روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي  
{لَهُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ} (57)

{ لَهُمْ فِيهَا فاكهة } بيان لما يتمتعون به في الجنة من المآكل والمشارب وما يتلذذون به من الملاذ الجسماني والروحانية بعد بيان ما لهم فيها من مجالس الإنس ومحافل القدس تكميلاً لبيان كيفية ما هم فيه من الشغل والبهجة كذا قيل ، ويجوز أن يكون استئنافاً بيانياً وقع جواب سؤال نشأ مما يدل عليه الكلام السابق من اشتغالهم بالإنس واتكائهم على الأراشك عدم تعاطيهم أسباب المأكل والمشرب فكأنه قيل : إذا كان حالهم ما ذكر فكيف يصنعون في أمر مأكلهم ؟ فأجيب بقوله سبحانه : { لَهُمْ فِيهَا فاكهة } وهو مشير إلى أن لهم من المأكل ما لهم على أتم وجه ، وأفيد أن فيه إشارة إلى أنه لا جوع هناك وليس الأكل لدفع ألم الجوع وإنما مأكولهم فاكهة ولو كان لحماً ، والتنوين للتفخيم أي فاكهة جليلة الشأن ، وفي قوله سبحانه : { لَهُمْ فِيهَا فاكهة } دون يأكلون فيها فاكهة إشارة إلى كون زمام الاختيار بأيديهم وكونهم مالكين قادرين فإن شاؤا أكلوا وإن شاؤا أمسكوا .

{ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ } أي ما يدعون به لأنفسهم أي لهم كل ما يطلبه أحد لنفسه لا أنهم يطلبون فإنه حاصل كما إذا سألك أحد فقلت : لك ذلك تعني فلم تطلب أو لهم ما يطلبون بالفعل على أن هناك طلباً وإجابة لأن الغبطة بالإجابة توجب اللذة بالطلب فإنه مرتبة سنية لاسيما والمطلوب منه والمجيب هو الله تعالى الملك الجيل جل جلاله وعم نواله ، فيدعون من الدعاء بمعنى الطلب ، وأصله يد تعيون على وزن يفتعلون سكنت الياء بعد أن ألقيت حركتها على ما قبلها وحذفت لسكونها وسكون الواو بعدها ، وقيل : بل ضمت العين لأجل واو الجمع ولم يلق حركة الياء عليها وإنما حذفت استثقالاً ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين فصار يدتعون فقلبت التاء دالاً وأدغمت ، وافتعل بمعنى فعل الثلاثي كثير ومنه اشتوى بمعنى شوى واجتمل بمعنى جمل أي أذاب الشحم .

قال لبيد :

فاشتوى ليلة ريح واجتمل . *** و { لَهُمْ } خبر مقدم وما مبتدأ مؤخر وهي موصولة والجملة بعدها صلة والعائد محذوف وهو إضما ضمير مجرور أو ضمير منصوب على الحذف والإيصال ، وجوز أن تكون منا نكرة موصوفة وأن تكون مصدرية فالمصدر حينئذ مبتدأ وهو خلاف الظاهر ، والجملة عطف على الجملة قبلها ، وعدم الاكتفاء بعطف { مَا } على { فاكهة } لئلا يتوهم كونها عبارة عن توابع الفاكهة ومتمماتها .

وجوز أن يكون { يَدَّعُونَ } من الافتعال بمعنى التفاعل كارتموه بمعنى تراموه أي لهم ما يتداعون ، والمعنى كل ما يصح أن يطلبه أحد من صاحبه فهو حاصل لهم أو ما يطلبه بعضهم من بعض بالفعل لما في ذلك من التحاب ، وأن يكون من الافتعال على ما سمعت أولاً إلا أن الادعاء بمعنى التمني .

قال أبو عبيدة : العرب تقول ادع على ما شئت بمعنى تمن على ، وتقول فلان في خير ما ادعى أي تمني أي لهم ما يتمنون ، قال الزجاج : وهو مأخوذ من الدعاء أي كل ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم ، وقيل : افتعل بمعنى فعل فيدعون بمعنى يدعون من الدعاء بمعناه المشهور أي لهم ما كان يدعون به الله عز وجل في الدنيا من الجنة ودرجاتها .