البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِهَا وَءَامَنُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ} (153)

{ والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إنّ ربّك من بعدها لغفور رحيم } { السيئات } هي الكفر والمعاصي غيره { ثم تابوا } أي رجعوا إلى الله { من بعدها } أي من بعد عمل السيئات { وآمنوا } داموا على إيمانهم وأخلصوا فيه أو تكون الواو حالية أي وقد آمنوا أنّ ربك من بعدها أي من بعد عمل السيئات هذا هو الظاهر ، ويحتمل أن يكون الضمير في { من بعدها } عائداً على التوبة أي { إنّ ربك } من بعد توبتهم فيعود على المصدر المفهوم من قوله { ثم تابوا } وهذا عندي أولى لأنك إذا جعلت الضمير عائداً على { السيئات } ، احتجت إلى حذف مضاف وحذف معطوف إذ يصير التقدير من بعد عمل السيئات والتوبة منها وخبر { الذين } قوله { إن ربك } وما بعده والرابط محذوف أي { لغفور رحيم } لهم .

قال الزمخشري : { لغفور } لستور عليهم محاء لما كان منهم { رحيم } منعم عليهم بالجنة وهذا حكم عام يدخل تحته متخذو العجل ومن عداهم عظم جنايتهم أوّلاً ثم أردفها بعظم رحمته ليعلم أنّ الذنوب وإن جلت وإن عظمت فإن عفوه تعالى وكرمه أعظم وأجلّ ولكن لا بد من حفظ الشريطة وهي وجوب التوبة والإنابة وما وراءه طمع فارغ وأشعبية باردة لا يلتفت إليها حازم انتهى ، وهو على طريقة الاعتزال .