التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{هَٰذَا خَلۡقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ بَلِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ} (11)

وجملة { هذا خلق الله } إلى آخرها نتيجة الاستدلال بخلق السماء والأرض والجبال والدواب وإنزال المطر . واسم الإشارة إلى ما تضمنه قوله { خلق السماوات } إلى قوله { من كل زوج كريم . } والإتيان به مفرداً بتأويل المذكور . والانتقال من التكلم إلى الغيبة في قوله { خلق الله } التفاتاً لزيادة التصريح بأن الخطاب وارد من جانب الله بقرينة قوله { هذا خلق الله } وكذلك يكون الانتقال من التكلم إلى الغيبة في قوله { ماذا خلق الذين من دونه } التفاتاً لمراعاة العود إلى الغيبة في قوله { خَلق الله } . ويجوز أن تكون الرؤية من قوله { فأروني } علمية ، أي فأنْبِئُوني ، والفعل معلقاً عن العمل بالاستفهام ب { ماذا } .

فيتعين أن يكون { فأروني } تهكماً لأنهم لا يمكن لهم أن يكافحوا الله زيادة على كون الأمر مستعملاً في التعجيز ، لكن التهكم أسبق للقطع بأنهم لا يتمكنون من مكافحة الله قبل أن يقطعوا بعجزهم عن تعيين مخلوق خلقه من دون الله قطعاً نظرياً .

وصوغ أمر التعجيز من مادة الرؤية البصرية أشد في التعجيز لاقتضائها الاقتناع منهم بأن يحضروا شيئاً يدّعون أن آلهتهم خلقته . وهذا كقول حُطائط بن يعفر النهشلي{[319]} وقيل حاتم الطائي :

أريني جواداً مات هَزلاً{[320]} لعلني *** أرى ما تزين أو بخيلا مخلَّدا

أي : أحضرني جواداً مات من الهزال وأرينيه لعلي أرى مثل ما رأيتيه .

والعرب يقصدون في مثل هذا الغرض الرؤية البصرية ، ولذلك يكثر أن يقول : ما رأتْ عيني ، وانظر هل ترى . وقال امرؤ القيس :

فللَّه عيناً من رأى من تفرق *** أشتّ وأنأى من فراق المحصب

وإجراء اسم موصول العقلاء على الأصنام مجاراة للمشركين إذ يعدُّونهم عقلاء . و { مِنْ دونه } صلة الموصول . و ( دون ) كناية عن الغير ، و { مِن } جارّة لاسم المكان على وجه الزيادة لتأكيد الاتصال بالظرف .

و { بل } للإضراب الانتقالي من غرض المجادلة إلى غرض تسجيل ضلالهم ، أي في اعتقادهم إلهية الأصنام ، كما يقال في المناظرة : دع عنك هذا وانتقل إلى كذا .

و { الظالمون } : المشركون . والضلال المبين : الكفر الفظيع ، لأنهم أعرضوا عن دعوة الإسلام للحق ، وذلك ضلال ، وأشركوا مع الله غيره في الإلهية ، فذلك كفر فظيع . وجيء بحرف الظرفية لإفادة اكتناف الضلال بهم في سائر أحوالهم ، أي : شدة ملابسته إياهم .


[319]:- حطائط بضم الحاء: القصير
[320]:- هزلا بفتح الهاء: الهزال.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{هَٰذَا خَلۡقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ بَلِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ} (11)

قوله تعالى : " هذا خلق الله " [ مبتدأ وخبر . والخلق بمعنى المخلوق ، أي هذا الذي ذكرته مما تعاينون " خلق الله " ]{[12571]} أي مخلوق الله ، أي خلقها من غير شريك . " فأروني " معاشر المشركين " ماذا خلق الذين من دونه " يعني الأصنام . " بل الظالمون " أي المشركون " في ضلال مبين " أي خسران ظاهر . " وما " استفهام في موضع رفع بالابتداء وخبره " ذا " وذا بمعنى الذي . و " خلق " واقع على هاء محذوفة ، تقديره فأروني أي شيء خلق الذين من دونه ، والجملة في موضع نصب ب " أروني " وتضمر الهاء مع " خلق " تعود على الذين ، أي فأروني الأشياء التي خلقها الذين من دونه . وعلى هذا القول تقول : ماذا تعلمت ، أنحو أم شعر . ويجوز أن تكون " ما " في موضع نصب ب " أروني " و " ذا " زائد ؛ وعلى هذا القول يقول : ماذا تعلمت ، أنحوا أم شعرا .


[12571]:ما بين المربعين ساقط من ش.