روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي  
{وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفۡ مِنۢ بَعۡدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوۡمٍ ءَاخَرِينَ} (133)

{ وَرَبُّكَ الغنى } أي لا غنى عن كل شيء كائناً ما كان إلا هو سبحانه فلا احتياج له عز شأنه إلى العباد ولا إلى عبادتهم ، ولا يخفى ما في التعرض لعنوان الربوبية مع الإظهار في مقام الإضمار والإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من اللطف الجزيل ، والكلام مبتدأ وخبر . وقوله سبحانه : { ذُو الرحمة } خبر آخر ، وجوز أن يكون هو الخبر و { الغنى } صفة أي الموصوف بالرحمة العامة فيترحم على العباد بالتكليف تكميلاً لهم ويمهلهم على المعاصي إلى ما شاء ، وفي ذلك تنبيه على أن ما تقدم ذكره من الإرسال ليس لنفعه بل لترحمه على العباد وتوطئة لقوله سبحانه : { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } أي ما به حاجة إليكم أصلاً إن يشأ يذهبكم أيها العصاة أو أيها الناس بالإهلاك ، وفي تلوين الخطاب من تشديد الوعيد ما لا يخفى { وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم } أي وينشىء من بعد إذهابكم { مَا يَشَاء } من الخلق ، وإيثار ( ما ) على من لإظهار كمال الكبرياء وإسقاطهم عن رتبة العقلاء { كَمَا أَنشَأَكُمْ مّن ذُرّيَّةِ قَوْمٍ ءاخَرِينَ } أي من نسل قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح عليه السلام لكنه سبحانه أبقاكم ترحماً عليكم ، وما في { كَمَا } مصدرية ومحل الكاف النصب على المصدرية أو الوصفية لمصدر الفعل السابق أي وينشىء إنشاء كإنشائكم أو يستخلف استخلافاً كائناً كإنشائكم ، و { مِنْ } لابتداء الغاية ، وقيل : هي بمعنى البدل والشرطية استئناف مقرر لمضمون ما قبلها من الغنى والرحمة .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَرَبُّكَ الغنى } لذاته عن كل ما سواه { ذُو الرحمة } العامة الشاملة فخلق العباد ليربحوا عليه لا ليربح عليهم ، والغني عند الكثير مشير إلى نعت الجلال وذو الرحمة إلى صفة الجمال { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } لغناه الذاتي عنكم { وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء } [ الأنعام : 133 ] من أهل طاعته برحمته