روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقۡسِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيۡرَ سَاعَةٖۚ كَذَٰلِكَ كَانُواْ يُؤۡفَكُونَ} (55)

{ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة } أي القيامة سميت بها لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا أو لأنها تقع بغتة وصارت علماً لها بالغلبة كالنجم للثريا والكوكب للزهرة ، والمراد بقيامها وجودها أو قيام الخلائق فيها { يُقْسِمُ المجرمون مَا لَبِثُواْ } أي ما أقاموا في القبور كما روى عن الكلبي . ومقاتل ، والمراد به ما أقاموا بعد الموت { غَيْرَ سَاعَةٍ } أي قطعة من الزمان قليلة ، وروى غير واحد عن قتادة أنهم يعنون ما لبثوا في الدنيا عير ساعة ، ورجح الأول بأنه الأظهر لأن لبثهم مغياً بيوم البعث كما سيأتي إن شاء الله تعالى وليس لبثهم في الدنيا كذلك ، وقيل : يعنون ما لبثوا فيما بين فناء الدنيا والبعث وهو ما بين النفختين ، وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما بين النفختين أربعون قيل أربعون يوماً يا أبا هريرة قال أبيت قيل أربعون شهراً قال أبيت قيل أربعون سنة قال : أبيت » وعني بقوله رضي الله تعالى عنه أبيت : امتنعت من بيان ذلك لكم أو أبتي أن أسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، ولهذا الحديث قيل لا يعلم أهي أربعون سنة أم أربعون ألف سنة . وحكى السفاريني في البحور الزاخرة عن بعضهم دعوى اتفاق الروايات على أن ما بين النفختين أربعون عاماً ، وأنا أقول : الحق أنه لا يعلمه إلا الله تعالى ودعوى الاتفاق لم يقم عندي دليل عليها .

وذكر الزمخشري أن ذلك وقت ينقطع عذابهم فيه واستقلوا مدة لبثهم كذباً على ما روى عن الكلبي أو نسياناً لما عراهم من هول المطلع على ما قيل ، وجوز أن يكون استقلالهم تلك المدة بالإضافة إلى مدة عذابهم يومئذ ولا يبعد علمهم بها سواء كان هذا القول في أول وقت الحشر أو في أثنائه أو بعد دخول النار ، وجوز أن يكونوا عدواً مدة بقائهم في الدنيا ساعة لعدم انتفاعهم بها والكثير بلا نفع قليل كما أن القليل مع النفع كثير فالكلام تأسف وتحسر على إضاعتهم أيام حياتهم ، وبين الساعة وساعة جناس تام مماثل كما أطبق عليه البلغاء إلا من لا يعتد به ولا يضر في ذلك اختلاف الحركة الإعرابية ولا وجود أل في إحدى الكلمتين لزيادتها على الكلمة ، وكذا لا يضر اتحاد مدلولهما في الأصل لأن المعرفة فيه كالمنكر بمعنى القطعة من الزمان لمكان النقل في المعرف وصيرورته علماً على القيامة كسائر الأعلام المنقولة وأخذ أحدهما من الآخر لا يضر أيضاً كما يوضح ذلك ما قرروه في جناس الاشتقاق ، وظن بعضهم أن الساعة في القيامة مجاز ولذا أنكر التجنيس هنا إذ التجنيس المذكور لا يكون بين حقيقة ومجاز فلا تجنيس في نحو ركبت حماراً ولقيت حماراً معهماً تعني رجلاً بليداً واشتهر أنه لم يقع في القرآن الكريم هذا النوع من الجناس إلا في هذا الموضع ، واستنبط شيخ الإسلام ابن حجر عليه الرحمة موضعاً آخر وهو قوله تعالى :

{ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بالأبصار يُقَلّبُ الله اليل والنهار إِنَّ فِى ذلك لَعِبْرَةً لأولى الابصار } [ النور : 3 4و 44 ] لأن الأبصار الأول جمع بصر والأبصار الثاني مراد به ما هو جمع بصيرة ، وتعقب بأنه وإن كان الإبصار الثاني مراد به ما هو جمع بصيرة إلا أنه ليس من باب الحقيقة بل بطريق المجاز والاستعارة لأن البصيرة ما تجمع على أبصار بل على بصائر ، فقد قال علماء العربية : إن صيغة أفعال من جموع القلة لا تطرد إلا في اسم ثلاثي مفتوح الفاء كبصر وأبصار أو مكسورها كعنب وأعناب أو مضمومها كرطب وأرطاب ساكن العين كثوب وأثواب أو محركها كما تقدم وكعضد وأعضاد وفخذ وأفخاذ ، وصيغة فعائل من جموع الكثرة لا تطرد إلا في اسم رباعي مؤنث بالتاء أو بالمعنى ثالثه مدة كسحابة وسحائب وبصيرة وبصائر وحلوبة وحلائب وشمال وشمائل وعجوز وعجائز وسعيد علم امرأة وسعائد فاستعيرت الأبصار للبصائر يجامع ما بينهما من الإدراك والتمييز .

وقد سمعت أن هذا النوع لا يكون بين حقيقة ومجاز فليحفظ { كذلك } أي مثل ذلك الإفك { كَانُواْ } أي في الدنيا { يُؤْفَكُونَ } أي يصرفون عن الصدق والتحقيق ، والغرض من سوق الآية الإغراق في وصف المجرمين بالتمادي في التكذيب والإصرار على الباطل أو مثل ذلك الإفك كانوا يؤفكون في الاغترار بما تبين لهم الآن أنه ما كان إلا ساعة فسوق الكلام للتعجب من اغترارهم بلامع السراب والغرض أن يحقر عندهم ما فيه من التمتعات وزخارف الدنيا كي يقلعوا عن العناد ويرجعوا إلى سبيل الرشاد فكأنه : قيل مثل ذلك الإفك العجيب الشأن كانوا يؤفكون في الدنيا اغتراراً بما عدده ساعة استقصاراً والصارف لهم هو الله تعالى أو الشيطان أو الهوى ، وأياً ما كان فليس ذاك إلا لسوء اختيارهم وخباثة استعدادهم ، وفي الآية على أحد الأقوال دليل على وقوع الكذب في الآخرة من الكفرة .

واستدل بها بعضهم على نفي عذاب القبر ، وليس بشيء .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقۡسِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيۡرَ سَاعَةٖۚ كَذَٰلِكَ كَانُواْ يُؤۡفَكُونَ} (55)

{ 55 - 57 } { وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } .

يخبر تعالى عن يوم القيامة وسرعة مجيئه وأنه إذا قامت الساعة { يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ } باللّه أنهم { مَا لَبِثُوا } في الدنيا إلا { سَاعَة } وذلك اعتذار منهم لعله ينفعهم العذر واستقصار لمدة الدنيا .

ولما كان قولهم كذبا لا حقيقة له قال تعالى : { كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ } أي : ما زالوا -وهم في الدنيا- يؤفكون عن الحقائق ويأتفكون الكذب ، ففي الدنيا كذَّبوا الحق الذي جاءتهم به المرسلون ، وفي الآخرة أنكروا الأمر المحسوس وهو اللبث الطويل في الدنيا ، فهذا خلقهم القبيح والعبد يبعث على ما مات عليه .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقۡسِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيۡرَ سَاعَةٖۚ كَذَٰلِكَ كَانُواْ يُؤۡفَكُونَ} (55)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ويوم تقوم الساعة} يوم القيامة {يقسم} يعني يحلف {المجرمون ما لبثوا} في القبور {غير ساعة} وذلك أنهم استقلوا ذلك.

{كذلك كانوا يؤفكون} آية: هكذا كانوا يكذبون بالبعث في الدنيا، كما كذبوا أنهم لم يلبثوا في قبورهم إلا ساعة.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: ويوم تجيء ساعة البعث، فيبعث الخلق من قبورهم، يقسم المجرمون، وهم الذين كانوا يكفرون بالله في الدنيا، ويكتسبون فيه الآثام، وإقسامهم: حلفهم بالله "ما لَبِثُوا غيرَ ساعَةٍ "يقول: يقسمون بأنهم لم يلبثوا في قبورهم غير ساعة واحدة.

يقول الله جلّ ثناؤه: "كذلك" في الدنيا "كانوا يُؤْفَكُون": يقول: كذبوا في قيلهم وقَسَمِهِم ما لبثنا غير ساعة، كما كانوا في الدنيا يكذبون ويحلفون على الكذب وهم يعلمون.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

الأشبه أن يكون قوله: {يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة} في الدنيا في المحنة لا في القبور. استقصروا مقامهم في الدنيا تكذيبا لما ادعي عليهم من الزلات والمعاصي وأنواع الكفر. يقولون: إنا لبثنا في الدنيا وقتا، لا يكون منا في مثل ذلك الوقت وقدر تلك المدة مثل هذه الزلات والمعاصي، ألا ترى أنهم قد كذبوا في إنكارهم طول المقام حتى قال: {كذلك كانوا يؤفكون} أي كذلك كانوا يكذّبون في الدنيا أن لا بعث، ولا حياة بعد الموت، ولا حساب. ولولا هذا التكذيب لهم على إثر قولهم: {ما لبثوا غير ساعة} لكان الظاهر أنهم قد استقصروا المقام في الدنيا لطول المقام في الآخرة وشدة العذاب في ذلك وهوله. لكنه، والله أعلم، ما ذكرنا أنهم يقسمون أنهم ما لبثوا غير ساعة في الدنيا إنكارا وجحودا لما ادعي عليهم من الزلات والمعاصي. يقولون: إنا لم نلبث في الدنيا إلا ساعة، كيف عملنا هذه الزلات وأنواع الشرك والكفر؟

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

إنما كان ذلك لأحد أمرين: إمَّا لأنهم كانوا أمواتاً.. والميت لا إحساسَ له، أو لأنهم عَدُّواً ما لقوا من عذاب القبر بالإضافة إلى ما يَرَوْن ذلك اليوم يسيراً.

وإن أهل التحقيق يخبرونهم عن طول لُبْثِهم تحت الأرض. وإن ذلك الذي يقولونه من جملة ما كانوا يظهرون من جَحْدهم على موجب جهلهم، ثم لا يُسْمَعُ عذْرُهم، ولا يُدْفَعُ ضُرَّهم...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{الساعة} القيامة، سميت بذلك لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعة الدنيا، أو لأنها تقع بغتة وبديهة.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

وقيل ما لبثوا من وقت فناء الدنيا إلى وقت النشور...

"كذلك كانوا يؤفكون" يصرفون من الحق إلى الباطل ومن الصدق إلى الكذب...

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :

يقال: أفك الرجل إذا صرف عن الصدق والخير. وأرض مأفوكة: ممنوعة من المطر...

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

فمنه إقسامهم بالله أنهم ما لبثوا في الدنيا إلا ساعة واحدة، ومقصودهم هم بذلك عدم قيام الحجة عليهم، وأنهم لم يُنْظَروا حتى يُعذَر إليهم...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما ثبتت قدرته على البعث وغيره، عطف على قوله أول السورة {ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون} أو على ما تقديره: فيوم يريد موتكم تموتون، لا تستأخرون عن لحظة الأجل ولا تستقدمون.

{ويوم تقوم الساعة} أي القيامة التي هي إعادة الخلائق الذين كانوا بالتدريج في ألوف من السنين لا يعلم مقدارها إلا الله تعالى في أقل من لمح البصر، ولذا سميت بالساعة إعلاماً بيسرها عليه سبحانه.

{يقسم المجرمون} أي العريقون في الإجرام جرياً منهم على ديدن الجهل في الجزم بما لم يحيطوا به علماً.

{ما} أي إنهم ما {لبثوا} في الدنيا والبرزخ {غير ساعة} أي قدر يسير من ليل أو نهار. ولما كان هذا أمراً معجباً لأنه كلام كذب بحيث يؤرث أشد الفضيحة والخزي في ذلك الجمع الأعظم مع أنه غير مغنٍ شيئاً، استأنف قوله تنبيهاً على أنه الفاعل له: فلا عجب {كذلك} أي مثل ذلك الصرف عن حقائق الأمور إلى شكوكها {كانوا} في الدنيا كوناً هو كالجبلة {يؤفكون} أي يصرفون عن الصواب الذي منشأه تحري الصدق والإذعان للحق إلى الباطل الذي منشأه تحري المغالبة بصرفنا لهم، فإنه لا فرق في قدرتنا وعلمنا بين حياة وحياة، ودار ودار، ولعله بنى الفعل للمجهول إشارة إلى سهولة انقيادهم إلى الباطل مع أيّ صارف كان...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

لما ذكر عدم انتفاع المشركين بآيات القرآن وشبهوا بالأموات والصم والعمي فظهرت فظاعة حالهم في العاجلة أتبع ذلك بوصف حالهم حين تقوم الساعة في استصحاب مكابرتهم التي عاشوا عليها في الدنيا، بأن الله حين يعيد خلقهم وينشئ لهم أجساماً كأجسامهم ويعيد إليهم عقولهم يكون تفكيرهم يومئذ على وفاق ما كانوا عليه في الدنيا من السفسطة والمغالطة والغرور، فإذا نُشروا من القبور وشعروا بصحة أجسامهم وعقولهم وكانوا قد علموا في آخر أوقات حياتهم أنهم ميتون خامرتهم حينئذ عقيدة إنكار البعث وحجتُهم السفسطائية من قولهم {هل نَدُلُّكم عَلى رَجُل يُنْبِئكُم إذَا مُزِقْتم كُلَّ مُمزق إنكُّم لَفِي خَلْقٍ جَدِيد} [سبأ: 7]، هنالك يريدون أن يقنعوا أنفسهم بصحة دليلهم القديم ويلتمسون اعتلالاً لتخلف المدلول بعلة أن بعثهم ما كان إلا بعد ساعة قليلة من وقت الدفن قبل أن تنعدم أجزاء أجسامهم فيخيل إليهم أنهم مُحِقُّون في إنكاره في الدنيا إذ كانوا قد أخبروا أن البعث يكون بعد فناء الأجسام، فهم أرادوا الاعتذار عن إنكارهم البعث حين تحققوه بما حاصله: أنهم لو علموا أن البعث يكون بعد ساعة من الحُلول في القبر لأقروا به. وقد أنبأ عن هذا تسمية كلامهم هذا معذرة بقوله عقبه: {فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم} [الروم: 57].

وهذه فتنة أصيبوا بها حين البعث جعلها الله لهم ليكونوا هُزأة لأهل النشور، ويتضح غلطهم وسوء فهمهم كما دل عليه قوله تعالى بعد ذلك: {وقال الذين أوتوا العلم والإيمان} الآية [الروم: 56] وقد أومأ إلى أن هذا هو المراد من الآية أنه قال عقب ذلك: {كذلك كانوا يؤفكون} أي كهذا الخطأ كانوا في الدنيا يُصرفون عن الحق بمثل هذه الترهات. وتقدم شيء من هذا في المعنى عند قوله تعالى: {يَتَخافتون بَيْنهُم إنْ لَبِثْتُم إلاَّ عَشراً نَحْنُ أعْلَم بِمَا يَقُولون إذْ يَقُول أمْثَلهم طَرِيقَة إنْ لَبِثْتُم إلاَّ يوماً} في سورة طه (103، 104)، وبلغ من ضلالهم في ذلك أنهم يُقسمون عليه، وهذا بعدَ ما يجري بينهم من الجدال من قول بعضهم: {إنْ لَبِثْتُم إلاَّ عَشْراً} وقول بعضهم: {إنْ لَبِثْتُم إلاَّ يَوْماً}، وقول آخرين: {لَبِثْنَا يَوْماً أوْ بَعْض يَوْم} [الكهف: 19] وبعض اليوم يصدق بالساعة، كما حكي عنهم في هذه الآية.

والظاهر أن هذا القسم يتخاطبون به فيما بينهم كما اقتضته آية سورة طه، أو هو حديث آخر أعلنوا به حين اشتد الخلاف بينهم لأن المصير إلى الحلف يؤذن بمشادة ولجاج في الخلاف.

وفي قوله: {السَّاعَة} و {ساعة} الجناس التام.

وكانوا يقسمون على عقائدهم كما في قوله: {وأقْسَموا بالله جَهْدَ أيْمَانِهم لاَ يَبْعَث الله مَنْ يَمُوت} [النحل: 38] استخفافاً بالأيمان، وكذلك إشارة إلى انصرافهم عن الحق يوم البعث.

والمشار إليه هو المشبه به والمشبه محذوف دل عليه كاف التشبيه، والتقدير: إفكاً مثل إفكهم هذا كانوا يُؤفكون به في حياتهم الدنيا. والمقصود من التشبيه المماثلة والمساواة. والإفك بفتح الهمزة: الصرف وهو من باب ضرب، ويُعدى إلى الشيء المصروف عنه بحرف (عن)، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: {ليقولُنّ الله فأنَّى يُؤْفَكون} في سورة العنكبوت (60).

ولم يسند إفكهم إلى آفك معين لأن بعض صرفهم يكون من أوليائهم وأيمة دينهم، وبعضَه من طبع الله على قلوبهم.

وإقحام فعل {كانُوا} للدلالة على أن المراد في زمان قبلَ ذلك الزمن، أي في زمن الحياة الدنيا. والمعنى: أن ذلك خلُق تخلقوا به وصار لهم كالسجية في حياتهم الدنيا حتى إذا أعاد الله إليهم أرواحهم صدر عنهم ما كانوا تخلقوا به وقال تعالى {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَني أعمى وقَد كُنْت بَصِيراً قَال كذلك أتَتْكَ آياتُنا فنسِيْتَها وكذلك اليَوْم تُنْسى وكذلك نَجْزِي مَنْ أسْرَف} الآية [طه: 125 127] وفي هذا الخبر أدب عظيم للمسلمين أن يتَحامَوْا الرذائل والكبائر في الحياة الدنيا خشية أن تصير لهم خلقاً فيحشروا عليها...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

كلمة "تقوم الساعة "تدل على أنها موجودة، لكن نائمة تنتظر الإذن لها، فتقوم تنتظر أن نقول لها: كن فتكون، فالقيام هنا له دلالته؛ لأن الساعة أمر لا يتأتى به القيام، إنما يقيمها الحق سبحانه، فقوله {تقوم} كأنها منضبطة كما تضبط المنبه مثلا، ولها وقت تنتظره، وهي من تلقاء نفسها إن جاء وقتها قامت.

وعجيب أن يقسم الكفار يوم القيامة {ما لبثوا غير ساعة} فإن كذبوا في الدنيا، فهل يكذبون أيضا في الآخرة؟ قالوا: بل يقولون ذلك على ظنهم، وإلا فالكلام منهم في هذا الوقت ليس اختياريا، فقد مضى وقت الاختيار، ولم يعد الآن قادرا على الكذب.

والمجرمون: المجرم هو الذي خرج عن المطلوب منه بذنب يخالفه.

ومعنى {ما لبثوا} اللبث: المكث طويلا أي في الدنيا، أو: ما لبثوا في قبورهم بعد الموت إلى قيام الساعة التي تحيى.

(ما لبثنا غير ساعة) مع أن الآخرة لا كذب فيها، لكنهم يقولون ذلك على حسب ظنهم؛ لأن الغائب عن الزمن لا يدري به، والزمن ظرف لوقت الأحداث، كما أن المكان ظرف لمكانها، فالنائم مثلا لا يشعر بالزمن؛ لأن الزمن يحسب بتوالي الأحداث فيه، فإذا كنت لا تشعر بالحدث فبالتالي لا تشعر بالوقت، سواء أكان بنوم كأهل الكهف، أو بموت كالذي أماته الله مائة عام ثم بعثه.

ولما قاموا من النوم أو الموت لم يوقتوا إلا على عادة الناس في النوم، قالوا: {لبثنا يوما أو بعض يوم} (الكهف 19)؛ لأنه في هذه الحالة لا يدري بالزمن، إنما يدري بالزمن الذي يتتبع الأحداث، وما دام الإنسان في هذه الحالة لا يدرك الزمن، فهو صادق فيما يخبر به على ظنه.

{ويوم تقوم الساعة} جاءت بعد إعذار الله للكافرين برسله...لذلك دائما ما يعرض علينا الحق سبحانه آياته في الكون، لكن يعرضها متفرقة، فلم يصبها علينا صبا، إنما يأتي بالآية ثم يردفها بما حدث منهم من التكذيب والنكران، فيأتي بالآية ونتيجتها منهم، ذلك ليكرر الإعذار لهم في أنه لم يعد لهم عذر في ألا يؤمنوا. فنلحظ هذا التكرار في قوله سبحانه: {ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون 46} ثم يذكر أن هذه الآيات لم تجد معهم: {ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين47} (الروم) ثم يسوق آية أخرى: {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون48 وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين 49 فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير50} (الروم)، ثم يذكر سبحانه ما كان منهم بعد كل هذه الآيات: {ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون51} (الروم) وهكذا يذكر الحق سبحانه الآية، ويتبعها بما حدث منهم نكران، ويكررها حتى لا تبقى لهم حجة للكفر، ثم تأتي هذه الآية: {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة... 55} (الروم) لتقول لهم: إن كنتم قد كذبتم بكل هذه الآيات، فستأتيكم آية لا تستطيعون تكذيبها هي القيامة.