روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِهَا وَءَامَنُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ} (153)

{ والذين عَمِلُواْ السيئات } أي سيئة كانت لعموم المغفرة ولأنه لا داعي للتخصيص { ثُمَّ تَابُواْ } عنها { مِن بَعْدِهَا } أي من بعد عملها وهو تصريح بما تقتضيه ثم { وَءامَنُواْ } أي واشتغلوا بالإيمان وما هو مقتضاه وبه وتمامه من الأعمال الصالحة ولم يصروا على ما فعلوا كالطائفة الأولى ، وهو عطف على تابوا ، ويحتمل أن يكون حالاً بتقدير قد ، وإياً ما كان فهو على ما قيل : من ذكر الخاص بعدم العام للاعتناء به لأن التوبة عن الكفر هي الإيمان فلا يقال : التوبة بعد الإيمان كيف جاءت قبله .

وقيل : حيث كان المراد بالإيمان ما تدخل فيه الأعمال يكون بعد التوبة . وقيل : المراد به هنا التصديق بأن الله تعالى يغفر للتائب أي ثم تابوا وصدقوا بأن الله تعالى يغفر لمن تاب { إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا } أي من بعد التوبة المقرونة بما لا تقبل بدونه وهو الإيمان ، ولم يجعل الضمير للسيئات لأنه كما قال بعض المحققين لا حاجة له بعد قوله سبحانه : { ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا } لا لأنه يحتاج إلى حذف مضاف ومعطوف من عملها والتوبة عنها لأنه لا معنى لكونه بعدها إلا ذلك { لَغَفُورٌ } لذنوبهم وإن عظمت وكثرت { رَّحِيمٌ } مبالغ في إفاضة فنون الرحمة عليهم ، والموصول مبتدأ وجملة { إِنَّ رَبَّكَ } الخ خبر والعائد محذوف ، والتقدير عند أبي البقاء لغفور لهم رحيم بهم ، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة لضميره عليه الصلاة والسلام للتشريف ، وقيل : الخطاب للتائب ، ولا يخفى لطف ذلك أيضاً ، وفي الآية إعلام بأن الذنوب وإن جلت وعظمت فإن عفو الله تعالى وكرمه أعظم وأجل ، وما ألطف قول أبي نواس غفر الله تعالى له :

يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة *** فلقد علمت بأن عفوك أعظم

إن كان لا يرجوك إلا محسن *** فبمن يلوذ ويستجير المجرم

ومما ينسب للإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه :

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي *** جعلت الرجا ربي لعفوك سلماً

تعاظمني ذنبي فلما قرنته *** بعفوك ربي كان عفوك أعظماً

/ ويعجبني قول بعضهم : وما أولى هذا المذنب به :

أنا مذنب أنا مخطىء أنا عاصي *** هو غافر هو راحم هو عافي

قابلتهن ثلاثة بثلاثة *** وستغلبن أوصافه أوصافي

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ والذين عَمِلُواْ السيئات ثُمَّ تَابُواْ } رجعوا إليه سبحانه وتعالى بمجاهدة نفوسهم وإفنائها إن ربك من بعدها لغفور فيستر صفاتهم { رحيم } [ الأعراف : 153 ] فيفيض عليهم من صفاته

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِهَا وَءَامَنُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ} (153)

ثم تاب اللّه عليهم بعد ذلك . ولهذا ذكر حكما عاما يدخلون فيه هم وغيرهم ، فقال : وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ من شرك وكبائر ، وصغائر ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا بأن ندموا على ما مضى ، وأقلعوا عنها ، وعزموا على أن لا يعودوا وَآمنُوا باللّه وبما أوجب اللّه من الإيمان به ، ولا يتم الإيمان إلا بأعمال القلوب ، وأعمال الجوارح المترتبة على الإيمان إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا أي : بعد هذه الحالة ، حالة التوبة من السيئات والرجوع إلى الطاعات ، لَغَفُورٌ يغفر السيئات ويمحوها ، ولو كانت قراب الأرض رَحِيمٌ بقبول التوبة ، والتوفيق لأفعال الخير وقبولها .