روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّـٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ} (136)

{ أُوْلَئِكَ } إشارة إلى المذكورين أخيراً باعتبار اتصافهم بما تقدم من الصفات الحميدة ، والبعد للإشعار ببعد منزلتهم في الفضل ، وإلى هذا ذهب المعظم ، وقيل : هو إشارة إلى المذكورين وهم طائفة واحدة ، وهو مبتدأ وقوله تعالى : { أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ } بدل اشتمال منه أو مبتدأ ثان ، وقوله تعالى : { مَغْفِرَةٍ } خبر { أولئك } أو خبر المبتدأ الثاني ، والجملة خبر الأول ، وهذه الجملة خبر { والذين إِذَا فَعَلُواْ } [ آل عمران : 135 ] الخ على الوجه الأول ، وادعى مولانا شيخ الإسلام «أنه الأظهر الأنسب بنظم المغفرة المنبئة عن سابقة الذنب في سلك الجزاء إذ على الوجهين الأخيرين { أولئك } الخ جملة مستأنفة مبينة لما قبلها كاشفة عن حال كلا الفريقين المحسنين والتائبين ولم يذكر ما هو من أوصاف الأولين ما فيه شائبة الذنب حتى يذكر في مطلع الجزاء الشامل لهما المغفرة ، وتخصيص الإشارة بالأخيرين مع اشتراكهما في حكم إعداد الجنة لهما تعسف ظاهر » انتهى .

والذي يشعر به ظاهر ما أخرجه ابن جرير عن الحسن أنه قرأ : { الذين يُنفِقُونَ في السَّرَّاء والضراء } [ آل عمران : 134 ] الآية ثم قرأ { والذين إِذَا فَعَلُواْ فاحشة } [ آل عمران : 135 ] الآية فقال : إن هذين النعتين لنعت رجل واحد أحد الوجهين الأخيرين اللذين أشار إليهما ، بل الأول منهما ، وتكون هذه الإشارة كما قال صاحب القيل ، وهذه المغفرة ، هي المغفرة التي أمر جميع المؤمنين من له ذنب ومن لا ذنب له منهم بالمسارعة إلى ما يؤدي إليها فلا يضر وقوعها في مطلع الجزاء .

{ مّن رَّبّهِمُ } متعلق بمحذوف وقع صفة للمغفرة مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي مغفرة عظيمة كائنة من جهته تعالى ، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم للاشعار بعلة الحكم مع التشريف { وجنات * تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الانهار } عطف على مغفرة والمراد بها جنات في ضمن تلك الجنة التي أخبر سبحانه أن عرضها السموات والأرض ، وليس جنات وراءها على ما يقتضيه كلام صاحب القيل إلا أنه لم يكتف بإعداد ما وصف أولاً تنصيصاً على وصفها باشتمالها على ما يزيدها بهجة من الأنهار الجارية بعد وصفها بالسعة والإخبار بأنها جزاؤهم وأجرهم الذي لا بد بمقتضى الفضل أن يصل إليهم ، وهذا فوق الاخبار بالإعداد أو مؤكد له فالتنوين للتعظيم على طرز ما ذكر في المعطوف عليه ، وادعى شيخ الإسلام أن التنكير يشعر بكونها أدنى من الجنة السابقة ، وإن ذلك مما يؤيد رجحان الوجه الأول الذي أشار إليه ، وفيه تردد { خالدين فيها } حال مقدرة من الضمير المجرور في جزاؤهم لأنه مفعول به معنى ؛ إذ هو في قوة يجزيهم الله جنات خالدين فيها ، ولا مساغ ؛ لأن يكون حالاً من ( جنات ) في اللفظ وهي لأصحابها في المعنى ؛ إذ لو كان كذلك لأبرز الضمير على ما عليه الجمهور .

{ وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين } المخصوص بالمدح محذوف أي وَنِعمَ أجر العاملين الجنة ، وعلى ذلك اقتصر مقاتل ، وذهب غير واحد أنه ذلك أي ما ذكر من المغفرة والجنات . / وفي الجملة على ما نص عليه بعض المحققين وجوه من المحسنات : أحدها : أنها كالتذييل للكلام السابق فيفيد مزيد تأكيد للاستلذاذ بذكر الوعد ، وثانيها : في إقامة الأجر موضع ضمير الجزاء لأن الأصل ونعم هو أي جزاؤهم إيجاب إنجاز هذا الوعد وتصوير صورة العمل في العمالة تنشيطاً للعامل ، وثالثها : في تعميم العاملين وإقامته مقام الضمير الدلالة على حصول المطلوب للمذكورين بطريق برهاني .

والمراد من الكلام السابق الذي جعل هذا كالتذييل له إما الكلام الذي في شأن التائبين ، أو جميع الكلام السابق على الخلاف الذي ذكرناه آنفاً ، ومن ذهب إلى الأول قال : وكفاك في الفرق بين القبيلين وهما المتقون الذين أتوا بالواجبات بأسرها واجتنبوا المعاصي برمتها ، والمستغفرون لذنوبهم بعدما أذنبوا وارتكبوا الفواحش والظلم أنه تعالى فصل آية الأولين بقوله سبحانه وتعالى : { والله يُحِبُّ المحسنين } [ آل عمران : 134 ] المشعر بأنهم محسنون محبوبون عند الله تعالى ، وفصل آية الآخرين بقوله جلَّ وعلا : { وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين } المشعر بأن هؤلاء أجراء وأن ما أعطوا من الأجر جزاء لتداركهم بعض ما فوتوه على أنفسهم ، وأين هذا من ذاك ؟ وبعيد ما بين السمك والسماك ، ولا يخفى أنه على تقدير كون النعتين نعت رجل واحد كما حكي عن الحسن يمكن أن يقال : إن ذكر هذه الجملة عقيب تلك ؛ لما ذكره بعض المحققين وأي مانع من الإخبار بأنهم محبوبون عند الله تعالى وأن الله تعالى منجز ما وعدهم به ولا بدّ ، وكونهم إذا أذنبوا استغفروا وتابوا لا ينافي كونهم محسنين أما إذا أريد من الإحسان الإنعام على الغير فظاهر ، وأما إذا أريد به الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق أو أن تعبد الله تعالى كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك كما صرح به في الصحيح فلأن ذلك لو نافى لزم أن لا يصدق المحسن إلا على نحو المعصوم ولا يصدق على من عبد الله تعالى وأطاعه مدة مديدة على أليق وجه وأحسنه ثم عصاه لحظة فندم أشد الندم واستغفر سيد الاستغفار ؛ ولا أظن أحداً يقول بذلك فتدبر .

ثم إن في هذه الآيات على ما ذهب إليه المعظم دلالة على أن المؤمنين ثلاث طبقات ، متقين ، وتائبين ، ومصرين ، وعلى أن غير المصرين تغفر ذنوبهم ويدخلون الجنة ، وأما أنها تدل على أن المصرين لا تغفر ذنوبهم ولا يدخلون الجنة كما زعمه البعض فلا ؟ لأن السكوت عن الحكم ليس بياناً لحكمهم عند بعض ودالّ على المخالفة عند آخرين وكفى في تحققها أنهم مترددون بين الخوف والرجاء وأنهم لا يخلون عن تعنيف أقله تعييرهم بما أذنبوه مفصلا ويا له من فضيحة وهذا ما لا بد منه على ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وحينئذ لم يتم لهم المغفرة الكاملة كما للتائبين على أن مقتضى ما في الآيات أن الجنة لا تكون جزاء للمصر ؛ وكذلك المغفرة أما نفي التفضل بهما فلا ، وهذا على أصل المعتزلة واضح للفرق بين الجزاء والتفضل وجوباً وعدم وجوب ، وأما على أصل أهل السنة فكذلك ؛ لأن التفضل قسمان : قسم مترتب على العمل ترتب الشبع على الأكل يسمى أجراً وجزاءاً وقسم لا يترتب على العمل فمنه ما هو تتميم للأجر كماً أو كيفاً كما وعده من الاضعاف وغير ذلك ، ومنه ما هو محض التفضل حقيقة واسماً كالعفو عن أصحاب الكبائر ورؤية الله تعالى في دار القرار وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى قاله بعض المحققين ، وذكر العلامة الطيبي أن قوله تعالى :

{ واتقوا النار التى أُعِدَّتْ للكافرين } [ آل عمران : 131 ] وردت خطاباً لآكلي الربا من المؤمنين وردعاً لهم عن الإصرار على ما يؤديهم إلى دركات الهالكين من الكافرين وتحريضاً على التوبة والمسارعة إلى نيل الدرجات مع الفائزين من المتقين والتائبين ، فإدراج المصرين في هذا المقام بعيد المرمى لأنه إغراء وتشجيع على الذنب لا زجر ولا ترهيب فبين بالآيات معنى المتقين للترغيب والترهيب ومزيد تصوير مقامات الأولياء ومراتبهم ليكون حثاً لهم على الانخراط في سلكهم ولا بدّ من ذكر التائبين واستغفارهم وعدم الإصرار ليكون لطفاً لهؤلاء وجميع الفوائد التي ذكرت في قوله سبحانه وتعالى : { وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله } [ آل عمران : 135 ] تدخل في المعنى ، فعلم من هذا أن دلالة { وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ } [ آل عمران : 135 ] مهجورة ؛ لأن مقام التحريض والحث أخرج المصرين ، والحاصل أن شرط دلالة المفهوم هنا منتف فلا يصح الاحتجاج بذلك للمعتزلة أصلاً .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ } وهو ستره لوجودهم بوجوده وترقيهم من مقام توحيد الأفعال إلى ما فوقه { وجنات } أي أشياء خفية وهي جنات الغيب وبساتين المشاهدة والمداناة التي هي عيون صفات الذات { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } أي تجري منها أنهار الأوصاف الأزلية { خالدين فيها } بلا مكث ولا قطع ولا خطر الزمان ولا حجب المكان ولا تغير { وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين } [ آل عمران : 136 ] ومنهم الواقفون بشرط الوفاء في العشق على الحضرة القديمة بلا نقض للعهود ولا سهو في الشهود .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّـٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ} (136)

{ أولئك } الموصوفون بتلك الصفات { جزاؤهم مغفرة من ربهم } تزيل عنهم كل محذور { وجنات تجري من تحتها الأنهار } فيها من النعيم المقيم ، والبهجة والسرور والبهاء ، والخير والسرور ، والقصور والمنازل الأنيقة العاليات ، والأشجار المثمرة البهية ، والأنهار الجاريات في تلك المساكن الطيبات ، { خالدين فيها } لا يحولون عنها ، ولا يبغون بها بدلا ، ولا يغير ما هم فيه من النعيم ، { ونعم أجر العاملين } عملوا لله قليلا فأجروا كثيرا ف " عند الصباح يحمد القوم السرى " وعند الجزاء يجد العامل أجره كاملا موفرا .

وهذه الآيات الكريمات من أدلة أهل السنة والجماعة ، على أن الأعمال تدخل في الإيمان ، خلافا للمرجئة ، ووجه الدلالة إنما يتم بذكر الآية ، التي في سورة الحديد ، نظير هذه الآيات ، وهي قوله تعالى : { سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله } فلم يذكر فيها إلا لفظ الإيمان به وبرسله ، وهنا قال : { أعدت للمتقين } ثم وصف المتقين بهذه الأعمال المالية والبدنية ، فدل على أن هؤلاء المتقين الموصوفين بهذه الصفات هم أولئك المؤمنون .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّـٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ} (136)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

فمن استغفر ف {أولئك جزاؤهم مغفرة} لذنوبهم {من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها}، يعني مقيمين في الجنان لا يموتون، {ونعم أجر العاملين} يعني التائبين من الذنوب...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يعني تعالى ذكره بقوله: أولئك الذين ذكر أنه أعدّ لهم الجنة التي عرضها السموات والأرض من المتقين، ووصفهم به، ثم قال: هؤلاء الذين هذه صفتهم {جَزَاؤُهُمْ} يعني ثوابهم من أعمالهم التي وصفهم تعالى ذكره أنهم عملوها، {مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبّهِمْ} يقول: عفو لهم من الله عن عقوبتهم على ما سلف من ذنوبهم، ولهم على ما أطاعوا الله فيه من أعمالهم بالحسن منها جنات، وهي البساتين {تَجْري مِنْ تَحْتها الأنْهارُ} يقول: تجري خلال أشجارها الأنهار، وفي أسافلها جزاء لهم على صالح أعمالهم، {خَالِدينَ فيها} يعني دائمي المقام في هذه الجنات التي وصفها، {ونِعْمَ أجْرُ العَامِلينَ} يعني ونعم جزاء العاملين لله الجنات التي وصفها

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

قوله:"أولئك" إشارة إلى من تقدم وصفهم من المتقين الذين ينفقون في السراء والضراء، ويكظمون الغيظ، ويعفون عن الناس، "وإذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم"، فقال هؤلاء:"لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها"...

ثم قال. "ونعم أجر العاملين "يعني ما وصفه من الجنات وأنواع الثواب، والمغفرة بستر الذنب حتى تصير كأنها لم تعمل في زوال العار بها والعقوبة بها، والله تعالى متفضل بذلك لانا بينا أن اسقاط العذاب عند التوبة تفضل منه تعالى، فأما استحقاق الثواب بالتوبة فواجب عقلا لا محالة، لأنه لو لم يكن مستحقا لذلك لقبح تكليفه التوبة لما فيها من المشقة والكلفة...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

قال {أَجْرُ العاملين} بعد قوله: {جَزَآؤُهُمْ} [آل عمران: 87] لأنهما في معنى واحد. وإنما خالف بين اللفظين لزيادة التنبيه على أنّ ذلك جزاء واجب على عمل، وأجر مستحق عليه، لا كما يقول المبطلون...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

ثم شرك تعالى الطائفتين المذكورتين في قوله {أولئك جزاؤهم} الآية، وهذه تؤذن بأن الله تعالى أوجب على نفسه بهذا الخبر الصادق قبول توبة التائب، وليس يجب عليه تعالى من جهة العقل شيء، بل هو بحكم الملك لا معقب لأمره...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

{أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى من تحتها الأنهار} والمعنى: أن المطلوب أمران: الأول: الأمن من العقاب وإليه الإشارة بقوله: {مغفرة من ربهم} والثاني: إيصال الثواب إليه وهو المراد بقوله: {جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها} ثم بين تعالى أن الذي يحصل لهم من ذلك وهو الغفران والجنات يكون أجرا لعملهم وجزاء عليه بقوله: {ونعم أجر العاملين}...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما أتم وصف السابقين وهم المتقون واللاحقين وهم التائبون قال -معلماً بجزائهم الذي سارعوا إليه من المغفرة والجنة مشيراً إليهم بأداة البعد تعظيماً لشأنهم على وجه معلم بأن أحدا لا يقدر أن يقدر الله حق قدره -: {أولئك} أي العالو الرتبة {جزآؤهم مغفرة} أي لتقصيرهم أو لهفواتهم أو لذنوبهم، وعظمها بقوله: {من ربهم} أي المحسن إليهم بكل إحسان، وأتبع ذلك للإكرام فقال: {وجنات} أيّ جنات، ثم بين عظمها بقوله: {تجري من تحتها الأنهار} حال كونكم {خالدين فيها} هي أجرهم على عملهم {ونعم أجر العاملين} هي، هذا على تقدير أن تكون الإشارة لجميع الموصوفين، وإن كانت للمستغفرين خاصة فالأمر واضح في نزول رتبتهم عمن قبلهم...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

أما قوله عز وجل: {ونعم أجر العالمين} فهو نص في أن هذا الجزاء إنما هو على تلك الأعمال، التي منها ما هو إصلاح لحال الأمة كإنفاق المال، ومنها ما هو إصلاح لنفس العامل، وكلها مما يرقي النفس البشرية، حتى تكون أهلا لتلك المراتب العلية، أي ونعم ذلك الجزاء الذي ذكره من المغفرة والجنات أجرا للعالمين، تلك الأعمال البدنية كالإنفاق، والنفسية كعدم الإصرار، وإن كانوا يتفاوتون فيه لتفاوتهم في التقوى والأعمال.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

... هؤلاء المتقون ما لهم؟ (أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها. ونعم أجر العاملين).. فهم ليسوا سلبيين بالاستغفار من المعصية. كما أنهم ليسوا سلبيين بالإنفاق في السراء والضراء، وكظم الغيظ والعفو عن الناس.. إنما هم عاملون. (ونعم أجر العاملين) المغفرة من ربهم، والجنة تجري من تحتها الأنهار بعد المغفرة وحب الله.. فهنالك عمل في أغوار النفس، وهنالك عمل في ظاهر الحياة. وكلاهما عمل، وكلاهما حركة، وكلاهما نماء. وهنالك الصلة بين هذه السمات كلها وبين معركة الميدان التي يتعقبها السياق.. وكما أن للنظام الربوي -أو النظام التعاوني- أثره في حياة الجماعة المسلمة وعلاقته بالمعركة في الميدان، فكذلك لهذه السمات النفسية والجماعية أثرها الذي أشرنا إليه في مطلع الحديث..

فالانتصار على الشح، والانتصار على الغيظ، والانتصار على الخطيئة، والرجعة إلى الله وطلب مغفرته ورضاه.. كلها ضرورية للانتصار على الأعداء في المعركة. وهم إنما كانوا أعداء لأنهم يمثلون الشح والهوى والخطيئة والتبجح! وهم إنما كانوا أعداء لأنهم لا يخضعون ذواتهم وشهواتهم ونظام حياتهم لله ومنهجه وشريعته. ففي هذا تكون العداوة، وفي هذا تكون المعركة، وفي هذا يكون الجهاد. وليس هنالك أسباب أخرى يعادي فيها المسلم ويعارك ويجاهد. فهو إنما يعادي لله، ويعارك لله، ويجاهد لله! فالصلة وثيقة بين هذه التوجيهات كلها وبين استعراض المعركة في هذا السياق.. كما أن الصلة وثيقة بينها وبين الملابسات الخاصة التي صاحبت هذه المعركة. من مخالفة عن أمر رسول الله [ص] ومن طمع في الغنيمة نشأت عنه المخالفة. ومن اعتزاز بالذات والهوى نشأ عنه تخلف عبد الله ابن أبي ومن معه. ومن ضعف بالذنب نشأ عنه تولي من تولى -كما سيرد في السياق- ومن غبش في التصور نشأ عنه عدم رد الأمور إلى الله، وسؤال بعضهم: (هل لنا من الأمر من شيء)؟ وقول بعضهم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا.. والقرآن يتناول هذه الملابسات كلها، واحدة واحدة، فيجلوها، ويقرر الحقائق فيها، ويلمس النفوس لمسات موحية تستجيشها وتحييها.. على هذا النحو الفريد الذي نرى نماذج منه في هذا السياق.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

استئناف للتنويه بسداد عملهم: من الاستغفار، وقبول الله منهم. وجيء باسم الإشارة لإفادة أنّ المشار إليهم صاروا أحرياء بالحكم الوارد بعد اسم الإشارة، لأجل تلك الأوصاف الَّتي استوجبوا الإشارة لأجلها. وهذا الجزاء وهو المغفرة وعد من الله تعالى، تفضّلا منه: بأن جعل الإقلاع عن المعاصي سبباً في غفران ما سلف منها. وأمَّا الجنّات فإنَّما خلصت لهم لأجل المغفرة، ولو أخذوا بسالف ذنوبهم لما استحقّوا الجنَّات فالكلّ فضل منه تعالى. وقوله: {ونعم أجر العاملين} تذييل لإنشاء مدح الجزاء... وسمِّي الجزاء أجراً لأنَّه كان عن وعد للعامل بما عمل. والتَّعريف في (العاملين) للعهد أي: ونعم أجر العاملين هذا الجزاء، وهذا تفضيل له والعمل المجازي عليه أي إذا كان لأصناف العاملين أجور، كما هو المتعارف، فهذا نعم الأجر لعامل.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

أي: أولئك الذين اتصفوا بهذه الصفات بسببها قد استحقوا -برحمة الله تعالى- جزاءهم وهو ثلاثة: أعلاها مغفرة من ربهم الذي خلقهم، وهذه المغفرة دليل رضاه، وهو أعلى جزاء. والثاني: الجنات التي تتوافر فيها أنواع النعيم. وثالثها: الخلود، فهو نعيم ليس على مظنة الانتهاء، إذ عن توقع الزوال ينقص من قدره، ولذلك قال بعد ذلك سبحانه: {ونعم اجر العاملين} أي ذلك الجزاء جدير بأن يرغب فيه، ويتنافس فيه المتنافسون، ويطلبه كل عارف لحقيقته لم تلهه الدنيا بما فيها، فذلك المدح للحث على طلبه والعمل على استحقاقه وعدم التخلف عن الاتجاه إليه...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

قول الحق سبحانه: {أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ} هو إشارة لكل ما سبق. ونلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى جعل للعاملين بهذا العمل من التقوى قوسين: القوس الأول الذي ابتدأ به هو قوله الحق: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}. والقوس الثاني هو الذي أنهى الأمر: {أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ}. فالجنة الأولى التي ذكرها الله إلهاباً للعواطف النفسية لتقبل على ما يؤدي لهذه الجنة، وبعد ذلك ذكر الأوصاف والأصناف وجعل الجنة أجراً. {وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}. والأجر عادة هو ما يأخذه العامل نتيجة العمل. والأجر حين يأخذه العامل نتيجة لعمل يتوقف على تقييم العمل عند صاحب العمل نفسه. فزيادة الأجر ونقصه تقدير من صاحب العمل، وأيضاً تقدير للعامل. فإن طلب أصحاب عمل متعددون عاملاً محدداً فله أن يطلب زيادة وإن لم يطلبه أحد فهو يقبل أول عرض من الأجر نظير أداء العمل. إذن فالمسألة مسألة حاجة من صاحب عمل، أو حاجة من عامل، وحين ننظر إلى الصفقة في الآخرة نجد أنها بين إله لا يحتاج إلى عملك. ومع أنه لا يحتاج إلى عملك جعل لعملك أجراً. ما هذه المسألة؟ هو ليس محتاجاً إلى عملك، ويعطيك أجراً على عملك ويقول لك: إن هذا الأجر هو الحد الأدنى، لكن لي أنا أن أضاعف هذا الأجر، ولي أن أتفضل عليك بما فوق الأجر. فكم مرحلة إذن؟ إنها ثلاث مراحل، مع أنه سبحانه لا يستفيد من هذا العمل إلا أنه وضع ثلاث مراتب للأجر. إذن فالحاجة من جهة واحدة هي جهتك أنت أيها العبد، أنت تحتاج إلى خالقك وهو لا يحتاج إليك، ومع ذلك يعطيك الإله الحق الأجر لا على قدر العمل فقط، ولكن فوق ذلك بكثير. إن الذي تعمل له يوماً من العباد قد يعطيك -على سبيل المثال- ما يكفيك قوت يوم، أو قوت يوم ونصف يوم. ولكنك حين تأخذ الأجر من يد الله فإنه يعطيك أجراً لا تنتهي مدة إنفاقه؛ فهو القائل: {وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}. هذا هو الأجر الذي يقال فيه: نعم هذا الأجر؛ لأنه أجر لا يتناسب مع مجهودي، بل يفوق كل ما بذلت من جهد وقادم من جهة لا تحتاج إلى هذا المجهود. إنه سبحانه متفضل علي أولاً. ومتفضل علي أخيراً، ليدل الحق سبحانه وتعالى على أنك -أيها العبد- حين تعمل الطاعة يَعود أثر الطاعة على نفسك ومع ذلك فهو يعطيك أجراً على ما فعلت...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

ونستوحي من هذه الآيات، أنَّ عظمة الشخصية الإنسانية هي في امتزاج الجوانب الإنسانية والعملية والروحية ببعضها البعض، لتمثِّل التوازن في حركة الشخصية وفاعليتها في الحياة، بعيداً عن فكرة الجانب الواحد الذي قد يرى فيه بعض النَّاس مظهراً حيّاً من مظاهر التقييم، كما نلاحظ في النماذج التي تتميّز بالروحية في العبادة إلى مستوى الفناء والذوبان في محبّة اللّه، ولكنَّها تتميّز في الجانب السلبي بالقسوة في المعاملة والعلاقة، أو بالبخل في جانب العطاء، أو بالانفتاح على المعاصي مع الإصرار، أو بالانحرافات الاجتماعية في نطاق الكلمة والفعل والأسلوب... فإنَّ ذلك الارتباك في طبيعة هذه الصفات يدلّ على وجود خللٍ في عمق الصفة الواحدة المتميّزة وابتعادها عن الأجواء الرحبة الطاهرة، ذلك كلّه في نطاق الأوضاع الإسلامية السليمة... وتنتهي الآيات بما بدأت به من الحديث عن الجنّة والمغفرة كجزاءٍ على ما قدّموا من عمل في سبيل تقويم نفوسهم وتوجيهها إلى الالتزام بالخطّ الإيماني الذي يتحوّل إلى معاناةٍ وإحساسٍ وحركة حياةٍ من أجل الأفضل، لتوحي للإنسان، بأنَّ المسارعة إلى المغفرة والجنّة تبدأ من تربية الذات على الصفات الأصيلة التي تعمّق في الإنسان معنى إنسانيته وتحوّله إلى عنصرٍ خيّر تتحرّك فيه التَّقوى لتربطه باللّه من جهة، وبالنَّاس من جهةٍ أخرى من خلال ارتباطه باللّه.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

والآن جاء الدور ليذكر القرآن الكريم ما ينتظر هذا الفريق من الثواب والجزاء اللائق.

وكان ذلك إذ قال سبحانه: (أُولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم، وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها).

لقد ذكر في هذه الآية جزاء المتقين الذين تعرضت الآيات السابقة لذكر أوصافهم وأبرز صفاتهم، وهذا الجزاء عبارة عن: مغفرة ربانية، وجنات خالدات تجري من تحتها الأنهار بدون انقطاع أبداً.

والحقيقة أن الإشارة هنا كانت إلى المواهب المعنوية (وهي المغفرة والطهارة الروحية والتكامل المعنوي) أولاً، ثمّ إلى المواهب المادية.

ثمّ إنه سبحانه يعقب ما قال عن الجزاء بقوله: (ونعم أجر العاملين) أي ما أروع هذا الجزاء الذي يعطي للعاملين لا للكسالى، الذين يتهربون من مسؤولياتهم، ويتملصون من التزاماتهم.