التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَوۡلَآ أَجَلٞ مُّسَمّٗى لَّجَآءَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ وَلَيَأۡتِيَنَّهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (53)

عطف على جملة : { وقالوا لولا أنزل عليه ءايات من ربّه } [ العنكبوت : 50 ] استقصاء في الرد على شبهاتهم وإبطالاً لتَعِلاَّت إعراضهم الناشىء عن المكابرة ، وهم يخيلون أنهم إنما أعرضوا لعدم اقتناعهم بآية صدق الرسول صلى الله عليه وسلم .

ومناسبة وقوعه هذا أنه لما ذكر كفرهم بالله وكان النبي عليه الصلاة والسلام ينذرهم على ذلك بالعذاب وكانوا يستعجلونه به ذكر توركهم عليه عقب ذكر الكفر . واستعجال العذاب : طلب تعجيله وهو العذاب الذي تُوعدوا به . وقصدهم من ذلك الاستخفاف بالوعيد . وتقدم الكلام على تركيب : { يستعجلونك بالعذاب } في قوله تعالى : { ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير } في سورة [ يونس : 11 ]

قوله : { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة في سورة } [ الرعد : 6 ] . والتعريف في ( العذاب ) تعريف الجنس . وحُكي استعجالهم العذاب بصيغة المضارع لاستحضار حال استعجالهم لإفادة التعجيب منها كما في قوله تعالى : { يجادلنا في قوم لوط } [ هود : 74 ] .

وقد أبطل ما قصدوه بقوله : { ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب } وذلك أن حلول العذاب ليس بيد الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولا جارياً على طلبهم واستبطائهم فإن الله هو المقدر لوقت حلوله بهم في أجل قدره بعلمه .

والمسمَّى أريد به المعيّن المحدود أي في علم الله تعالى . وقد تقدم عند قوله تعالى : { ونقرّ في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمّى } في سورة [ الحج : 5 ] .

والمعنى : لولا الأجل المعين لحلول العذاب بهم لجاءهم العذاب عاجلاً لأن كفرهم يستحق تعجيل عقابهم ولكن أراد الله تأخيره لحِكَم عَلِمَها ، منها إمهالهم ليؤمن منهم من آمن بعد الوعيد ، وليعلموا أن الله لا يستفزه استعجالهم العذاب لأنه حكيم لا يخالف ما قدره بحكمته ، حليم يمهل عباده . فالمعنى : لولا أجل مسمى لجاءهم العذاب في وقت طلبهم تعجيله ، ثم أنذرهم بأنه آتيهم بغتة وأن إتيانه محقق لما دل عليه لام القسم ونون التوكيد وذلك عند حلول الأجل المقدّر له . وقد حل بهم عذاب يوم بدر بغتة كما قال تعالى : { ولو تَوَاعَدْتم لاختلفتم في الميعاد } [ الأنفال : 42 ] فاستأصل صناديدهم يومئذ وسُقط في أيديهم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَوۡلَآ أَجَلٞ مُّسَمّٗى لَّجَآءَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ وَلَيَأۡتِيَنَّهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (53)

قوله تعالى : " ويستعجلونك بالعذاب " لما أنذرهم بالعذاب قالوا لفرط الإنكار : عجل لنا هذا العذاب ، وقيل : إن قائل ذلك النضر بن الحارث وأبو جهل حين قالا : " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء " [ الأنفال : 32 ] وقولهم : " ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب " [ ص : 16 ] . وقوله : " ولولا أجل مسمى " في نزول العذاب قال ابن عباس : يعني هو ما وعدتك ألا أعذب قومك وأؤخرهم إلى يوم القيامة بيانه : " بل الساعة موعدهم " [ القمر : 46 ] وقال الضحاك : هو مدة أعمارهم في الدنيا وقيل : المراد بالأجل المسمى النفخة الأولى قاله يحيى بن سلام . وقيل : الوقت الذي قدره الله لهلاكهم وعذابهم . قاله ابن شجرة وقيل : هو القتل يوم بدر وعلى الجملة فلكل عذاب أجل لا يتقدم ولا يتأخر دليله قوله : " لكل نبأ مستقر " [ الأنعام : 67 ] . " لجاءهم العذاب " يعني الذي استعجلوه . " وليأتينهم بغتة " أي فجأة . " وهم لا يشعرون " أي لا يعلمون بنزوله عليهم .