روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا} (48)

{ وَأَعْتَزِلُكُمْ } الظاهر أنه عطف على { سَأَسْتَغْفِرُ } [ مريم : 47 ] والمراد أتباعد عنك وعن قومك { وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } بالمهاجرة بديني حيث لم تؤثر فيكم نصائحي .

يروى أنه عليه السلام هاجر إلى الشام ، وقيل إلى حران وهو قريب من ذلك وكانوا بأرض كوثا . وفي هجرته هذه تزوج سارة ولقي الجبار الذي أخدم سارة هاجر ، وجوز حمل الاعتزال على الاعتزال بالقلب والاعتقاد وهو خلاف الظاهر المأثور { وادعوا رَبّى } أي أعبده سبحانه وحده كما يفهم من اجتناب غيره تعالى من المعبودات وللتغاير بين العبادتين غوير بين العبارتين ، وذكر بعضهم أنه عبر بالعبادة أولاً لأن ذلك أوفق بقول أبيه { أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي } [ مريم : 46 ] مع قوله فيما سبق : { يا أبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ } [ مريم : 42 ] الخ ، وعبر ثانياً بالدعاء لأنه أظهر في الاقبال المقابل للاعتزال .

وجوز أن يراد بذلك الدعاء مطلقاً أو ما حكاه سبحانه في سورة الشعراء وهو قوله : { رَبّ هَبْ لي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين } [ الشعراء : 83 ] وقيل لا يبعد أن يراد استدعاء الولد أيضاً بقوله : { رَبّ هَبْ لِي مِنَ الصالحين } [ الصافات : 100 ] حسبما يساعده السياق والسباق { عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاء رَبّى شَقِيّا } خائباً ضائع السعي . وفيه تعريض بشقاوتهم في عبادة آلهتهم . وفي تصدير الكلام بعسى من إظهار التواضع ومراعاة حسن الأدب والتنبيه على حقيقة الحق من أن الإثابة والإجابة بطريق التفضل منه عز وجل لا بطريق الوجوب وأن العبرة بالخاتمة وذلك الغيوب المختصة بالعليم الخبير ما لا يخفى .

ومن باب الإشارة { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } [ مريم : 48 ] أي أهاجر عنكم بديني ، ويفهم . منه استحباب هجر الأشرار .

وعن أبي تراب النخشبي صحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار ، وقد تضافرت الأدلة السمعية والتجربة على أن مصاحبتهم تورث القسوة وتثبط عن الخير . { وأدعوا رَبّي عَسَى أَن لا أَكُونَ بِدُعَاء رَبّى شَقِيّا } [ مريم : 48 ] فيه من الدلالة على مزيد أدبه عليه السلام مع ربه عز وجل ما فيه ، ومقام الخلة يقتضي ذلك فإن من لا أدب له لا يصلح أن يتخذ خليلاً .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا} (48)

فلما أيس من قومه وأبيه قال : { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ْ } أي : أنتم وأصنامكم { وَأَدْعُو رَبِّي ْ } وهذا شامل لدعاء العبادة ، ودعاء المسألة { عَسَى أن لا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا ْ } أي : عسى الله أن يسعدني بإجابة دعائي ، وقبول أعمالي ، . وهذه وظيفة من أيس ممن دعاهم ، فاتبعوا أهواءهم ، فلم تنجع فيهم المواعظ ، فأصروا في طغيانهم يعمهون ، أن يشتغل بإصلاح نفسه ، ويرجو القبول من ربه ، ويعتزل الشر وأهله .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا} (48)

قوله تعالى : { وأعتزلكم وما تدعون من دون الله } ، أي : أعتزل ما تعبدون من دون الله : قال مقاتل : كان اعتزاله إياهم أنه فارقهم من كوثى فهاجر منها إلى الأرض المقدسة ، { وأدعو ربي } أي : أعبد ربي { عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا } أي : عسى أن لا أشقى بدعائه وعبادته ، كما تشقون أنتم بعبادة الأصنام . وقيل : عسى أن يجيبني إذا دعوته ولا يخيبني .