{ وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ } أي أهل مكة عبد الله بن أبي أمية . وأصحابه ، وإيثار هذه الطريقة على الإضمار مع ظهور إرادتهم عقيب ذكر فرحهم بناءاً على أن ضمير { فَرِحُواْ } [ الرعد : 26 ] لهم لذمهم والتسجيل عليهم بالكفر فيما حكى عنهم من قولهم : { لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } فإن ذلك في أقصى مراتب المكابرة والعناد كأن ما أنزل عليه عليه الصلاة والسلام من الآيات العظام الباهرة ليست عندهم بآية حتى اقترحوا ما لا تقتضيه الحكمة من الآيات كسقوط السماء عليهم كسفاً وسير الأخشبين وجعل البطاح محالرث ومفترساً كالأردن وإحياء قضى لهم إلى غير ذلك { قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاء } إضلاله مشيئة تابعة للحكمة الداعية إليها ، وهو كلام جار مجرى التعجب من قولهم ، وذلك أن الآيات الباهرة المتكاثرة التي أويتها صلى الله عليه وسلم لم يؤتها نبي قبله ، وكفى بالقرآن وحده آية فإذا جحدوها ولم يعتدوا بها كان ذلك موضعاً للتعجب والإنكار ، وكان الظاهر أن يقال في الجواب : ما أعظم عنادكم وما أشد تصميمكم على الكفر ونحوه إلا أنه وضع هذا موضعه للإشارة إلى أن المتعجب منه يقول : { إِنَّ الله يُضِلُّ } الخ أي أنه تعالى يخلق فيمن يشاء الضلال بصرف اختياره إلى تحصيله ويدعه منهمكاً فيه لعلمه بأنه لا ينجع فيه اللطف ولا ينفعه الإرشاد لسوء استعداده كمن كان على صفتكم في المكابرة والعناد وشدة الشكيمة والغلو في الفساد فلا سبيل له إلى الاهتداء ولو جاءته كل آية . { وَيَهْدِى إِلَيْهِ } أي إلى جانبه العلي الكبير .
وقال أبو حيان : أي إلى دينه وشرعه سبحانه هداية مواصلة إليه لا دلالة مطلقة إلى ما يوصل فإن ذلك غير مختص بالمهتدين وفيه من تشريفهم ما لا يوصف ، وقيل : الضمير للقرآن أو للرسول عليه الصلاة والسلام وهو خلاف الظاهر جداً { مَنْ أَنَابَ } أي أقبل إلى الحق وتأمل في تضاعيف ما نزل من دلائله الواضحة وحقيقة الإنابة الرجوع إلى نوبة الخير ، وإيثارها في الصلة على إيراد المشيئة كما في الصلة الأولى على ما قال مولانا شيخ الإسلام للتنبيه على الداعي إلى الهداية بل إلى مشيئتها والإشعار بما دعا إلى المشيئة الأولى من المكابرة ، وفيه حث للكفرة على الإقلاع عما هم عليه من العتو والعناد ، وإيثار صيغة الماضي للإيماء إلى استدعاء الهداية السابقة كما أن إيثار صيغة المضارع في الصلة الأولى للدلالة على استمرار المشيئة حسب استمرار مكابرتهم ، والآية صريحة في مذهب أهل السنة في نسبة الخير والشر إليه عز وجل وأولها المعتزلة فقال أبو علي الجبائي : المعنى يضل من يشاء عن ثوابه ورحمته عقوبة له على كفرة فلستم ممن يجيبه الله تعالى إلى ما يسأل لاستحقاقكم العذاب والإضلال عن الثواب ويهدي إلى جنته من تاب وآمن ، ثم قال : وبهذا تبين أن الهدى هو الثواب من حيث علق بقوله تعالى : { مَنْ أَنَابَ } والهدى الذي يفعله سبحانه بالمؤمن هو الثواب لأنه يستحقه على إيمانه ، وذلك يدل على أنه تعالى يضل عن الثواب بالعقاب لا عن الدين بالكفر على ما ذهب إليه من خالفنا اه ولا يخفى ما فيه .
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك بعض المطالب المعنتة التي طلبها الكافرون من النبى - صلى الله عليه وسلم - ورد عليها بما يبطلها ، ومدح المؤمنين لاطمئنان قلوبهم إلى سلامة دينهم من كل نقص ، وأيأسهم من إيمان أعدائهم لاستيلاء العناد والجحود على قلوبهم ، فقال - تعالى - :
{ وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ . . . } .
قوله - سبحانه - { وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ } حكاية لما طلبه مشركو مكة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سبيل التعنت والطغيان . ومرادهم بالآية : آية كونية كإحياء الموتى وإزاحة الجبال من أماكنها " لولا " هنا : حرف تحضيض بمعنى هلا .
أى : ويقول الكافرون على سبيل العناد والجحود ، هلا أنزل على هذا الرسول آية كونية تدل على صدقه ، كأن يحيى لنا موتانا ، أو أن يحول لنا جبل الصفا ذهبا . .
وكأنهم يرون أن القرآن الذي نزل عليه - صلى الله عليه وسلم - لا يكفى - في زعمهم - أن يكون آية ومعجزة شاهدة على صدقه .
وقد أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم بقوله : { قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ويهدي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ } .
أى : قل لهم أيها الرسول الكريم على سبيل التعجب من أحوالهم ومن شدة ضلالهم : إن الله - تعالى - يضل عن طريق الحق من يريد إضلاله ، لاستحباب هذا الضال العمى على الهدى ، ويهدى إلى صراطه المستقيم ، من أناب إليه - سبحانه - ورجع إلى الحق الذي جاء به رسوله - صلى الله عليه وسلم - بقلب سليم ، وعقل متفتح لمعرفة الصواب والرشاد .
فالجملة الكريمة تعجيب من أقوالهم الباطلة ، ومن غفلتهم عن الآيات الباهرة التي أعطاها الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى رأسها القرآن الكريم الذي هو آية الآيات ، وحض لهم على الإِقلاع عما هم عليه من العنو والعناد .
والإِنابة : الرجوع إلى الشئ بعد تردد ، فقد جرت عادة كثيرة من النفوس البشرية أن يعرض عليها الحق فتتردد في قبوله في أول الأمر ، ثم تعود إلى قبوله واعتناقه بعد قيام الدلائل على صحته وسلامته من الفساد .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف طابق قولهم { لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ } قوله { قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ . . . } ؟
قلت : هو كلام يجرى مجرى التعجب من قولهم ، وذلك أن الآيات الباهرة والمتكاثرة التي أوتيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يؤتها نبى قبله ، وكفى بالقرآن وحده آية وراء كل آية . فإذا جحدوها ولم يهتدوا بها وجعلوه كأن آية لم تنزل عليه قط ، كان موضعاً للتعجب والاستنكار ، فكأنه قيل لهم : ما أعظم عنادكم وما أشد تصميمكم على كفركم ، إن الله يضل من يشاء ممن كان على صفتكم من التصميم وشدة الشكيمة في الكفر ، فلا سبيل إلى اهتدائهم وإن أنزلت كل آية { ويهدي إِلَيْهِ مَنْ } كان على خلاف صفتكم { أَنَابَ } أقبل إلى الحق وحقيقته دخل في نوبة الخير .
قوله تعالى : { وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ 27 الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ 28 الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ } يقول المشركون في سفاهة وضلال : هلا أنزل الله على محمد آية ؟ أي معجزة حسية يشاهدونها أو يلمسونها كإنزال العذاب من السماء كسفا ، أو إطباق الأخشبين عليهم ، أو تحويل الأرض القفر جنات وأنهارا . أو غير ذلك من الآيات المقترحة ؛ فرد الله عليهم بأن نزول مثل هذه الآيات لا يقتضي إيمانهم وهداهم بالضرورة والحتم ؛ فإن من سبقهم من الأمم قد أوتوا كثيرا من المعجزات الحسية فلم يؤمنوا ؛ بل نكصوا على أعقابهم وأبوا إلا الجحود والعصيان . وهذه الأمة كغيرها من الأمم سوف لا يفضي المعجزات الحسية إلى إيمانهم وهدايتهم على التحقيق . وخير دليل على ذلك : أن هذا القرآن أعظم معجزة يعيها البشر ويستمعون إليها . لا جرم أن القرآن في كمال أسلوبه ومبناه ، وعظيم مضمونه ومعناه ؛ ليس له في كلام العالمين نظير ؛ فهو بذلك معجزة قائمة للعيان . ولو تدبرها تمام التدبر كل ذي قلب وبصر ؛ وما لبث أن يهتدي أو يعتبر . لكنه بالرغم من ذلك كله ؛ فإن الناس ضالعون في الانتكاس والانثناء عن الإيمان الحق . ومن أجل ذلك يقول الله : { قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ } لا يهدي الله إلى الحق والهدى من كان جانح الطبع ، فاسد الفطرة ، وإنما يهدي الله من كان سليم الطبع والفطرة ، نقي الجوهر والضمير ، مبرأ من مثالب النفس وأمراضها . فما يهتدي إلى منهج الله وينيب راجعا نائبا إلى ربه إلا كل ذي قلب سوي سليم . ومن دون ذلك من مرضى القلوب والفطر ؛ فإنهم لا محالة نافرون من دين الله وصائرون إلى الضلال والجحود .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.