روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓاْ إِلَٰهَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَإِيَّـٰيَ فَٱرۡهَبُونِ} (51)

ثم أنه تعالى بعد ما بين أن جميع الموجودات ، خاضعة منقادة له تعالى أردف ذلك بحكاية نهيه سبحانه وتعالى للمكلفين عن الاشراك فقال عز قائلا :

{ وَقَالَ الله } عطفاً على قوله سبحانه : { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ } [ النحل : 49 ] . وجوز أن يكون معطوفاً على { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر } [ النحل : 44 ] وقيل : إنه معطوف على { مَّا خَلَقَ الله } [ النحل : 48 ] على أسلوب :

علفتها تبناً وماء بارداً . . . أي أو لم يروا إلى ما خلق الله ولم يسمعوا إلى ما قال الله ولا يخفى تكلفه ، وإظهار الفاعل وتخصيص لفظة الجلالة بالذكر للإيذان بأنه تعالى متعين الألوهية وإنما المنهى عنه هو الإشراك به لا أن المنهى عنه هو مطلق اتخاذ الهين بحيث يتحقق الانتهاء عنه برفض أيهما كان ، ولم يذكر المقول لهم للعموم أي قال تعالى لجميع المكلفين بواسطة الرسل عليهم السلام : { لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين } المشهور أن { اثنين } وصف لإلهين وكذا «واحد » في قوله سبحانه : { إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ } صفة لإله ، وجيء بهما للايضاح والتفسير لا للتأكيد وان حصل . وتقرير ذلك أن لفظ «إلهين » حامل لمعنى الجنسية أعني الإلهية ومعنى العدد أعنى الاثنينة وكذا لفظ «إله » حامل لمعنى الجنسية والوحدة ، والغرض المسوق له الكلام في الأول النهي عن اتخاذ الاثنين من الاله لا عن اتخاذ جنس الإله ، وفي الثاني إثبات الواحد من الإله لا إثبات جنسه فوصف «آلهين » باثنين «وإله » بواحد إيضاحاً لهذا الغرض وتفسيراً له ، فإنه قد يراد بالمفرد الجنس نحو نعم الرجل زيد . وكذا المثنى كقوله :

فإن النار بالعودين تذكى . . . وأن الحرب أولها الكلام

وإلى هذا ذهب صاحب الكشاف هو ما يفهم منه أنه تأكيد فمعناه أنه تأكيد فمعناه أنه محقق ومقرر من المتبوع فهو تأكيد لغوى لا أنه مؤكد أمر المتبوع في النسبة أو الشمول ليكون تأكيداً صناعياً كيف وهو إنما يكون بتقرير المتبوع بنفسه أو بما يوافقه معنى أو بألفاظ محفوظة ، فما قيل : إن مذهبه إن ذلك من التأكيد الصناعي ليس بشيء إذ لا دلالة في كلامه عليه . وقد أورد السكاكي الآية في باب عطف البيان مصرحاً بأنه من هذا القبيل فتوهم منه بعضهم أنه قائل بأن ذلك عطف بيان صناعي ، وهو الذي اختارخ العلامة القطب في شرح المفتاح نافياً كونه وصفاً ، واستدل على ذلك بأن معنى قولهم : الصفة تابع يدل على معنى في متبوعه أنه تابع ذكر ليدل على معنى في متبوعه على ما نقل عن ابن الحاجب ، ولم يذكر { اثنين } للدلالة على الاثنينة والوحدة اللتين في متبوعهما فيكونا وصفين بل ذكرا للدلالة على أن القصد من متبوعهما إلى أحد جزئيه أعنى الأثنينية والوحدة دون الجزء الآخر أعنى الجنسية ، فكل منهما تابع غير صفة يوضح متبوعه فيكون عطف بيان لا صفة .

وقال العلامة الثاني : ليس في كلام السكاكي ما يدل على أنه عطف بيان صناعي لجواز أن يريد أنه من قبيل الإيضاح والتفسير وإن كان وصفاً صناعياً ، ويكون إيراده في ذلك المبحث مثل إيراد كل رجل عارف وكل إنسان حيوان في بحث التأكيد ومثل ذلك عادة له .

وتعقب العلامة الأول بأنه إن أريد أنه لم يذكر إلا ليدل على معنى في متبوعه فلا يصدق التعريف على شيء من الصفة لأنها البتة تكون لتخصيص أو تأكيد أو مدح أو نحو ذلك وإن أريد أنه ذكر ليدل على هذا المعنى ويكون الغرض من دلالته عليه شيئاً آخر كالتخصيص والتأكيد وغيرهما فيجوز أن يكون ذكر { اثنين } للدلالة على الاثنينية والوحدة ويكون الغرض من هذا بيان المقصود وتفسيره ، كما أن الدابر في أمس الدابر ذكر ليدل على معنى الدبور والغرض منه التأكيد بل الأمر كذلك عند التحقيق ، ألا ترى أن السكاكي جعل من الوصف ما هو كاشف وموضح ولم يخرج بهذا عن الوصفية . وأجيب بأنا نختار الشق الثاني ونقول : مراد العلامة من قوله : ذكر ليدل على معنى في متبوعه أن يكون المقصود من ذكره الدلالة على حصول المعنى في المتبوع ليتوسل بذلك إلى التخصيص أو التوضيح أو المدح أو الذم إلى غير ذلك وذكر { اثنين } ليس للدلالة على حثول الاثنينية والوحدة في موصوفيهما بل تعيين المقصود من جزئيهما فلا يكونان صفة ، وذكر الدابر ليدل على حصول الدبور في الأمس ثم يتوسل بذلك إلى التأكيد وكذا في الوصف الكاشف بخلاف ما نحن فيه فتدبره فإنه غامض . ولم يجوز العلامة الأول البدلية فقال : واما أنه ليس ببدل فظاهر لأنه لا يقوم مقام المبدل منه .

ونظر فيه العلامة الثاني بأنا لا تسلم أن البدل يجب صحة قيامه مقام المبدل منه فقد جعل الزمخشري «الجن » في قوله تعالى : { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن } [ الأنعام : 100 ] بدلاً من «شركاء » ومعلوم أنه لا معنى لقولنا وجعلوا لله الجن ، ثم قال : بل لا يبعد أن يقال : الأولى أنه بدل لأنه المقصود بالنسبة إذ النهي عن اتخاذ الاثنين من الإله على ما مر تقريره . وتعقب بأن الرضى قد ذكر أنه لما لم يكن البدل معنى في المتبوع حتى يحتاج إلى المتبوع كما احتاج الوصف ولم يفهم معناه من المبتوع كما فهم ذلك في التأكيد جاز اعتباره مستقلاً لفظاً أي صالحاً لأن يقوم مقام المتبوع اه .

ولا يخفى أن صحة إقامته بهذا المعنى لا تقتضي أن يتم معنى الكلام بدونه حتى يرد ما أورد ؛ وقيل : إن ذكر «اثنين » للدلالة على منافاة الاثنينية للالوهية وذكر الوحدة للتنبيه على أنها من لوازم الألوهية .

وجعل ذلك بعضهم من روادف الدلالة على كون ما ذكر مساق النهي والإثبات وهو الظاهر وإن قيل فيه ما قيل .

وزعم بعضهم ان { تَتَّخِذُواْ } متعد إلى مفعولين وأن { اثنين } مفعوله الأول «وإلهين » مفعوله الثاني والتقدير لا تتخذوا اثنين إلهين ، وقيل : الأول مفعول أول والثاني ثان ، وقيل : «إلهين » مفعوله الأول «واثنين » باق على الوصفية والتوكيد والمفعول الثاني محذوف أي معبودين ، ولا يخفى ما في ذلك ، وإثبات الوحدة له تعالى مع أن المسمى المعين لا يتعدد بمعنى أنه لا مشارك له في صفاته وألوهيته فليس الحمل لغواً ، ولا حاجة لجعل الضمير للمعبود بحق المفهوم من الجلالة على طريق الاستخدام كما قيل ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في سورة الاخلاص .

وفي التعبير بالضمير الموضوع للغائب التفات من التكلم إلى الغيبة على رأي السكاكي المكتفي بكون الأسلوب الملتفت عنه حق الكلام وإن لم يسبق الذكر على ذلك الوجه ، واما قوله تاعلى : { فإياي فارهبون } ففيه التفات من الغيبة إلى التكلم على مذهب الجمهور أيضاً ، والنكتة فيه بعد النكتة العامة أعني الايقاظ وتطرية الاصغاء المبالغة في التخويف والترهيب فإن تخويف الحاضر مواجهة أبلغ من تخويف الغائب سيما بعد وصفه بالوحدة والألوهية المقتضية للعظمة والقدرة التامة على الانتقام .

والفاء في { فإياي } واقعة في جواب شرط مقدر و { *إياي } مفعول لفعل محذوف يقدر مؤخراً يدل عليه { وإياى فارهبون } أي إن رهبتم شيئاً فإياي ارهبوا ، وقول ابن عطية : أن { *إياي } منصوب بفعل مضمر تقديره فارهبوا إياي فارهبون ذهول عن القاعدة النحوية ، وهي انه إذا كان المعمول ضميراً منفصلاً والفعل متعد إلى واحد هو الضمير وجب تأخر الفعل نحو { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } [ الفاتحة : 5 ] ولا يجوز أن يتقدم إلا في ضرورة نحو قوله :

إليك حتى بلغت إياكا . . . وعطف المفسر المذكور على المفسر المحذوف بالفاء لأن المراد رهبة بعد رهبة ، وقيل : لأن المفسر حقه إن يذكر بعد المفسر ، ولا يخفى فصل الضمير وتقديمه من الحصر أي ارهبوني لا غير فانا ذلك الإله الواحد القادر على الانتقام

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{۞وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓاْ إِلَٰهَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَإِيَّـٰيَ فَٱرۡهَبُونِ} (51)

{ 51 - 55 ْ } { وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ * وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ }

يأمر تعالى بعبادته وحده لا شريك له ، ويستدل على ذلك بانفراده بالنعم والوحدانية فقال : { لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ } أي : تجعلون له شريكا في إلهيته ، وهو { إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ } متوحد في الأوصاف العظيمة متفرد بالأفعال كلها . فكما أنه الواحد في ذاته وأسمائه ونعوته وأفعاله ، فلتوحِّدوه في عبادته ، ولهذا قال : { فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } أي : خافوني وامتثلوا أمري ، واجتنبوا نهيي من غير أن تشركوا بي شيئا من المخلوقات ، فإنها كلها لله تعالى مملوكة .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{۞وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓاْ إِلَٰهَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَإِيَّـٰيَ فَٱرۡهَبُونِ} (51)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: وقال الله لعباده: لا تتخذوا لي شريكا أيها الناس، ولا تعبدوا معبودَين، فإنكم إذا عبدتم معي غيري جعلتم لي شريكا، ولا شريك لي، إنما هو إله واحد ومعبود واحد، وأنا ذلك.

"فإيّايَ فارْهَبُونِ" يقول: فإياي فاتقوا وخافوا عقابي بمعصيتكم إياي إن عصيتموني وعبدتم غيري، أو أشركتم في عبادتكم لي شريكا...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد} لا نعلم لمن كان الخطاب بهذا: ألأهل مكة؟ فهم قد اتخذوا آلهة بقولهم: {أجعل الآلهة إلها واحدا} الآية (ص: 5)... ويشير أن يكون أهل مكة، وإن اتخذوا آلهة فإنهم في الحقيقة عباد إلهين؛ لأنهم إنما كانوا يعبدون تلك الأصنام بأمر الشيطان وطاعتهم إياه، فنسب العباد لمن لما بأمره ويعبدون هذه الأصنام؛ أضاف العبادة إليه.

أو أن يكون المراد من ذكر اثنين إنما هو على الزيادة على الواحد؛ كأنه قال: لا تتخذوا، أو لا تعبدوا أكثر من إله واحد.

{فإياي فارهبون} لا تخافوا الأصنام التي تعبدونها فإنكم إن تركتم عبادتها لا تضركم.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

يقول الله تعالى ناهيا لعباده "لا تتخذوا إلهين اثنين "أي لا تعبدوا مع الله غيره، فتشركوا بينهما في العبادة. ثم أخبر أنه إله واحد لا أكثر منه، لأن لفظة "إنما" تفيد ثبوت الإله الواحد، ونفي ما زاد عليه على ما بيناه فيما مضى.

"فإياي فارهبون" معناه: ارهبوا عقابي وسخطي فلا تتخذوا معي إلها آخر ومعبودا سواي..

وفي قوله "اثنين" بعد قوله "إلهين" قولان:

أحدهما: أنه قال ذلك تأكيدا، كما قال "إله واحد" تأكيدا.

والثاني: أن يكون المعنى لا تتخذوا اثنين إلهين، فقدم وأخر، وكلاهما جائز...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

فإن قلت: إنما جمعوا بين العدد والمعدود فيما وراء الواحد والاثنين، فقالوا: عندي رجال ثلاثة وأفراس أربعة؛ لأن المعدود عار عن الدلالة على العدد الخاص. وأما رجل ورجلان وفرس وفرسان، فمعدودان فيهما دلالة على العدد، فلا حاجة إلى أن يقال: رجل واحد ورجلان اثنان، فما وجه قوله إلهين اثنين؟ قلت: الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دال على شيئين: على الجنسية والعدد المخصوص، فإذا أريدت الدلالة على أنّ المعنى به منهما، والذي يساق إليه الحديث هو العدد شفع بما يؤكده، فدل به على القصد إليه والعناية به. ألا ترى أنك لو قلت: إنما هو إله، ولم تؤكده بواحد: لم يحسن، وخيل أنك تثبت الإلهية لا الوحدانية {فإياي فارهبون} نقل للكلام عن الغيبة إلى التكلم، وجاز لأنّ الغالب هو المتكلم، وهو من طريقة الالتفات، وهو أبلغ في الترهيب من قوله: وإياه فارهبوه، ومن أن يجيء ما قبله على لفظ المتكلم.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

لقائل أن يقول: إن الإلهين لا بد وأن يكونا اثنين، فما الفائدة في قوله: {إلهين اثنين}. وجوابه من وجوه:... الأقرب عندي أن الشيء إذا كان مستنكرا مستقبحا، فمن أراد المبالغة في التنفير عنه عبر عنه بعبارات كثيرة ليصير توالي تلك العبارات سببا لوقوف العقل على ما فيه من القبح...

واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الكلام قال: {إنما هو إله واحد} والمعنى: أنه لما دلت الدلائل...على أنه لا بد للعالم من الإله، وثبت أن القول بوجود الإلهين محال، ثبت أنه لا إله إلا الواحد الأحد الحق الصمد...

ثم قال بعده: {فإياي فارهبون} وهذا رجوع من الغيبة إلى الحضور، والتقدير: أنه لما ثبت أن الإله واحد وثبت أن المتكلم بهذا الكلام إله، فحينئذ ثبت أنه لا إله للعالم إلا المتكلم بهذا الكلام... وفيه دقيقة أخرى وهو أن قوله: {فإياي فارهبون} يفيد الحصر، وهو أن لا يرهب الخلق إلا منه، وأن لا يرغبوا إلا في فضله وإحسانه... فلا رغبة إلا إليه ولا رهبة إلا منه، فبفضله تندفع الحاجات وبتكوينه وبتخليقه تنقطع الضرورات...

.

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :

ولما كان الإله الحق لا يتعدد وأن كل من يتعدد فليس بإله، اقتصر على ذكر الاثنين؛ لأنه قصد نفي التعديد...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان التوحيد أعظم المأمورات، وكان العصيان فيه أعظم العصيان، وكان سبحانه قد أكثر التخويف من عصيانه، وأبلغ الأمر إلى نهايته بالإخبار بأن الملائكة تخافه، وكان الملائكة من أعظم الموحدين، كما كانوا من أعظم الساجدين، من أهل السماوات والأرضين، وكانت هذه الآيات من أعظم أدلة التوحيد، أتبعها -عطفاً على {وأنزل إليك الذكر} ليتظافر على ذلك أدلة العقل والنقل وتسليكاً بأحوال الملائكة- قوله تعالى: {وقال الله} فعبر لأجل تعظيم المقام بالاسم الأعظم الخاص الذي بنيت عليه السورة: {لا تتخذوا} أي لا تكلفوا فطركم الأولى السليمة المجبولة على معرفة أن الإله واحد إلى أن تأخذ في اعتقادها {إلهين} ويجوز أن يكون معطوفاً على ما علم من المقدمات المذكورة أول السورة إلى قوله: {وما يشعرون أيان يبعثون} من النتيجة وهي {إلهكم إله واحد} لاحتمال أن يقول متعنت: إنه لم يأمرنا بذلك وإن دلت عليه الأدلة، ويجوز وهو أقرب -أن يعطف على قوله: {وقال الذين أشركوا} تبكيتاً لهم بأنهم احتجوا بحكمه، ولم يبادروا إلى امتثال أمره.

ولما كان قد فهم المراد من التثنية، وكان ربما قال المتعنت: إن المنهي عنه تكثير الأسماء، قال مؤكداً ومحققاً: {اثنين} تنبيهاً على أن الألوهية؛ لأنه موضع لإمكان التنازع الملزوم للعجز المنافي لتلك الرتبة مطلق العدد ينافي المنيفة الشماء، وفي ذلك أيضاً- مع كون معبوداتهم كانت كثيرة -إشارة إلى أن ما يسمى آلهة- وإن زاد عدده -يرجع بالحقيقة إلى اثنين: خالق ومخلوق، ومن المعلوم لكل ذي لب أن المخلوق غير صالح للألوهية، فانحصر الأمر في الخالق، وإن لم يكن فيه الخالق كان منقسماً لا محالة، وأقل ما ينقسم إلى اثنين: وباب الاتخاذ إذا كان مفعوله نكرة، اكتفى بواحد كما تقول: اتخذت بيتاً، واتخذت زوجة- ونحو ذلك، ثم علل ذلك النهي بما اقتضاه السياق من الوحدانية فقال تعالى: {إنما هو} أي الإله المفهوم من لفظ {إلهين} الذي لا يستحق غيره أن يطلق عليه هذا الضمير إلا مجازاً، لأنه لا يطلق إطلاقاً حقيقياً إلا على ما وجوده من ذاته {إله} أي يستحق هذا الوصف على الإطلاق.

ولما كان السياق مفهماً للوحدانية من النهي عن التثنية، وكان ربما تعنت متعنت بأن المراد إثبات الإله الدال على الجنس، قال رافعاً لكل شبهة: {واحد} أي لا يمكن أن يثني بوجه ولا أن يجزأ لغناء المطلق عن كل شيء واحتياج كل شيء إليه، فكونوا ممن يسجد له طوعاً ولا تكونوا ممن لا يسجد له إلا كرهاً.

ولما كان أسلوب الغيبة لا يعين الإله في المتكلم، التفت إلى أسلوب التكلم فقال تعالى: {فإياي} أي ذلك الواحد أنا وحدي لا شريك لي، فمن لم يوحدني أوقعت به بقوتي ما لا يطيقه لعجزه.

ولما كانت الوحدانية مما لا يخفى على عاقل، وكانت مركوزة في كل فطرة بدليل الاضطراب عند المحن، والشدائد والفتن، وكانت الرهبة -كما مضى عن الحرالي في البقرة- خاصة بالخوف مما خالف العاصي فيه العلم، عبر بها فقال تعالى: {فارهبون} مختصاً بذلك ولا تخافوا شيئاً غيري من صنم ولا غيره، فإنه ليس لشيء من ذلك قدرة، وإن أودعته فإنه لا يتمكن من إنفاذها، فالأمر كله إليّ وحدي.

روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :

ولم يذكر المقول لهم للعموم أي قال تعالى لجميع المكلفين بواسطة الرسل عليهم السلام: {لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين}

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

لقد أمر الله ألا يتخذ الناس إلهين اثنين. إنما هو إله واحد لا ثاني له. ويأخذ التعبير أسلوب التقرير والتكرير فيتبع كلمة إلهين بكلمة اثنين، ويتبع النهي بالقصر إنما هو إله واحد. ويعقب على النهي والقصر بقصر آخر (فإياي فارهبون) دون سواي بلا شبيه أو نظير. ويذكر الرهبة زيادة في التحذير.. ذلك أنها القضية الأساسية في العقيدة كلها، لا تقوم إلا بها، ولا توجد إلا بوجودها في النفس واضحة كاملة دقيقة لا لبس فيها ولا غموض...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

ومعنى {وقال الله لا تتخذوا إلهين} أنه دعا الناس ونَصب الأدلّة على بطلان اعتقاده. وهذا كقوله تعالى: {يريدون أن يبدلوا كلام الله} [سورة الفتح: 15] وقوله: {كذلكم قال الله من قبل} [سورة الفتح: 15]. وصيغة التّثنية من قوله: {إلهين} أكدت بلفظ {اثنين} للدّلالة على أن الإثنينية مقصودة بالنّهي إبطالاً لشرك مخصوص من إشراك المشركين، وأن لا اكتفاء بالنّهي عن تعدّد الإله بل المقصود النّهي عن التّعدد الخاص وهو قول المجوس بإلهين. ووقع في « الكشاف» توجيه ذكر {اثنين} بأنه لدفع احتمال إرادة الجنس حقيقة لا مجازاً. وإذ نُهوا عن اتخاذ إلهين فقد دلّ بدلالة الاقتضاء على إبطال اتخاذ آلهة كثيرة. وجملة {إنما هو إله واحد} يجوز أن تكون بياناً لجملة {لا تتخذوا إلهين اثنين}، فالجملة مقولة لفعل {وقال الله} لأن عطف البيان تابع للمبيّن كموقع الجملة الثانية في قول الشاعر: أقول له ارحَلْ لا تَقيمَنّ عندنا فلذلك فُصلت، وبذلك أفيد بالمنطوق ما أفيد قبلُ بدلالة الاقتضاء. والضمير من قوله تعالى: {إنما هو إله واحد} عائد إلى اسم الجلالة في قوله: {وقال الله}، أي قال الله إنما الله إله واحد، وهذا جَريٌ على أحد وجهين في حكاية القول وما في معناه بالمعنى كما هنا، وقوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام {أن اعبدوا الله ربي وربكم} [سورة المائدة: 117] ف {أن اعبدوا الله} مفسرُ « أمَرْتني»، وفعل « أمَرْتني» فيه معنى القول، والله قال له: قل لهم اعبُدوا الله ربك وربهم، فحكاه بالمعنى، فقال: ربّي. والقصر في قوله: {إنما هو إله واحد} قصر موصوف على صفة، أي الله مختصّ بصفة توحّد الإلهية، وهو قصر قلب لإبطال دعوى تثنية الإله. ويجوز أن تكون جملة {إنما هو إله واحد} معترضةً واقعة تعليلاً لجملة {لا تتخذوا إلهين اثنين} أي نَهى الله عن اتخاذ إلهين لأن الله واحد، أي والله هو مسمّى إله فاتّخاذ إلهين اثنين قلب لحقيقة الإلهية. وحصر صفة الوحدانية في عَلَم الجلالة بالنّظر إلى أن مسمّى ذلك العلم مساوٍ لمسمّى إله، إذ الإله منحصر في مسمّى ذلك العلَم. وتفريع {فإياي فارهبون} يجوز أن يكون تفريعاً على جملة {لا تتخذوا إلهين اثنين} فيكون {فإياي فارهبون} من مقول القول، ويكون في ضمير المتكلم من قوله: {فارهبون} التفات من الغيبة إلى الخطاب. ويجوز أن يكون تفريعاً على فعل {وقال الله} فلا يكون من مقول القول، أي قال الله لا تتخذوا إلهين فلا ترهبوا غيري. وليس في الكلام التفات على هذا الوجه. وتفرّع على ذلك قوله تعالى: {فإياي فارهبون} بصيغة القصر، أي قصر قلب إضافياً، أي قصر الرهبة التامة منه عليه فلا اعتداد بقدرة غيره على ضرّ أحد. وهو ردّ على الذين يرهبون إله الشرّ فالمقصود هو المرهوب. والاقتصار على الأمر بالرّهبة وقصرها على كونها من الله يفهم منه الأمر بقصر الرغبة عليه لدلالة قصر الرهبة على اعتقاد قصر القدرة التامة عليه تعالى فيفيد الردّ على الذين يطمعون في إله الخير بطريق الأولى... ووقع في ضمير {فإياي} التفات من الغيبة إلى التكلم لمناسبة انتقال الكلام من تقرير دليل وحدانية الله على وجه كلّي إلى تعيين هذا الواحد أنه الله منزل القرآن تحقيقاً لتقرير العقيدة الأصلية. وفي هذا الالتفات اهتمام بالرّهبة لما في الالتفات من هزّ فهم المخاطبين. وتقدّم تركيب نظيره بدون التفات في سورة البقرة. واقتران فعل {فارهبون} بالفاء ليكون تفريعاً على تفريع فيفيد مفاد التأكيد لأن تعلّق فعل « ارهبون» بالمفعول لفظاً يجعل الضمير المنفصل المذكور قبله في تقدير معمول لفعل آخر، فيكون التقدير: فإياي ارهبُوا فارهبون، أي أمرتكم بأن تقصُروا رهبتكم عليّ فارهبون امتثالاً للأمر...