{ لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ } قيل : أي لولا حكم منه تعالى سبق إثباته في اللوح المحفوظ وهو أن لا يعذب قوماً قبل تقديم ما يبين لهم أمراً أو نهياً ، وروى ذلك الطبراني في الأوسط . وجماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، ورواه أبو الشيخ عن مجاهد أو المخطىء في مثل هذا الاجتهاد ، وقيل : هو أن لا يعذبهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم أوان لا يعذب أهل بدر رضي الله تعالى عنهم ، فقد روى الشيخان وغيرهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله تعالى عنه في قصة حاطب وكان قد شهد بدراً : وما يدريك لعل الله تعالى اطلع على أهل بدر ، وقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم » وقريب من هذا ما روي عن مجاهد أيضاً . وابن جبير وزعم أن هذا قول بسقوط التكليف لا يصدر إلا عمن سقط عنه التكليف ، والعجب من الإمام الرازي كيف تفوه به لأن المراد أن من حضر بدراً من المؤمنين يوفقه الله تعالى لطاعته . ويغفر له الذنب لو صدر منه ويثبته على الإيمان الذي ملأ به صدره إلى الزوافاة لعظم شأن تلك الوقعة إذ هي أول وقعة أعز الله تعالى بها الإسلام وفاتحة للفتوح والنصر من الله عز وجل ، وليس الأمر في الحديث على حقيقته كما لا يخفى ، وقيل : هو أن الفدية التي أخذوها ستصير حلالاً لهم . واعترض بأن هذا لا يصلح أن يعد من موانع مساس العذاب فإن الحل اللاحق لا يرفع حكم الحرمة السابقة كما أن الحرمة اللاحقة كما في الخمر مثلاً لا ترفع حكم الإباحة السابقة ، على أنه قادح في تهويل ما نعى عليهم من أخذ الفداء كما يدل عليه قوله سبحانه : { لَمَسَّكُمْ } أي لأصابكم { فِيمَا أَخَذْتُمْ } أي لأجل أخذكم أو الذي أخذتموه من الفداء { عَذَابٌ عظِيمٌ } لا يقادر قدره .
وأجيب بأنه لا مانع من اعتبار كونها ستحل سبباً للعفو ومانعاً عن وقوع العذاب الدنيوي المراد بما في الآية وإن لم يعتبر في وقت من الأوقات كون المباح سيحرم سبباً للانتقام ومانعاً من العفو تغليباً لجانب الرحمة على الجانب الآخر ، وحاصل المعنى أن ما فعلتم أمر عظيم في نفسه مستوجب للعذاب العظيم لكن الذي تسبب العفو عنه ومنع ترتب العذاب عليه إني سأحله قريباً لكم ، ومثل ذلك نظراً إلى رحمتي التي سبقت غضبي يصير سبباً للعفو ومانعاً عن العذاب ، وكأن الداعي لتكلف هذا الجواب أن ما ذكر أخرجه ابن أبي حاتم . وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه واخرجاهما .
والبيهقي . وابن جرير . وابن المنذر . وغيرهم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضاً ، ولا يبعد عندي أن يكون المانع من مساس العذاب كل ما تقدم ، وفي ذلك تهويل لمانعي عليهم حيث منع من ترتب مساس العذاب عليه موانع جمة ولولا تلك الموانع الجمة لترتب ، وتعدد موانع شيء واحد جائز وليس كتعدد العلل واجتماعها على معلول واحد شخصي كما بين في موضعه ، وبهذا يجمع بين الروايات المختلفة عن الحبر في بيان هذا الكتاب ، وذلك بأن يكون في كل مرة ذكر أمراً واحداً من تلك الأمور ، والتنصيص على الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه وليس في شيء من الروايات ما يدل على الحصر فافهم ، وقال بعضهم : إن المعنى لولا حكم الله تعالى بغلبتكم ونصركم لمسكم عذاب عظيم من أعدائكم بغلبتهم لكم وتسليطهم عليكم يقتلون ويأسرون وينهبون وفيه نظر ، لأنه إن أريد بهذه الغلبة المفروضة الغلبة في بدر فالأخذ الذي هو سببها إنما وقع بعد انقضاء الحرب ، وحينئذٍ يكون مآل المعنى لولا حكم الله تعالى بغلبتكم لغلبكم الكفار قبل بسبب ما فعلتم بعد وهو كما ترى ، وإن أريد الغلبة بعد ذلك فهي قد مست القوم في أحد فإن أعداءهم قد قتلوا منهم سبعين عدد الأسرى وكان ما كان ؛ فلا يصح نفي المس حينئذٍ . نعم أخرج ابن جرير عن محمد بن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند نزول هذه الآية : «لو أنزل من السماء عذاب لما نجا منه غير عمر بن الخطاب . وسعد بن معاذ لقوله : كان الأثخان في القتل أحب إلي » وأخرجه ابن مردويه عن ابن عمر لكن لم يذكر فيه سعد بن معاذ وذلك يدل على أن المراد بالعذاب عذاب الدنيا غير القتل مما لم يعهد لمكان نزل من السماء ، وحينئذٍ لا يرد أنه استشهد منهم بعدتهم لأن الشهادة لا تعد عذاباً ، لكن هذا لا ينفع ذلك القائل لأنه لم يفسر العذاب إلا بالغلبة وهي صادقة في مادة الشهادة .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض مظاهر رحمته بالمؤمنين : { لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } .
والمراد بالكتابه هنا : الحكم ، وأطلق عليه كتاب لأن هذا الحكم مكتوب في اللوح المحفوظ .
وللمفسرين أقوال في تفسير هذا الحكم السابق في علم الله - تعالى - : فمنهم من يرى أن المراد به أنه - سبحانه - لا يعذب المخطئ في اجتهاده .
وقد صرد صاحب الكشاف تفسيره لهذه الآية بهذا الرأى فقال قوله : { لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ } . اى : لولا حكم منه سبق إثباته في اللوح المحفوظ ، وهو أنه - سبحانه - لا يعاقب أحداً بخطأ ، وكان هذا خطأ في الاجتهاد ، لأنهم نظروا في أن استبقاءهم ربما كان سبباً في إسلامهم وتوبتهم وأن فداءهم يتقوى بهم على الجهاد في سبيل الله ، وخفى عليهم أن قتلهم أعز للإِسلام وأهيب لمن وراءهم ، وأقل لشوكتهم . .
ومنهم من يرى أن المراد به أنه - سبحانه - لا يعذب قوماً إلا بعد تقديم النهى عن الفعل ولم يتقدم نهى عن أخذ الفداء .
ومنهم من يرى أن المراد به أنه - سبحانه - لا يعذبهم ما دام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهم .
أو أنه - سبحانه - لا يعذب أحداً ممن شهد بدراً .
وقد ساق الإِمام الرازى هذه الأقوال وناقشها ثم اختار أن المراد بالكتاب الذي سبق : هو حكمه - سبحانه - في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة ، لأنه كتب على نفسه الرحمة . وسبقت رحمته غضبه .
أما الإِمام ابن جرير فهو يرى : أن الاية خبر عام محصور على معنى دون معنى ، وأنه لا وجه لأن يخص من ذلك معنى دون معنى . . فقال : يقول الهل - تعالى - لأهل بدر الذين أخذوا من الأسرى الفداء { لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ } .
أى : لولا قضاء من الله سبق لكم أهل بدر في اللوح المحفوظ أن الله يحل لكم الغنيمة ، وأن الهل قضى أنه لا يضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ، وأنه لا يعذب أحداً شهد هذا المشهد الذي شهدتموه ببدر . . لولا كل ذلك لنالكم من الله بأخذكم الفداء عذاب عظيم .
ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير - من أن الآية خبر عام يشمل كل هذه المعانى - أولى بالقبول ، لأنه لم يوجد نص صحيح عن النبى - صلى الله عليه وسلم - يحدد تفسيره المراد من هذا الكتاب السابق في علمه - تعالى - .
ولعل الحكمة في هذا الإبهام لتذهب الأفهام فيه إلى كل ما يحتمله اللفظ ، ويدل عليه المقام ، ولكى يعرفوا أن أهذهم الفداء كان ذنباً يستحقون العقوبة عليه لولا أن الله - تعالى - قدر في الأزل العقو عنهم بسبب وجود النبى - صلى الله عليه وسلم - فيهم ، ولأنهم قد أخطأوا في اجتهادهم ، ولأنهم لم يتقدم لهم نهى عن ذلك ، ولأنهم قد شهدوا هذه الغزوة التي قال الرسول في شأن من حضرها على لسان ربه - عز وجل - : " اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " .
فقد روى الشيخان وغيرهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعرم في قصة حاطب بن أبى بلتعة عند ما أخبر المشركين بأن الرسول سيغزوهم قبل فتح مكة وكان حاطب قد شهد بدراً : " وما يدريك لعل الله - تعالى - اطلع على أهل بدر وقال : " اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " .
والمعنى الإجمالى للآية الكريمة : { لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ } أى : لولا حكم من الله - تعالى - سبق منه في الأزل ألا يعذب المخطئ على اجتهاده أو ألا يعذب قوماً قبل تقديم البيان إليهم . . . ولولا كل ذلك { لَمَسَّكُمْ } أي لأصابكم { فِيمَآ أَخَذْتُمْ } أي بسبب ما أخذتم من الفداء قبل أن تؤمروا به { عَذَابٌ عَظِيمٌ } لا يقادر قدره في شدته وألمه .
قال ابن جرير : قال ابن زيد : لم يكن من المؤمنين أحد ممن نصر إلا أحب الغنائم إلا عمر بن الخطاب ، جعل لا يلقى أسيراً إلا ضرب عنقه وقال : يا رسول الله مالنا وللغنائم ؟ نحن قوم نجاهد في دين الله حتى يعبد الله فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لو عذبنا في هذا الأمر يا عمر ما نجا غيرك " .
وقال ابن اسحاق : لما نزلت { لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ } الآية . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لو نزل عذاب من السماء لم ينج منه إلا سعد بن معاذ لقوله : يا نبى الله ، كان الإِثخان في القتل أحب إلى من استبقاء الرجال " .
وقال بعض العلماء : قال القاضى ، وفى الآية دليل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجتهدون ، وأنه قد يكون خطأ ولكن لا يقرون عليه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.