روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ} (182)

{ والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا } ولم تنفعهم هداية الهادين كأهل مكة وغيرهم ، واقتصر بعضهم على الأولين والعموم أولى ، وإضافة الآيات إلى ضمير العظمة لتشريفها واستعظام الإقدام على تكذيبها ، والموصول في محل الرفع على أنه مبتدأ خبره جملة { سَنَسْتَدْرِجُهُم } أي سنستدنيهم البتة إلى الهلاك شيئاً فشيئاً ، وجوز أن يكون في محل النصب بفعل محذوف يفسره المذكور ، والاستدراج استفعال من الدرجة بمعنى النقل درجة بعد درجة من سفل إلى علو فيكون استصعاداً أو بالعكس فيكون استنزالاً وقد استعمله الأعشى في قوله :

فلو كنت في جب ثمانين قامة *** ورقيت أسباب السماء بسلم

ليستدرجنك القول حتى تهره *** وتعلم أني عنكم غير مفحم

في مطلق معناه ، وقال بعضهم : هو استفعال من درجة إما بمعنى صعد ثم اتسع فيه فاستعمل في كل نقل تدريجي سواء كان بطريق الصعود أو الهبوط أو الاستقامة ، وإما بمعنى مشى مشياً ضعيفاً ومنه درج الصبي وإما بمعنى طوى ومنه أدرج الكتاب ثم استعير لطلب كل نقل تدريجي من حال إلى حال من الأحوال الملائمة للمنتقل الموافقة لهواه ، واستدراجه تعالى إياهم بإدرار النعم عليهم مع إنهماكهم في الغي ، ولذا قيل : إذا رأيت الله تعالى أنعم على عبد وهو مقيم على معصيته فاعلم أنه مستدرج ، وهذا يمكن حمله على الاستصعاد باعتبار نظرهم وزعمهم أن متواترة النعم إثرة من الله تعالى وهو الظاهر ، وعلى الاستنزال باعتبار الحقيقة فإن الجبلة الإنسانية في أصل الفطرة سليمة متهيئة لقبول الحق لقضية كل مولود يولد على الفطرة فهو في بقاع التمكن على الهدي والدين فإذا أخلد إلى الأرض واتبع الشهوات وارتكب المعاصي والسيآت ينزل درجة درجة إلى أن يصير أسفل السافلين ، وأياً ما كان فليس المطلوب إلا تدرجهم في مدراج المعاصي إلى أن يحق عليهم كلمة العذاب الأخروي أو الدنيوي على ما قيل على أفظع حال وأشنعها وإدرار النعم وسيلة إلى ذلك { مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } أنه كذلك بل يحسبون أنه إثرة من الله تعالى ، وقيل : لا يعلمون ما يراد بهم ، والجار والمجرور متعلق بمضمر وقد صفة لمصدر الفعل المذكور أي سنستدرجهم استدراجاً كائناً من حيث لا يعلمون .

( ومن باب الإشارة ) :{ والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا } كالمنكرين على هؤلاء الأمة { سَنَسْتَدْرِجُهُم مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } [ الأعراف : 182 ] أنا سنستدرجهم

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ} (182)

182-186 وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ * أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ * مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ .

أي : والذين كذبوا بآيات اللّه الدالة على صحة ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، من الهدى فردوها ولم يقبلوها . سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ بأن يدر لهم الأرزاق .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ} (182)

قوله تعالى : { والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } ، قال عطاء : سنمكر بهم من حيث لا يعلمون ، وقيل : نأتيهم من مأمنهم ، كما قال : { فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا } [ الحشر : 2 ] ، قال الكلبي : يزين لهم أعمالهم ويهلكهم . وقال الضحاك : كلما جددوا معصيةً جددنا لهم نعمة ، قال سفيان الثوري : نسبغ عليهم النعمة ، وننسيهم الشكر . قال أهل المعاني : الاستدراج أن يتدرج الشيء في خفية قليلاً قليلاً ، فلا يباغت ، ولا يجاهر ، ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه في المشي ، ومنه درج الكتاب إذا طواه شيئاً بعد شيء .