التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيۡنِي وَبَيۡنِكَۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأۡوِيلِ مَا لَمۡ تَسۡتَطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرًا} (78)

المشار إليه بلفظ { هذا } مقدر في الذهن حاصل من اشتراط موسى على نفسه أنه إن سأله عن شيء بعد سؤاله الثاني فقد انقطعت الصحبة بينهما ، أي هذا الذي حصل الآن هو فراق بيننا ، كما يقال : الشرطُ أمْلَك عليك أمْ لك . وكثيراً ما يكون المشار إليه مقدراً في الذهن كقوله تعالى : { تلك الدار الآخرة } [ القصص : 83 ] . وإضافة { فراق } إلى { بيتي } من إضافة الموصوف إلى الصفة . وأصله : فراقٌ بيني ، أي حاصل بيننا ، أو من إضافة المصدر العامل في الظرف إلى معموله ، كما يضاف المصدر إلى مفعوله . وقد تقدم خروج ( بين ) عن الظرفية عند قوله تعالى : { فلما بلغا مجمع بينِهما } [ الكهف : 61 ] .

وجملة { سأُنْبِئُك } مستأنفة استئنافاً بيانياً ، تقع جواباً لسؤال يهجس في خاطر موسى عليه السلام عن أسباب الأفعال التي فعلها الخضر عليه السلام وسأله عنها موسى فإنه قد وعده أن يُحدث له ذكراً مما يفعله .

والتأويل : تفسير لشيء غير واضح ، وهو مشتق من الأول وهو الرجوع . شبه تحصيل المعنى على تكلف بالرجوع إلى المكان بعد السير إليه . وقد مضى في المقدمة الأولى من مقدمات هذا التفسير ، وأيضاً عند قوله تعالى : { وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم يقولون } الخ . . من أول سورة آل عمران ( 7 ) .

وفي صلة الموصول من قوله { مَا لَمْ تَسْتطِع عليه صَبْراً } تعريض باللوم على الاستعجال وعدم الصبر إلى أن يأتيه إحداث الذكر حسبما وعده بقوله { فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً } .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيۡنِي وَبَيۡنِكَۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأۡوِيلِ مَا لَمۡ تَسۡتَطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرًا} (78)

قوله تعالى : " قال هذا فراق بيني وبينك " فعند ذلك قال له الخضر " هذا فراق بيني وبينك " بحكم ما شرطت على نفسك . وتكريره " بيني وبينك " وعدوله عن بيننا لمعنى التأكيد . قال سيبويه : كما يقال أخزى الله الكاذب مني ومنك ، أي منا . وقال ابن عباس : وكان قول موسى في السفينة والغلام لله ، وكان قوله في الجدار لنفسه لطلب شيء من الدنيا ، فكان سبب الفراق . وقال وهب بن منبه : كان ذلك الجدار جدارا طوله في السماء مائة ذراع .

الثالثة عشرة-قوله تعالى : " سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا " تأويل الشيء مآله أي قال له : إني أخبرك لم فعلت ما فعلت . وقيل في تفسير هذه الآيات التي وقعت لموسى مع الخضر : إنها حجة على موسى وعجبا له وذلك أنه لما أنكر أمر خرق السفينة نودي : يا موسى أين كان تدبيرك هذا وأنت في التابوت مطروحا في اليم ، فلما أنكر أمر الغلام قيل له : أين إنكارك هذا من وكزك القبطي وقضائك عليه فلما أنكر إقامة الجدار نودي : أين هذا من رفعك حجر البئر لبنات شعيب دون أجر .