَا جِئۡتَنَا بِبَيِّنَةٖ وَمَا نَحۡنُ بِتَارِكِيٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوۡلِكَ وَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِينَ} (53)

ف { قَالُوا } رادين لقوله : { يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ } إن كان قصدهم بالبينة البينة التي يقترحونها ، فهذه غير لازمة للحق ، بل اللازم أن يأتي النبي بآية تدل على صحة ما جاء به ، وإن كان قصدهم أنه لم يأتهم ببينة ، تشهد لما قاله بالصحة ، فقد كذبوا في ذلك ، فإنه ما جاء نبي لقومه ، إلا وبعث الله على يديه ، من الآيات ما يؤمن على مثله البشر .

ولو لم يكن له آية ، إلا دعوته إياهم لإخلاص الدين لله ، وحده لا شريك له ، والأمر بكل عمل صالح ، وخلق جميل ، والنهي عن كل خلق ذميم من الشرك بالله ، والفواحش ، والظلم ، وأنواع المنكرات ، مع ما هو مشتمل عليه هود ، عليه السلام ، من الصفات ، التي لا تكون إلا لخيار الخلق وأصدقهم ، لكفى بها آيات وأدلة ، على صدقه .

بل أهل العقول ، وأولو الألباب ، يرون أن هذه الآية ، أكبر من مجرد الخوارق ، التي يراها بعض الناس ، هي المعجزات فقط . ومن آياته ، وبيناته الدالة على صدقه ، أنه شخص واحد ، ليس له أنصار ولا أعوان ، وهو يصرخ في قومه ، ويناديهم ، ويعجزهم ، ويقول لهم : { إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ }

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{قَالُواْ يَٰهُودُ مَا جِئۡتَنَا بِبَيِّنَةٖ وَمَا نَحۡنُ بِتَارِكِيٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوۡلِكَ وَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِينَ} (53)

قوله تعالى : { قالوا يا هود ما جئتنا ببينة } ، أي : ببرهان وحجة واضحة على ما تقول ، { وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك } ، أي : بقولك ، { وما نحن لك بمؤمنين } ، بمصدقين .